الواجهة الرئيسيةترجمات

كيف تجعلك القراءة أكثر ذكاءً وتعاطفًا مع الآخرين؟

كيوبوست – ترجمات

هناك كثير من العناوين الصحفية التي تشد انتباهنا؛ منها على سبيل المثال: احصل على مؤخرة مشدودة، عضلات بطن مثقولة، ذراع منتفخة، مغذيات مكتشفة حديثًا، أو ما السوبر فوود؟ وعلى الرغم من أن معظم تلك العناوين تجر خلفها موضوعات ليست على درجة كافية من الموثوقية؛ فإننا بمنتهى الغرابة نلهث خلفها متجاهلين على الدوام الموضوع الأكثر أهمية وهو: ما الذي يجعلنا أوفر صحة وأذكى وأكثر تعاطفًا؟

 والإجابة: إنها القراءة. ويمكننا أن نتشارك الرأي حول أن القراءة تحتاج إلى الصبر والاجتهاد وقوة الإرادة بخلاف قراءة العناوين العريضة والتغريدات والمزح التي لا تسمن ولا تغني من جوع ولا تمثل أي فارق بالنسبة إلى قدراتنا الذهنية، ولا يوجد ما هو أخطر من تلك الألعاب اللطيفة المسلية، التي نستطيع تشبيهها بإدمان السكريات على سبيل المثال، الذي نعرف أنه حلو لكن ضار، وهكذا يستيقظ الواحد منا من النوم ويقرر أن يجمع المعلومات من خلال قراءة تغريدة تتكون من 140 حرفًا لا أكثر، وهي طريقة كسولة للتعلم لا توازي أبدًا تأمل قصة ما من خلال قراءتها.

تحسين قدرات الذاكرة

 لا شك أن هناك عديدًا من الفوائد التي يمكن أن نجنيها من خلال القراءة، وهي الفوائد نفسها التي تضيع هباءً في عصر الهواتف الذكية. نجد مثلًا نحو الربع من تعداد الأطفال الأمريكيين الآن يجدون صعوبة في تعلم القراءة، ولا يخفى على أحد أن سيناريو كهذا لا يتوقف عند إحداث ضرر طفيف بمستوى ذكاء هؤلاء الأطفال وقدراتهم الاجتماعية؛ لكنه يتسبب في إعاقة قدراتهم الذهنية على مدى الحياة. وفي دراسة أجريت على 72 طفلًا تتراوح أعمارهم بين الثامنة والعاشرة، اكتشف الباحثون أن القراءة تساعد على نمو المادة البيضاء بالمخ، وهي المادة التي تساعد على تحسين الاتصال بين مناطق الجهاز العصبي المركزي.

اقرأ أيضًا: هل يهدد الإيموجي مستقبل اللغة؟

ويمكن الإشارة إلى أن المخ يتكون من منطقتَين؛ هما المادة الرمادية والمادة البيضاء، حيث تعمل الأولى على معالجة المعلومات، بينما تعمل الأخيرة -أي البيضاء- على نقل المعلومات بين أجزاء المادة الرمادية. ومن الجدير بالذكر أن القراءة لا تساعد فقط على تحسين القدرة على نقل المعلومات، لكنها تعمل على تحسين معالجة المعلومات في الوقت نفسه. ومقارنة بالفوائد العظيمة التي يمكن أن نجنيها من القراءة بلغة واحدة، فإن تعلم لغة جديدة يعمل على تعزيز الكثير من القدرات؛ من بينها تحسين مهارات التواصل من خلال توسيع دوائر البشر الذين يمكنك التعامل معهم، وكذلك تقوية المراكز المسؤولة عن تحديد الاتجاهات في الفراغ، بالإضافة إلى تعلم معلومات جديدة.

وتعد اللغة من بين الحقول المثيرة للدهشة في علم الأعصاب، وبإمكاننا التحقق من ذلك إذا تعرضنا إلى إحدى الحقائق الباهرة حول ارتباط اللغة بإثارة بعض المناطق المسؤولة عن الحركة والإحساس في المخ؛ فالقراءة عن أمر ما تثير نفس المناطق التي تعمل عند قيامك بالأمر نفسه؛ لذلك عندما تقرأ كلمة (صابون) أو (لافاندر)، فإن المناطق المسؤولة عن الرائحة في الدماغ تنشط، وربما لا تحفز كلمة “كرسي” مراكز الحركة والإحساس بالمخ؛ لكن لك أن تتخيل عندما تقرأ عبارة بها “كرسي من الجلد”، ألا تشعر بذلك النشاط في عقلك الذي يستدعي رائحة وملمس الجلد؟

ولنتامل بعض الأشياء التي تبدو ظاهريًّا منفصلة عن موضوعنا، فمثلًا تمارين القرفصاء التي تقوم بها للحصول على عجيزة مثالية، لكي تقوم بها فإنك تتخيل بشكلٍ مسبق صورة الحركات والأوضاع المتتابعة التي سيقوم بها جسمك في أثناء التمرين، وهكذا يفعل الأبطال الرياضيون. كذلك لو تأملنا ضربات لاعبة التنس الشهيرة سيرينا ويليامز، للكرة، أو ركلات المصارع كونور مكجريجور، سنجد أن كل هؤلاء يقومون بتصور الحركات التي عليهم أداؤها قبل أن يقوموا بها، وبإمكاننا تخيل أن المخ يقوم بأداء تلك الحركات قبل الجسد، وهو ما يحدث بالفعل؛ فهؤلاء الرياضيون يتدربون على أداء آليات التصور البصرية.

أصالة التواصل

وقد تكون قراءة الروايات طريقة ممتازة لتعلم كيف نمارس آدميتنا، فهناك ما هو أهم من قفز الحواجز وتسديد اللكمات، وهو الشعور الأكثر أصالة والأوفر أهمية في ممارسة الحياة الاجتماعية؛ أي الشعور بالتعاطف. وتساعدنا القراءة كذلك على التواصل مع الناس بشكل أفضل، فإذا وجدت نفسك، على سبيل المثال، مضطرًّا إلى التعامل مع فتى مراهق صعب المراس في عمر الثالثة عشر عامًا، فإنك غالبًا لن تقرر الاستجابة لتصرفات الصبي بالطريقة نفسها التي كتب عنها ديفيد ميتشيل مثلًا، وستجد نفسك قد تعلمت بعض الدروس من كتابة ميتشيل حول نفسية المراهقين وكيف يرى هؤلاء العالم من زاويتهم، وبالتالي ستكون لديك القدرة على الإتيان بردود أفعال أفضل وأكثر تفهمًا من ذي قبل.

من المحتمل أن تدفعك القراءة إلى أن تعيد النظر في الكيفية التي تستجيب بها لآراء الناس السياسية، فبينما أنت تجلس أمام الحاسوب وتتصفح الإنترنت ستتذكر أنه لا يهم كيف كان شعورك سيئًا أو كيف كنت ممتعضًا من رأي ما؛ فالإنسان الحقيقي يجلس أمام الشاشة وقبل أن يهم بعمل أي شيء فإنه يحاول أن يتـأمل: لماذا يفكر هؤلاء الناس بتلك الطريقة؟ إذ لا يتعلق الأمر بالاستهانة بالاستجابة للأفعال الاجتماعية والانخراط فيها، ولكن يتعلق بما هو إنساني بالدرجة الأولى. وكيف نكون بشرًا إذا لم نفكر في كل شيء قبل القيام به أو إذا لم ننظم أفكارنا لكي نتحاور بذكاء.

اقرأ أيضًا: مخاطر إدمان الأطفال للتكنولوجيا

لقد أثبت بعض الأبحاث أن القراءة لا تساعد فقط على تعزيز ما يُعرف بالذكاء السائل؛ لكنها كذلك تعمل على تحسين الذكاء الشعوري والقدرة على النقاش، فمع القراءة بإمكاننا أن نتخذ قرارات بشكل أوفر حكمة بشأن أنفسنا والأحداث التي تدور من حولنا. والقراء الجيدون لا يكتفون بترديد ما يقوله الآخرون وإعادة نشر تغريداتهم والدخول في مشادات مع منشوراتهم على شبكة الإنترنت؛ لكنهم بدلًا من ذلك يسعون لتكوين فلسفة عامة في الحياة من خلال ما يقرؤون، وهو ما يحول دون الوقوع في تنفيذ الأجندات الخاصة بالآخر عن غير وعي.

وفضلًا عن ذلك، لا شك أن التعرف على النيَّات التي يخبئها الناس خلف عباراتهم سيساعدك على تكوين أيديولوجية خاصة بك؛ لهذا السبب قد تكون قراءة الروايات من بين الأشياء المعدة خصيصًا للقيام بهذا الغرض؛ ففي دراسة علمية وردت عام 2011 بالتقرير السنوي لعلم النفس، وجد الباحثون أن هناك تداخلًا غير قليل بين المناطق التي تقوم بمعالجة القصص التي نقرأها أو نسمع عنها وتلك المناطق المخصصة لتعزيز التواصل الاجتماعي مع الناس.

خصوصية الشعر

وعلى الرغم من أن قراءة الروايات تستهلك كثيرًا من الوقت والطاقة؛ فإن المنافع التي نجنيها جديرة بالتضحيات، لأن جهازنا العصبي لديه القابلية للتأثر حتى بأكثر عبارات النثر قصرًا بشرط أن تكون معبرة ومحملة بالمشاعر. ولعل الشعر هو الآخر ليس أقل أهمية من الروايات بما يثيره من استجابات شعورية قوية في قرائه، وكانت إحدى الدرسات العلمية قد تصدرت لقياس تأثير الشعر على مستمعيه من خلال قياس معدل ضربات القلب وتعبيرات الوجه وتغيرات في وضع بصيلات الشعر على البشرة والذراعَين في أثناء استماعهم إلى الشعر؛ حيث أظهر نحو 40% من الأفراد الاستجابات نفسها التي أظهروها حال استماعهم إلى الموسيقى أو مشاهدتهم فيلم سينما.

“أظهرت التأثيرات الدماغية حالة فريدة لم تحدث مع أي شيء آخر بخلاف الشعر، حيث تم التقاط صور إشعاعية لأمخاخ المشاركين في الدراسة نتج عنها إظهار استثارة بعض المناطق في المخ التي لم يتسبب الاستماع إلى الموسيقى أو مشاهدة الأفلام في تحفيزها”.

وقد أظهر المتطوعون في الدراسة معظم تلك الاستجابات خلال اللحظات التي كانت قريبة من مواضع انتهاء المقاطع وبشكلٍ خاص قبل انتهاء القصيدة بقليل، وهو ما يمكن تفسيره بالحقيقة التي تقول باحتياجنا الأصيل إلى الحصول على استنتاج ما، وفي حال غياب الاستنتاجات عن الكلام الذي نستمع إليه؛ فإن العقل يقوم من تلقاء نفسه بتخيل نتيجة ما، وكلما نجحت القصيدة في الإتيان بما لم يتخيله العقل اضطربت قلوب المستمعين وتعاظمت استجابتهم الشعورية، ومن ثم يصبحون في حاجة إلى سماع المزيد من الشعر.

اقرأ أيضًا: الشعر كوسيلة للتواصل وتحسين الحالة النفسية والصحية

“هنالك شيء فريد في الشعر يجعله قادرًا على خلق النشوة وغرسها في أعمق مكان من النفس”

وسواء كنت تقرأ شعر أميري بركة أو ثلاثية مارغريت أتوود، فإن درجة انتباهك ينبغي أن تؤخذ في الحسبان، حيث أظهرت إحدى الدراسات العلمية التي أجرتها جامعة ستانفورد، وجود اختلافات في مقدار التحفيز العصبي الذي يحدث في أثناء القراءة؛ فالاستثارة التي تحدث في أثناء القراءة بغرض التسلية مختلفة عن تلك المصحوبة بالقراءة مع قدر معقول من الانتباه، ويمكن معرفة ذلك من خلال إجراء اختبار بسيط يظهر ضغط الدم في مناطق المخ المختلفة، وهو ما أظهر اختلافًا واضحًا وملحوظًا بين الحالتين؛ الأمر الذي دفع بعض العلماء إلى التفكير في الاستفادة من ذلك، لتحسين الطرق المعهودة في تدريبات الوعي.

إن القراءة على كل حال مهارة، وهي كأية مهارة أخرى تحتاج إلى الممارسة بشكل منتظم وثابت، وكانت الحياة لتصبح بلا معنى لو لم تكن لدينا القدرة على مشاركة حكاياتنا مع بعضنا البعض. وعلى الرغم من أن هناك كثيرًا من الطرق التي يمكن بها تناقل الحكايات عبر الزمان والمكان؛ فإن القراءة بالذات تحتفظ بكونها الأقرب إلى القلب، ولا توجد سعادة أعمق من فتح كتاب والتجول هائمًا في قصة ما؛ حيث بإمكاننا أن نتوه، وحيث يوجد كثير من الأشياء التي تقول: اكتشفني.

اقرأ أيضاً: أفضل 100 كتاب في القرن الحادي والعشرين (الجزء الأول)

المصدر: مركز بيج ثينك

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة