الواجهة الرئيسيةشؤون دولية

كيف تتعامل النمسا وألمانيا مع أنشطة الإخوان المسلمين؟

كيوبوست- منير بن وبر

تواجه أوروبا منذ عقود إشكالية أساسية في ما يُعرف بالإسلام السياسي؛ إذ ينظر إليه الكثير من الساسة والناشطين في الغرب كتهديد لقيم التحرر الغربية، كما يُنظر إليه أيضاً كأرض خصبة لزرع التطرف والإرهاب. في نوفمبر عام 2020م لفت حادثٌ إرهابي في فيينا، النمسا، النظرَ إلى التدابير المتخذة لمكافحة الإرهاب في البلاد؛ خصوصاً أن منفذ الهجوم هو مُدان سابق بمحاولة الانضمام إلى تنظيم الدولة الإسلامية في سوريا، ولم يقضِ سوى جزء فقط من عقوبة قصيرة.

تسبب هجوم مدينة فيينا في مقتل أربعة أشخاص، وجرح أكثر من عشرين آخرين. في أعقاب الهجوم، اقترح المستشار النمساوي سيباستيان كورتس، تشريعاً لمحاربة “الإسلام السياسي”، وآخر يصنف “الإسلام السياسي” على أنه جريمة جنائية. يُعرف الإسلام السياسي عموماً بأنه مجموعة واسعة من الأيديولوجيات السياسية التي تستخدم وتستلهم الرموز والتقاليد الإسلامية في السعي لتحقيق هدفٍ اجتماعي سياسي؛ لكن هذا التعريف لا يزال غير دقيق وموضع نقاش، وهو الأمر الذي جعل التشريع النمساوي غير قادر على تحديد معايير واضحة لما يمكن اعتباره جريمة جنائية قائمة على “الإسلام السياسي”.

حاولت الشرطة النمساوية تكثيف تواجدها بعد هجوم فيينا الإرهابي – وكالات

سرعان ما استُبدل بمصطلح “الإسلام السياسي” مصطلح “التطرف بدوافع دينية” ليكون محايداً دينياً، وهو موجه ضد المنظمات التي تحارب النظام الدستوري الديمقراطي في البلاد، وتريد استبدال نظام اجتماعي ودولي قائم على الدين به. لم يكن توصيف وتشريع هذه الجريمة الجنائية الجديدة سوى جزء من حزمة إجراءات لمكافحة الإرهاب يتم تشريعها وتطويرها منذ سنوات، وقد شملت تلك الإجراءات إعداد قائمة بالرموز والشعارات المحظورة في النمسا؛ مثل رموز تنظيم القاعدة وتنظيم الدولة الإسلامية، وجماعة الإخوان المسلمين، وعدة منظمات أخرى، بصرف النظر عما إذا كانت مصنفة كمنظمة إرهابية أم لا.

الإخوان المسلمون ومكافحة الإرهاب

تشير بعض التقارير إلى أن معدل المقاتلين الأجانب الذين غادروا النمسا للانضمام إلى تنظيم الدولة الإسلامية هو من بين الأعلى في أوروبا من حيث نصيب الفرد. كان المقاتلون النمساويون الأجانب في الغالب من الجيل الثاني من المهاجرين من الشيشان وتركيا والبلقان، كما كان بينهم أيضاً أبناء لاجئون من جماعة الإخوان المسلمين كانوا قد فروا من بلدانهم.

اقرأ أيضًا: هل انتهى شهر العسل الطويل لـ”الإخوان” في ألمانيا؟

يرجع وجود الإخوان المسلمين في الغرب إلى أواخر الخمسينيات وأوائل الستينيات من القرن العشرين؛ كثير من المهاجرين فروا من قمع واضطهاد بلدانهم في الشرق الأوسط، بعضهم هاجروا من أجل الدراسة وآخرون من أجل التجارة. كانت الدول الغربية ملاذاً آمناً للمهاجرين؛ بسبب ما تكفله دساتيرها من حريات، لكن سرعان ما اجتذب نشاط الإخوان أعداداً متزايدة من الطلاب والعمال والمهاجرين المسلمين. ووضع الإخوان الغربيون أنفسهم كمحاورين رئيسيين بين المؤسسات الغربية والمجتمعات الإسلامية المحلية.

عنصر أمن نمساوي

تُعتبر النمسا إحدى الدول الأوروبية ذات الحضور الراسخ للإخوان المسلمين. أنشأ الأفراد والمؤسسات الذين ينتمون بشكل مباشر أو غير مباشر إلى الجماعة، شبكةً متطورة من الكيانات والجمعيات الخيرية، والأكاديميات التعليمية والشركات. كما تمكنوا من التأثير بشكل مباشر أو غير مباشر على العديد من المنظمات، والتي يلعب بعضها أدواراً مركزية في تطوير الإسلام النمساوي، وأصبحوا أطرافاً رئيسة للحوار مع الحكومة النمساوية.

اقرأ أيضًا: تقرير من فيينا: المسلمون المعتدلون يتحدثون بصوت عالٍ

الارتباط القوي لفكرة الإخوان المسلمين بنسيج المجتمع المسلم النمساوي جعل إجراءات مكافحة التطرف مثيرة للجدل؛ نظراً لوصولها إلى عدة كيانات ذات علاقة بطريقة أو بأخرى بالإخوان المسلمين أو المتعاطفين معهم؛ إذ شملت إجراءات مكافحة التطرف مراقبة الإسلام السياسي، وهو ما يشمل رصد الجمعيات المتطرفة ذات الدوافع الدينية، ومعاقبة أي شخص يؤسس أو يتزعم مثل هذه الجمعات أو يشارك فيها أو يدعمها. شملت الإجراءات الأخرى إغلاق العديد من المساجد، وحصر الأئمة ومراقبة خطّابهم وإيقاف الأئمة المتطرفين، بالإضافة إلى إلزام المساجد والجمعيات بتقديم كل المستندات المالية.

في نوفمبر 2020، اعتقلت الشرطة النمساوية 30 شخصاً خلال مداهمات استهدفت أشخاصاً يشتبه في انتمائهم أو دعمهم لحركة حماس والإخوان المسلمين. كان من بين الأماكن التي تمت مداهمتها عددٌ من المحلات التجارية ومقرات الجمعيات.

البرلمان النمساوي- أرشيف

أحد الإجراءات الأكثر إثارة للجدل مؤخراً كان حظر استخدام شعار جماعة الإخوان المسلمين. يتم العمل بقانون الرموز المحظورة في النمسا منذ سنواتٍ، وهو يمنع استخدام شعارات المنظمات المتطرفة والمجموعات التي “تقوم بتطوير أنشطة على أراضي النمسا ضد الحقوق الأساسية، وسيادة القانون”. حظرت النمسا خلال العقود الماضية رموز عدة كيانات؛ منها “داعش”، وتنظيم القاعدة، وحزب العمال الكردستاني، و”حماس”، والجناح العسكري لـ”حزب الله”.. وغيرها.

ألمانيا والإخوان والإرهاب

في عام 2005 بدأ النمساوي من أصولٍ مصرية محمد محمود، بنشر مقاطع فيديو دعائية للمجاهدين و”طالبان”، ناطقة باللغة الألمانية، ثم في 2007 هدد محمود من خلال مقطع فيديو بشن هجماتٍ في ألمانيا والنمسا؛ مما أدى إلى سجنه أربع سنوات في النمسا. بعد إطلاق سراحه، ظهر محمود في صور من سوريا في مشاهد وحشية مع “داعش”. قدرة محمود على العمل الدعائي باللغة الألمانية كانت ميزة فريدة بحث عنها “داعش” لاستهداف واستقطاب المتعاطفين من ألمانيا والدول الناطقة بالألمانية كالنمسا. يُذكر أن محمد محمود، ولد في فيينا بالنمسا، من أب مصري معروف بانتمائه إلى الإخوان المسلمين.

اقرأ أيضاً: استراتيجيات جماعةالإخوان المسلمونوأساليبها في ألمانيا

تمتلك ألمانيا تاريخاً مشابهاً للنمسا من حيث وجود الإخوان المسلمين بها؛ إذ كانت ميونخ مركزاً مبكراً لجهود إنشاء شبكة الإخوان المسلمين في أوروبا منذ بداية منتصف القرن الماضي، خصوصاً مع تزايد شعبية ألمانيا الغربية كوجهة للطلاب العرب. وكما هو شائع، كانت نواة التطور والانتشار للإخوان المسلمين، من خلال تأسيس ورعاية المساجد والجمعيات والمراكز الإسلامية.

تواجه ألمانيا تحديات إسلاموية كبيرة

خلال السنوات الأخيرة، أصبح الألمان ينظرون بشكل متزايد إلى الإخوان المسلمين في ألمانيا كقوة مهددة للمجتمع. حذر مسؤولون ألمان في عام 2017 من جهود الإخوان المسلمين في ألمانيا لإدخال الشريعة الإسلامية ألمانيا؛ وهو ما يقوض قيم الديمقراطية الألمانية. يحظر الدستور الألماني التمييز الديني وينص على حرية العقيدة والضمير وممارسة الفرد للدين، لكن ذلك لا يمنع بعض الولايات من مراقبة أنشطة بعض الجماعات الإسلامية والمساجد؛ تجنباً لتبني أو انتشار أي نوع من خطابات الكراهية التي تهدد تماسك وأمن المجتمع.

ومثلما فعلت النمسا، أقرت ألمانيا الاتحادية قانوناً يحظر استخدام رموز وشعارات الجماعات والمنظمات التي يمكن أن تشكل تهديداً لأمنها وتماسك مجتمعها، وقد شملت القائمة شعار “الإخوان المسلمين” و”داعش” و”القاعدة”.. وغيرها. بموجب هذا القانون فإنه يحظر عرض أو حمل أو نشر رموز المجموعات المحددة والمنظمات المحددة في الأماكن العامة؛ بما في ذلك بواسطة وسائل الاتصال الإلكترونية. كما تدخل الشارات والشعارات والإيماءات كرموز في قائمة الحظر.

اقرأ أيضًا: مطالبات برلمانية في ألمانيا للتحقيق في تمويلات جماعة الإخوان المسلمين

تقوم بعض الولايات الألمانية منذ سنواتٍ بحظر أو تقييد استخدام الملابس أو الرموز الدينية بالنسبة إلى بعض موظفي الدولة. ومؤخراً، وافق مجلس الشيوخ الألماني على قانون يحظر على الموظفين العموميين ارتداء الرموز الأيديولوجية أو الدينية أثناء العمل، وقد يشمل ذلك الحظر الوشم أو الرموز أو المجوهرات أو الملابس المرئية المتعلقة بالدين، بغض النظر عن المعتقد، أثناء وجود الموظفين العموميين في العمل أو الخدمة.

غالباً ما تثير تشريعات من هذا النوع جدلاً واسعاً في الأوساط الإسلامية في ألمانيا؛ لما له من تأثير محتمل على ارتداء الحجاب، على الرغم من أنها تنطبق على جميع الأديان. تؤكد السلطات أن هذه الإجراءات محدودة وذات أهداف تتعلق بالسلامة -مثل قيادة المرأة للسيارة مرتدية غطاء الرأس والوجه- أو تتعلق بإبراز الحياد الكامل لبعض موظفي الدولة مثل القضاء، أو للحد من خطاب الكراهية والتحريض على العنف.

لقد استقبلت الدول الغربية؛ مثل النمسا وألمانيا، الجاليات الإسلامية، وبلا ريب الموالين والمتعاطفين مع الإخوان المسلمين، بدافع دساتيرها التي تدعو إلى الحرية والمساواة والديمقراطية، لكن ذلك لا يعني السماح للجماعات المتطرفة باستغلال قيم الديمقراطية لتدمير الديمقراطية ذاتها.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

منير بن وبر

باحث في العلاقات الدولية وشؤون اليمن والخليج

مقالات ذات صلة