الواجهة الرئيسيةترجماتثقافة ومعرفة

كيف تتظاهر أنك في سنغافورة هذه الليلة؟

يمكنك أن تشعر أنك في مدينة الأسد.. ببعض العمل في المطبخ وبوجود الكتاب المناسب وقضاء بعض الوقت أمام التلفاز

كيوبوست- ترجمات

في حين لا تزال كل خطط السفر التي وضعتها لنفسك معلقة، يمكنك التظاهر بأنك سافرت إلى مكان ما لهذه الليلة. موقع “حول العالم من منزلك” يدعوك إلى الاستمتاع بروح بلد جديد كل أسبوع مع إرشادات حول كيفية الاستمتاع بثقافة هذا البلد وأنت مرتاح في منزلك. 

تطلَّب الأمر أكثر من عشر زيارات إلى سنغافورة؛ لكي أقع في حب هذا البلد، ولكن عندما وقعت، وقعت بشدة. كمراهق يعيش في جاكرتا -على مسافة ساعتَين بالطائرة- كنت أنظر إلى قشرتها الخارجية واعتبرت البلد بأكمله ضحلاً ومادياً. كنت أراها عبارة عن مركز تسوق كبير، فيه الكثير من القواعد والقليل من الشخصية؛ ولكن مع تكرار زياراتي تعمدت كسر تصوراتي المسبقة وبدأت بملاحظة أشياء أخرى. وسرعان ما اكتشفت كم فاتني.

هنالك متاجر من القرن التاسع عشر تصطف بشكل أنيق بألوانها الزاهية بين المباني السكنية. وأثناء تجولي في المدينة/ الدولة -بسهولة بفضل شبكة النقل العام الجيدة- أصبحت مهووساً بمراكز الباعة الجوالين في الهواء الطلق، وأسواق طعام الشارع الرسمية؛ حيث يمكنك الحصول على أفضل وجبة في حياتك بمقابل بضعة دولارات. أذهلني تنوع المدينة؛ حيث تتقاطع العرقيات الصينية والهندية والماليزية، وغيرها في الحياة اليومية. وفتنتني قصة سنغافورة الشهيرة، وإن كانت مبسطة كثيراً في بعض الأحيان، في تحولها من الفقر إلى الثروة، وكيف تحولت من قرية لصيد السمك إلى عاصمة عالمية.

الأسواق الشعبية في الحي الهندي في سنغافورة- “نيويورك تايمز”

والآن، وكما هي الحال مع الجميع، تنحصر متعتي في تناول طبق من السلطعون الحار أو قضاء فترة ما بعد الظهيرة في مراقبة سفن الحاويات قبالة الشاطئ، وأفتقد المدينة كثيراً. لحسن الحظ مع قليل من العمل في المطبخ، وبضعة كتب وقليل من الوقت أمام التلفاز؛ يمكنني أن أشعر أنني أمضي الليلة في مدينة الأسد.

شاهد: فيديوغراف.. “كورونا” يوقِع وفيات بسنغافورة وهونج كونج

حضّر مشروباً

تطور مشهد الكوكتيلات في سنغافورة كثيراً منذ اختراع كوكتيل سلينغ سنغافورة قبل أكثر من مئة عام في فندق رافل الشهير؛ على الرغم من أن كتب الإرشادات السياحية تحث الزائر على أن ينفق 20 دولاراً على كوكتيل ما، أقترح أن تجرب بيدك في إبداعات خيال خبراء الكوكتيل السنغافوريين المعاصرين. ساشا ويجيديسا المديرة السابقة في بار “أوبريشن داغر” والحائزة على جوائز عديدة، تعيش الآن في كوبنهاغن، وكثيراً ما تلجأ إلى أحد ابتكاراتها، كوكتيل “أنِنْ ناي” عندما تحن إلى طعم الوطن. إنه مزيج من حليب اللوز وزهرة الأوزمانتوس المجففة والكحول، استلهمته من هلام اللوز، الحلوى التي تناولتها كثيراً في طفولتها. تقول ويجيديسا: “إن صنع وتناول هذا الكوكتيل يملأني بالحنين إلى الماضي”.

اقرأ أيضاً: إعادة تأهيل المتطرفين في سنغافورة.. الماضي والحاضر والمستقبل

البطة السنغافورية المطهوة ببطء.. كعكة باندان شيفون.. وجبة مي غورينغ

كن أنت بائع الطعام المتجول

حسناً، لن أدَّعي أنك تقدر أن تخلق أجيالاً من الخبرة في الطبخ بمجرد أن تتبع وصفة ما؛ ولكن يمكنك على الأقل أن تستحضر روح مطبخ مدينة يتعهد أهلها بالولاء لأكشاك الباعة الجوالين الذين يبيعون الأرز بالدجاج وحساء باك كوت تيه اللذيذ، كما يتعهد غيرهم بالولاء للفرق والنوادي الرياضية. صحيفة “نيويورك تايمز” توصي بوجبة مي غورينغ أو المكرونة المقلية. وإذا كان لديك ما يكفي من الطموح هنالك البطة المطهوة ببطء؛ ولكن يجب توخي الحذر، فمجرد قراءة الوصفات سيجعل لعابك يسيل.

يقول الدكتور ليزلي تاي، مدون الطعام السنغافوري الذي يقف وراء موقع ieatishootipost، إنه لا يمكنك الحديث عن مطبخ سنغافورة دون ذكر الباندان، النبات العطري الذي ينمو في جنوب شرقي آسيا. يقول الدكتور تاي: “إنه مكافئ الفانيلا لدينا.. رائحة الباندان تضفي رائحة ناعمة؛ ولكنها متميزة على معظم حلوياتنا”. وقال إن الوصفة الأكثر رواجاً على مدونته هي وصفة تركيبته التي توصل إليها بجهد كبير لكعكة “باندان شيفون” الخفيفة. وللتوصل إلى الوصفة المثالية، قام ليزلي بمراجعة كتب الطبخ القديمة وتحدث إلى عدد لا يُحصى من الطهاة والخبازين في سنغافورة، ويقول إنه نجح أخيراً في محاولته الثلاثين.

أكشاك الهواء الطلق.. أحد أبرز معالم سنغافورة- “نيويورك تايمز”

سامحني إذا كنت أقول شيئاً بديهياً؛ أي شخص غريب يتطلع إلى تجربة الوقوع في حب نكهات سنغافورة يجب أن يبدأ بواحد من كبار المعجبين بمدينة الأسد، إنه أنتوني بوردين؛ الطاهي الذي تحول إلى متسابق عالمي، عاد إلى سنغافورة عدة مرات قبل وفاته عام 2018؛ ولكنه في موسم 2008 من برنامج “أنتوني بورداين: لا يوجد حجوزات”، يمكنك رؤيته وهو يلتقط جاذبية المدينة؛ بينما كان يتعلم أن تناول الطعام في سنغافورة هو هوية وطنية. “وهذا، إذا كنت ممن يحبون الطعام، يمكن أن يكون أفضل مكان في العالم” يقول السيد بوردين وهو يتذوق أحد أطباق الباعة المتجولين التي لا تنتهي.

اقرأ أيضاً: دخول التنين.. نفوذ الصين المتزايد في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا

وللحصول على نظرة من الداخل لمطبخ المدينة التراثي، عليك بمشاهدة حلقة سنغافورة من برنامج “Street Food: Asia”  على “نتفليكس”؛ حيث تتخلل العرض صور لأطباق الباعة الجوالين الشهية، ويستعرض البرنامج أيضاً حياة هؤلاء الباعة الذين يعملون جاهدين للحفاظ على الأسرار المتوارثة لمهنتهم التي تتعرض إلى خطر الاندثار؛ لأن الجيل الجديد يبتعد تدريجياً عن مهنة البائع الجوال.

من اليمين: صورة من فيلم “Ilo Ilo”.. صورة من فيلم “Shirkers”.. صورة من فيلم “Ramen Shop”

تعرَّف على المدينة من خلال فيلم سينمائي

بالانتقال من التليفزيون إلى السينما -ولكن نبقى مع الطعام قليلاً- يوصي مايك هايل، الناقد التليفزيوني في صحيفة “التايمز”، بمشاهدة فيلم “Ramen Shop” للمخرج السنغافوري إريك كهو؛ حيث ينطلق شاب في البحث عن وصفة عائلية لوجبة باك كوت تيه. ويستكشف في طريقه الروابط الوثيقة بين الهوية والمطبخ، وتاريخ الاحتلال الياباني لسنغافورة أثناء الحرب العلمية الثانية. في نهاية المطاف، فإن الفيلم كله يدور حول الطبخ، “إنه يثير شهيتك” وفقاً للناقد بين كينيغزبيرغ.

من المستحيل الحديث عن دور سنغافورة في الفيلم دون ذكر “الأثرياء الآسيويين المجانين”، الصورة الرائجة لما نسبته 1% من السنغافوريين، وفقاً لرواية كيفين كوان. ولكن في حين أن الفيلم ترفيهي، فهو لا يعكس بالضبط الحياة في سنغافورة بالنسبة إلى معظم الناس. ولذلك يشير السيد هايل إلى فيلم “Ilo Ilo,” الذي أنتج بميزانية متواضعة وفاز بجائزة مهرجان كان السينمائي، والذي يروي حكاية عائلة سنغافورية من الطبقة الوسطى، ومدبرة المنزل الفلبينية التي تعمل عندها، في فترة الأزمة الاقتصادية في آسيا عام 1997. وتوافق سو لي وي، مراسلة نيويورك في الصين، السنغافورية الأصل والمقيمة في سنغافورة الآن، على أن هذا الفيلم يمكن أن يكون من أفضل الطرق للتعرف إلى روح المدينة. وتقول: “لقد أمضيتُ عشر سنوات بعيداً عن سنغافورة، ودائماً ما كانت الأفلام السنغافورية تعيدني إلى الوطن.. أحب أفلام التسعينيات؛ لأنها تذكرني بسنغافورة أيام طفولتي”، وأيضاً إلى جانب فيلم “Ilo Ilo”، فإنها تقترح مشاهدة فيلم “Shirkers“، القصة الحقيقية لامرأة تبحث عن لقطات مفقودة.

قبة غابة الغيوم في قرب شاطئ خليج سنغافورة- “نيويورك تايمز”

تعرَّف على قصة سنغافورة الحقيقية

جزء من جاذبية قضاء الوقت في سنغافورة، سواء جسدياً أو غبر الواقع الافتراضي، هو اكتساب فهم أدق لتاريخ المدينة/ الدولة؛ وهذا يعني الذهاب أبعد مما ترويه “حكاية سنغافورة” المعروفة، التي ترسم صورة وردية للرأسمالية غير المقيدة.

تعتبر رواية سوني ليو المصورة الرائعة “فن تشارلي تشان هوك تشي”، بمثابة مقدمة جيدة لجميع القوى الأخرى -الجغرافيا والاستعمار وحكم الحزب الواحد- التي لعبت دوراً في نهضة سنغافورة السريعة. الرواية تتابع قصة رسام الكاريكاتير الخيالي تشارلي تشان هوك تشي، من العصر الاستعماري حتى وقتنا الحاضر، وترسم قصة معقدة لأصل الأمة المستقلة وأثراً من الرواية الحكومية المعروفة. ينقل الكاتب بين الأساليب الفنية بسلاسة التي يكرم كل منها واحدة من أساطير الكتاب. يقدم السيد ليو، وهو كاتب ورسام كاريكاتير، تحليلاً سياسياً معقداً بأسلوب ذكي ولقطات غير مستكشفة من التاريخ ولقطات انتقالية للمدينة عبر العصور؛ فتقفز الصور من الصفحات وتشعر وكأنك لا تسافر عبر القارات فحسب، بل عبر عقود من الزمن.

حديقة الأشجار العملاقة.. مديرة البار سيمفوني لو تجهز شراباً.. مركز تسوق مارينا باي ساندز

انضم إلى جولة افتراضية

لا توجد طريقة أفضل للاندماج في نبض مدينة من المشي طويلاً في شوارعها. ومن أجل ثاني أفضل طريقة، يمكنك أخذ جولة افتراضية مثل التي تضعها بي. إس. يوو كل يوم جمعة في برنامج “Everyday Tour Company“. وبينما تقوم جولتها في المدينة على “الأغنياء الآسيويين المجانين”، تقول السيدة يوو إنه ليس من الضروري أن تكون من المعجبين بالفيلم (أو حتى ممن شاهدوه)؛ لكي تستمتع بمشاهد سنغافورة.

وتقول السيدة يوو: إن المشاركين في بعض جولاتها يذهبون أبعد من ذلك أحياناً كأن يطلبوا بعض الكوبي، وهي كوب كبير من القهوة المحمصة مع الحليب المكثف، أو إذا لم يتوفر الكوبي فهي تقترح أن تُعد شيئاً في البيت؛ مثل وصف الساتاي الخاصة بها. دائماً ما يرجع الحديث بنا إلى الطعام والشراب.

المصدر: نيويورك تايمز

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة