الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون دولية

كيف تتسلل الصين إلى داخل الجامعات الأمريكية؟

كيف غزت الصين الجامعات الأمريكية؟

ترجمة كيو بوست –

المصدر: مركز أبحاث “غيت ستون إنستيتيوت” الأمريكي، بقلم المؤلف، المحامي الأمريكي غوردون شانغ.

سعت الصين منذ عقود إلى التأثير في أحرم الجامعات والكليات الأمريكية، بأشكال متعددة وبأدوات مختلفة، ما جعلها تنتهك الحريات الأكاديمية، والسيادة والقانون الأمريكيين. وقد لوحظ أن بعض المسؤولين الأمريكيين اختاروا غض الطرف في كثير من الحالات تجاه هذا السلوك الضار.

بحسب تقارير، فإن بعض السلوكيات الصينية غير ضارة برغم عدم قانونيتها، بل كانت مسلية في كثير من الحالات. إلا أن بعض السلوكيات انطوت على تصرفات عنيفة بكل ما تعنيه الكلمة من معنى. فوفقًا لدراسة تاريخية أجرتها الباحثة “أناستازيا ليود دامندانوفيك” في مركز أبحاث “وودرو ولسون الدولي للعلماء” الأمريكي، هدد مسؤولون صينيون عامي 2004 و2007 أستاذ القانون الدولي في جامعة كولومبيا، روبرت بارنيت، بالإيذاء، في حال عدم تبنيه وجهات نظر أكثر إيجابية حول سياسات الصين.

اقرأ أيضًا: كيوبوست تفتح الملف الغامض: كل ما تحتاج معرفته عن المسلمين في الصين

بل واتخذت بعض السلوكيات الصينية غير الجائزة نبرة أكثر شؤمًا في كثير من الأحيان؛ فعلى سبيل المثال، أصبح “بارنيت” مستهدفًا من قبل طالبة صينية في جامعة كولومبيا، وكذلك عضو هيئة تدريس صيني في جامعة أخرى، إذ تعرض لمحاولة “إسقاط” بعد أن قدم وجهة نظر قانونية لصالح منفيي التبت، الذين يتعرضون للتحرش من قبل طلاب صينيين ومسؤولين في السفارة الصينية.

في عام 2009، اتصل مسؤول من القنصلية الصينية في نيويورك بأحد أعضاء هيئة تدريس جامعة نيويورك، يدعى مينغ إكسيا، وطالبه بشكل مباشر بإيقاف العمل على فيلم وثائقي حول زلزال سيتشوان 2008، وعرض عليه “مكافئة مالية” تفوق ما كان سيحصل عليه من أجل الفيلم الوثائقي. وبعد أن رفض الأكاديمي المرموق هذه الرشوة، وجه له المسؤول الصيني تهديدات مباشرة.

ثم كانت هناك حادثة “يانغ شو بينغ” في يونيو/حزيران 2017؛ بعد أن تحدثت “بينغ” في جامعة ميريلاند حول سجل بكين البيئي وامتدحت نظيره الأمريكي، أصبحت مستهدفة من قبل “رابطة الطلاب والباحثين الصينيين” سيئة السمعة (CSSA)، التي استهدفت عائلتها القاطنة في الصين كذلك.

اقرأ أيضًا: مترجم: سياسة القمع الصينية ضد المسلمين

كما أن “دائرة جبهة العمل الموحدة” التابعة للحزب الشيوعي الصيني، استهدفت مؤسسات التعليم العالي في الولايات المتحدة في إطار جهد مكثف للتأثير في المجتمع الأمريكي على مدار سنوات. في شهر مايو/أيار 2015، تحدث الرئيس الصيني عن “جهود الدعاية الدولية”، وقال إن “الطلاب الصينيين في الخارج أصبحوا محط تركيز مؤسسة جبهة العمل الموحدة”، باعتبارهم “مروجي ومنفذي سياسات الحزب الشيوعي”.

وبحسب مسؤول أمريكي رفيع المستوى، فإن نشاطات “جبهة العمل الموحدة” السياسية على الأراضي الأمريكية وصلت إلى “مستويات غير مقبولة”، وهو ما أكدته صحيفة فايننشال تايمز كذلك.

ماذا يقصد المسؤول بـ”غير مقبولة”؟ وجد المسؤول أن “طلابًا من الصين تصرفوا بطرق أرهبت أعضاء هيئة تدريس، وطلاب، في الجامعات الأمريكية، وكذلك أساليب ابتزاز قائمة على التخويف”؛ فعلى سبيل المثال، ومن بين أشياء أخرى، شكل مسؤولون في السفارة الصينية كتلة طلابية ضاغطة، طالبت بإزالة مواد بحثية من جامعة أمريكية. لكن المقلق الأكثر هو أن “الكتلة” طالبت عددًا من الجامعات الأمريكية بتغيير محتويات تعليمية “لا تتناسب مع سياسة الصين”. كما أن “الكتلة” حاولت فرض إلغاء أنشطة أكاديمية “لا تناسب الرؤية الصينية”، فضلًا عن ترويج دعايات مغرضة حول الطلاب الذين ينتقدون السياسات الصينية في الدراسات الأكاديمية.

اقرأ أيضًا: هذا هو الخاسر الأكبر في حرب تجارية مفترضة بين الصين والولايات المتحدة

وبحسب مصادر مطلعة، أصبح الطلاب الصينيون في الولايات المتحدة جزءًا مما يعرف بـ”ذراع الصين الطويلة”. لكن ما يثير القلق أكثر من أنشطة الطلاب، هو تصرفات المسؤولين الصينيين. وقد كشفت الباحثة “دامندانوفيك” في دراستها الصادرة في أيلول/سبتمبر 2018 أن “مسؤولين في القنصلية الصينية يستخدمون أساليب محادثة مخيفة” تنتهك الحرية الأكاديمية وتنطوي على التدخل في نشاطات وأحداث أحرم الجامعات. قد يبدو أن “المحادثات” ليست “تدخلًا” من الناحية الظاهرية، لكنها انطوت على تهديدات مباشرة بشأن “انتقام” من برامج الجامعات الأمريكية في الصين.

 

ما هي أدوات الصين في أحرم الجامعات الأمريكية؟

يمكن حصر الأدوات الرئيسة للقوة الصينية في الجامعات الأمريكية بمعاهد “كونفوشيوس” الثقافية الصينية الخاضعة بشكل مباشر للحكومة الصينية، وكذلك بـ”رابطة الطلاب والباحثين الصينيين” التي شكلت “كتلة طلابية ضاغطة” في الجامعات الأمريكية.

 

نشاطات صينية على التربة الأمريكية

تأسست معاهد “كونفوشيوس” الصينية عام 2004 بغرض توفير تعليم اللغة الصينية في الولايات المتحدة، لكنها تحولت بعد ذلك نحو تعليم الثقافة والقيم الصينية من بين مواضيع أخرى. لكن المثير حقًا هو أنها عملت على تنظيم مظاهرات على الأراضي الأمريكية، إما موالية لأحد القادة الصينيين، أو معارضة لزعماء معارضين.

تعمل “كونفوشيوس” بناءً على تعليمات بكين، وتتولى مهمة إعداد تقارير رسمية إلى مكتب اللغة الصينية الوطنية، التابع مباشرة لوزارة التعليم الصينية، المعروف باسم (Hanban).

اقرأ أيضًا: الصين تتجه إلى غزو العالم ثقافيًا وتجاريًا

وبحسب خبراء، يعمل “هانبان” كواجهة للحزب الشيوعي الصيني على الأراضي الأمريكية، بالتعاون مع “دائرة جبهة العمل الموحدة” القائمة كذلك على الأراضي الأمريكية. ومن الملاحظ أن “جبهة العمل الموحدة” تقيم علاقات مع منظمات سياسية وأفراد دبلوماسيين، بما يخالف أغراضها المعلنة بشأن “تعليم اللغة والثقافة الصينيتين”. في عام 2010، كتب رئيس قسم الدعاية الإعلامية في الحزب الشيوعي الصيني، ليو يونشان، رسالة إلى معهد “كونفوشيوس”، يطالبه فيها بـ”تنفيذ معارك إعلامية دولية” ممولة بشكل مباشر من ميزانية الحزب الشيوعي.

كما وردت معلومات مؤكدة تفيد أن “الحزب الشيوعي يوزع ويستقبل معلومات من وإلى الأراضي الأمريكية عبر المؤسسات الصينية الثقافية المذكورة”، وهو ما يقلق حاليًا الأكاديميين الأمريكيين.

 

إضفاء الطابع القانوني عبر عقود

ومن الملاحظ أيضًا أن مؤسسات أكاديمية أمريكية عقدت “ترتيبات” مع مؤسسات صينية دون الإفصاح عن العقود المبرمة مع “كونفوشيوس”. لكن بحسب مدير قسم الدراسات في رابطة العلماء الأمريكيين، راشيل بيترسون، فإن “اللغة التعاقدية التي يطرحها هانبان الصيني على الجامعات الأمريكية تشكل تهديدًا للاستقلال الأكاديمي”؛ فعلى سبيل المثال، بحسب بيترسون، “تشترط إحدى البنود المقدمة من قبل كونفوشيوس تجنّب تشويه سمعة الصين”، وهو ما يعتبر انتهاكًا للحريات الأكاديمية، وخضوعًا لإملاءات حكومية أجنبية. وبعد التدقيق في طبيعة العقود، تبين أن “8 منها مكررة بهذه اللغة بشكل حرفي تقريبًا”.

ومن المريب كذلك أن “رابطة الطلاب والباحثين الصينيين” شكلت أكثر من 150 مؤسسة موزعة في مختلف الجامعات الأمريكية، تأخذ تمويلها من مصادر سرية، وتعمل بناء على توجيهات السفارة الصينية وقنصلياتها الخمس في الولايات المتحدة. وقد اعترفت بعض فروع “الرابطة” الصينية بارتباطها المباشر في القنصليات الصينية عبر مواقعها الإلكترونية، من بينها رابطة جامعة كاليفورنيا، التي قالت “إننا نعمل بناءً على توجيهات القنصلية في لوس آنجلوس”، وكذلك رابطة جامعة جورج تاون، التي قالت إنها “موجهة من قبل” و”تعمل مع” السفارة الصينية. أما الرابطة الصينية في جامعة تينيسي، فتطالب أعضاءها بأداء يمين قسم الولاء لمواقف الحكومة الصينية. بينما أشارت فروع الرابطة في هاواي ونيو مكسيكو وأريزونا، إلى أن “قبول العضوية مرهون بموافقة القنصلية الصينية في لوس آنجلوس”.

اقرأ أيضًا: المراقبة الحكومية على الأفراد: أسلوب الدولة الصينية في ضبط المجتمع

ولكن ما لم يجر الكشف عنه حتى اليوم، هو حقيقة أن نقاط الاتصال الرئيسة لمختلف فروع “رابطة الطلاب والباحثين الصينيين” تنحصر في ضباط الاستخبارات في القنصليات الصينية. بل إن ما يثير الرهبة هو أن وزارة أمن الدولة الصينية تستخدم أعضاء هذه الروابط من الطلاب لجمع معلومات استخبارية حول صينيين آخرين في أحرم الجامعات الأمريكية. وقد أقر الطالب في جامعة جورجيا، سليمان غو، لراديو آسيا الحرة، أن ضباطًا صينيين حاولوا إقناعه بالعمل معهم في كتابة تقارير استخبارية في أحرم الجامعات الأمريكية. وقدم قدم “غو” أشرطة تسجيل للإذاعة، تبين طلبات الحصول على معلومات حول أهداف محددة.

 

الخلاصة

يمكن القول إن الطلاب والأكاديميين الصينيين هم ضحايا لعمليات التأثير الصينية القائمة على الابتزاز والتخويف، لكن التساؤلات تدور حول صمت المسؤولين الأمريكيين، إزاء ما يحصل في أهم مؤسسات على مستوى البلاد، في ظل توافر هكذا معلومات موثقة.

 

المصدر: مركز أبحاث “غيت ستون إنستيتيوت” الأمريكي

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة