الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون دولية

كيف تتجنب وسائل الإعلام الألمانية الفخ الإسلاموي؟

كيوبوست – ترجمات

سيجريد هيرمان مارشال♦

يُنظر إلى مساهمة الأصوات الإسلامية في الاعلام؛ باعتبارها أمرًا بالغَ الأهمية خاصة في الموضوعات المتعلقة بالهجمات الإرهابية من قبل الإسلامويين، وفي قضايا مثل التعليم الديني الإسلامي. ذلك أن الاستماع إلى أولئك الذين يتأثرون بالفعل أو يُزعم أنهم كذلك سمة من سمات الصحافة المتوازنة والعادلة. ولذلك، يُتوقع من الصحفيين الذين يرغبون في الكتابة عن هذه المواضيع أن يحصلوا عادة على آراء المسلمين وأفكارهم. وهذا يضع الصحفيين في موقف يضطرهم إلى العثور على المسلمين الذين: (أ) يريدون التعبير عن أنفسهم، (ب) لا يتحدثون عن أنفسهم فقط، بل هم بدرجةٍ ما يمثلون الآخرين. ومن المفارقات أن دعوة المسؤولين المسلمين من هذا النوع إلى ملء مساحات في وسائل الإعلام حول الهجمات الإرهابية الإسلاموية تعزز التصنيف الأيديولوجي الذي يرفضه هؤلاء المسؤولون بانتظام.

الإسلام في ألمانيا متنوع: فلدى التيارات الإسلامية المختلفة جميعها حضور في ألمانيا، وفي أماكن كثيرة يؤدي ذلك إلى إنشاء أماكن للصلاة والالتقاء. والتيارات السنية أقوى تمثيلًا في ألمانيا، حيث يشكّل السنّة قرابة 80% من المسلمين الذين يعيشون هناك. ويشكّل الشيعة والعلويون مجموعات كبيرة أيضًا. ولا توجد إحصاءات رسمية عن عدد المسلمين في ألمانيا، ناهيك عن طائفتهم؛ لأن الدولة لا تسجل الانتماء الديني باستثناء فرض الضرائب على أعضاء الكنائس المسيحية. ومن ثم، فإن السؤال عن عدد المسلمين الذين يعيشون في ألمانيا لم يحسم بعد، الإحصاءات هي مجرد أعداد تقديرية على أساس الأصول الوطنية.

ومسألة من يتحدث، أو من يستطيع التحدث باسم المسلمين في ألمانيا، معقدة ليس فقط بسبب نقص البيانات عن تركيبة المجتمع المسلم، ولكن بسبب حقيقة أن العناصر الأفضل تنظيمًا -الأشخاص الأكثر توافرًا عندما يكون السياسيون أو وسائل الإعلام في حاجة إلى محاورين- هي عناصر مريبة من حيث تمثيل المجتمع الإسلامي.

اقرأ أيضًا: مطالبات برلمانية في ألمانيا للتحقيق في تمويلات جماعة الإخوان المسلمين

العديد من هذه المنظمات الإسلامية تريد تشكيل المجتمع، أكثر من أن تكون انعكاسًا له كما هو، فهي تريد تغيير مجتمعاتها، والقيام بذلك بما يتجاوز مجموعاتهم العرقية والقومية، وتطمح إلى أن تصبح قوة سياسية، وليس للضغط على السلطات السياسية القائمة فقط. وهذا أمر مهم لأن رؤيتها السياسية غالبًا ما تكون كافية لترفض بشكل أساسي الفصل بين الدولة والدين.

دور الكنائس

يذهب القانون الألماني إلى أبعد من توفير المساواة في المعاملة بين الأفراد. وعلى أساس الحياد الأيديولوجي للدولة، تُعامل الأديان والمعتقدات أيضًا على قدم المساواة. تاريخيًا تتمتع الكنائس في ألمانيا بموقعٍ قوي بفضل اتفاقيات التعويض عن الأملاك السابقة، ولذلك غالبًا ما تتلقى تمويلاتٍ من الحكومة. المعاملة المتساوية للطوائف الدينية من جانب الدولة قد تكون على مستوى الكنائس أو على مستوى الدعم العام للطوائف الدينية خارج نطاق مشاريع اجتماعية محددة. ولذلك، فهناك مصلحة للكنائس في حصول الطوائف الدينية الأخرى على امتيازات مشابهة؛ لأن ذلك يؤمّن تمويلاتها الخاصة على المدى الطويل.

ضحايا هجوم كرايستشيرش الإرهابي في ألمانيا – أرشيف

وبسبب هذه المصلحة الذاتية للكنائس، بحثت عن المنظمات الإسلامية، جزئيًا كشركاء في الحوار بين الأديان، على غرارِ الطريقة التي أقام بها السياسيون ووسائل الإعلام اتصالات من أجل “قضايا المسلمين”، ثم على نطاق أوسع حتى تتمكن الكنائس، باستخدام موقعها، من إعطاء مساحات اجتماعية للمنظمات الإسلامية ومساعدتها على توسيع نطاق نفوذها كهيئاتٍ رسمية، على المستوى المحلي، وعلى مستوى المقاطعات، وعلى المستوى الاتحادي. وفي ضوء هذه الخلفية، تتصرف وسائل الإعلام الألمانية، ويُطلب منها الحصول على بيانات من المسلمين بعد كل هجوم إرهابي. إذاً، من تسأل؟

اقرأ أيضًا: الإخوان المسلمون وأمن ألمانيا

التعددية الإسلامية في ألمانيا

المسلمون المنظمون في ألمانيا هم في الغالب من أصل تركي. وترتبط أضخم منظمة، الاتحاد التركي-الإسلامي للشؤون الدينية (DITIB)، وكذلك ثاني أضخم منظمة، ارتباطًا مباشرًا أو غير مباشر بالدولة التركية. منذ عام 2016، وبعد محاولة الانقلاب في تركيا التي تقول أنقرة إن أنصار الداعية فتح الله جولن دبروها، دخلت هاتان المنظمتان التركيتان وحركة جولن في منطقة غامضة. كما زادت فضائح أخرى، مثل العروض العسكرية التي يقوم بها الأطفال في مساجد تابعة للاتحاد التركي الإسلامي للشؤون الدينية، من قلقِ وسائل الإعلام للاستماع إلى مسؤولي الاتحاد حول القضايا الإسلامية العامة.

وعادة ما تعتبر حركة الرؤية الوطنية أو “مللي جوروش”، وهي أقرب منظمة تركية إلى جماعة الإخوان المسلمين، ورابطة “الذئاب الرمادية” القومية التركية، ممثلين غير مناسبين للمسلمين بشكل عام؛ لأنهما منظمتان تركيتان على وجه التحديد، ومن الواضح أن لديهما عناصر متطرفة. ومع ذلك، فإن الوضع ليس أفضل بالنسبة للمسلمين المنظمين من أصول أخرى.

مقر منظمة “مللي جوروش” – أرشيف

المجلس المركزي للمسلمين (ZMD) هو منظمة جامعة تتألف من العديد من المنظمات التي ترتبط بجماعة الإخوان المسلمين أو متحالفة معها، ومن تيارات أيديولوجية أخرى مثيرة للجدل. ومنذ نهاية عام 2016، توقف المجلس عن تقديم أي معلومات عن الجمعيات الأعضاء فيه بزعم وجود مخاوف أمنية، ولكن ربما السبب الحقيقي هو رغبته في إخفاء أعضائه المثيرين للجدل تزامنًا مع تغيير اسمه.

كان المجلس يضم في البداية مجموعات مثل المركز الإسلامي في هامبورج، الذي يتمتع بسجل عام راسخ، وإمكانية للوصول إلى السياسيين ووسائل الإعلام، لكنه وجد أن نفوذه يتضاءل داخل المجلس المركزي للمسلمين. القوميون الأتراك المتطرفون الأقرب إلى منظمة الذئاب الرمادية هم أيضًا جزء من المجلس المركزي للمسلمين، ولديهم تأثير كبير.

الجهود التي بذلتها الكنائس على مدى عقود للتعامل مع هذا المجلس المركزي كنقطة اتصال مع الإسلام للأسباب المذكورة أعلاه، جعلته أول مصدر تلجأ إليه وسائل الإعلام في كثيرٍ من الحالات، على الرغم من طبيعته الإشكالية. رئيس المجلس المركزي للمسلمين هو شخصية عامة للغاية، يظهر بانتظام على وسائل الإعلام للدفاع عن أجندته الخاصة. ورغم أن المجلس المركزي للمسلمين يبدو ديمقراطيا في الظاهر، فإنه يمارس السياسة القائمة على الهوية بشكل واضح في الباطن.

المجلس المركزي للمسلمين في ألمانيا – أرشيف

الدبلوماسية العامة الحازمة التي يمارسها المجلس، إضافة إلى الدعم الذي يحصل عليه من الدوائر الكنسيّة، سبب مهم في استعانة وسائل الإعلام مراراً وتكراراً بالمجلس كممثل لشؤون المسلمين. ومن الناحية الرسمية، لا يمثل سوى قرابة 20,000 مسلم، ولكن نظرًا لشهرة اسمه وعدم وجود أشخاص آخرين موثوق بهم، جعل المجلس نفسه جهة لا غنى عنها تقريبًا في نظر بعض وسائل الإعلام.

المنظمة الجامعة الأخرى -التي تضم كلاً من المجلس المركزي للمسلمين والمنظمات الأخرى ذات الأصل التركي المذكورة أعلاه كأعضاء- هي ما يسمى بـ “مجلس التنسيق بين المسلمين” (KRM). سعى مجلس التنسيق هذا لتمثيل جميع المسلمين في ألمانيا لأكثر من عشر سنوات. ومع ذلك، بما أن المتحدثين باسم هذا المجلس يتغيرون كل ستة أشهر، يتعين على القادة السياسيين ووسائل الإعلام التعامل مع شخصين مختلفين كل عام، وبما أن العلاقات الشخصية تلعب دورًا كبيرًا في هذه المجال، فإن وسائل الإعلام تفضل التعامل مع المجلس المركزي للمسلمين.

فخ الصحفي

يواجه الصحفيون الآن معضلة الاعتماد على جهات فاعلة فردية أو منظمات معروفة في تعليقاتهم وتقاريرهم. غير أن الكثير من الأفراد لا يتحدثون عن أحد إلا أنفسهم، ويفتقرون إلى القبول في المجتمع الإسلامي الأوسع. والعديد من المنظمات تتحدث عن مصالح فئات يصعب القول إنها تمثل المجتمع الإسلامي بأكمله.

اقرأ أيضًا: التحدي الإسلامي في ألمانيا

كما أن مصالح الصحفيين يمكن أن تتداخل مع مصالحهم المهنية. على سبيل المثال، إذا كان الصحفي قد أمضى بعض الوقت في الاستثمار في بناء جهة اتصال، سواء كان فرداً أو منظمة، ثم يرى أن هذا الشخص أو المنظمة هي في الحقيقة واجهة لتركيا أو الإخوان المسلمين أو عميلة للحكومة الإيرانية، وعلى الصحفي أن يكشف علنًا عن ذلك، فإنه لا يستطيع استخدام هذا الشخص في المستقبل كـ “صوت مسلم” يمثّل عامة الناس. ويتعين عليه عندئذ تكريس الوقت والجهد لعمل اتصالات جديدة، وكما ذُكر أعلاه، فإن للمنظمات مشكلاتها الخاصة، التي يمكن أن توفر تبريرًا ذاتيًا نسبيًا لعدم ذكر مشكلات أي منها.

من الممارسات البديلة أن تقول وسائل الإعلام عن المتحدث باسم منظمة ما إن المنظمة التي يعمل لديها تعاني مشكلات بشكل عام، حتى وإن لم تكن محددة أو أُعلن أنها غير ذات صلة في هذه القضية. وهذه ممارسة قانونية، وتؤدي إلى الحد من التحديات التي تواجه هذه المنظمات، بدلًا من تسليط الضوء على مشكلاتها.

باختصار، المشكلة هي أن وسائل الإعلام تحتاج إلى متحدثين مسلمين لملء وقت البث ومساحة الأعمدة في الصحف والمجلات، وتحتاج إلى أن يكون هؤلاء المسؤولين موثوقين. عند بحث وسائل الإعلام عن مسؤولين مسلمين معروفين، تجد أن العديد من المنظمات التي يأتي منها هؤلاء المسؤولون تعاني إشكاليات عميقة، ولكن يمكنها ادّعاء الحديث باسم المجتمع بطريقةٍ أو بأخرى. وبالتالي، تجد وسائل الإعلام نفسها مُحفّزة للسير مباشرة في فخ قبول هؤلاء المسؤولين وفق تصورهم الذاتي عن أنفسهم، وبالتالي إضفاء الشرعية على هذا التصوير.

اقرأ أيضًا: كيف يُنظر إلى حركة الإخوان المسلمين في أوروبا؟

هل هناك مخرج؟

بعض الهيئات التحريرية تحل هذه المعضلة من خلال توظيف صحفيين مسلمين لكتابة تقارير عن هذه الأمور. ولكن هل هؤلاء راضون عن تصنيفهم وفق جانب من جوانب هويتهم فهذا سؤال آخر. وقد تصرّفت العديد من هيئات التحرير بشكل مماثل بشأن هذه النقطة، لكن هذا حل معيب ويضطرها لتقبل الكثير من منطق الأصوليين، سواء كانوا قوميين أو دينيين. وهذا النوع من “الحل” يتسبب في مشكلةٍ جديدة أخرى لوسائل الإعلام؛ لأنه يفتح المجال أمام الناشطين لانتحال صفة الصحفيين في تعزيز أجندة هويتهم الخاصة.

على سبيل المثال، وكرد فعل على الرسوم الكاريكاتورية الدنماركية، دعا الخليفة السابق لطائفة الأحمدية في عام 2006 أنصاره لدراسة الصحافة بهدف إزاحة منتقدي الإسلام في مجالس التحرير.

يُتهم الصحفيون غير المسلمين في بعض الأحيان بأنهم يمارسون نوعًا من “العنصرية المنهجية” عند تغطية مواضيع إسلامية. ومن المثير للاهتمام أن هذا اللوم يحدث فقط في ردود الأفعال على التقارير النقدية، ولا يحدث أبدًا في ردود الأفعال على المقالات الإيجابية. ولقد قيل، على سبيل المثال، على التقارير البسيطة وغير الجازمة عن البنى العشائرية لبعض عناصر الجريمة المنظمة انها تقارير عنصرية.

عناصر متطرفة في أوروبا – أرشيف

في ألمانيا، تريد منصة “Mediendienst Integration” المعنية بالهجرة والاندماج واللجوء التأثير على الصحفيين. ترغب أن تكون قادرة على التحكم في كيفية كتابة التقارير عن المسلمين والإسلام. في 2016 و2019، أعدت أوراق طويلة موجهة خصيصاً إلى الصحفيين -تم إخفاؤها في شكل أدوات مساعدة لهم- كانت تهدف إلى وضع أطر لوجهات النظر المقبولة عن الإسلام والمنظمات الإسلامية. وقد وصفت بعض المنظمات المثيرة للجدل المذكورة أعلاه من حيث صورتها العامة الخاصة بها، وقيل للصحفيين أن يقبلوا بذلك، وبعد كل هذا، اعتمدت المنصة المعلومات. لكن الوضع لم يصبح أفضل.

يمكن للصحفي الهروب من هذا الفخ من خلال عدم الالتزام بالصيغة التي تقول إن “صوت المسلم” يجب أن يُسمع في جميع المسائل التي لها صلة بالإسلام. إذا لم يكن من الممكن كسر هذا القالب، ينبغي على الأقل أن يكون هناك نقاش أكبر داخل الهيئات التحريرية في وسائل الإعلام حول كيفية وصف مسؤولي المنظمات الإسلامية الجامعة. إذ لا ينبغي تقديم الناشطين المؤيدين للإسلام السياسي للقراء والمشاهدين كمسلمين عاديين؛ إن الاستمرار في ذلك ظلم للمجتمع المسلم، ويزيد من الشك والخوف، بدلًا من الحد منهما. ومن شأن هذه الخطوات أن تساعد في تلاحم الديمقراطيين، الديمقراطيين من جميع الأصول.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

♦باحثة مستقلة في قضايا المنظمات الإسلاموية، ومحللة لهياكل الحركات الإسلاموية، تعيش في شمال الراين وستفاليا، ألمانيا.

المصدر: عين أوروبية على التطرف

اتبعنا على تويتر من هنا

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة