الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفةشؤون عربية

كيف تؤثر الاختلافات الثقافية على أمن واستقرار اليمن؟

اليمن – منير بن وبر

يعاني اليمن منذ عقود اضطراباً متصاعداً يمتد تأثيره إلى دول الجوار والعالم بعدة أشكال؛ منها التطرف والهجرة غير الشرعية وتهريب الأسلحة. وعلى الرغم من أن عدم الاستقرار هو نتيجة مباشرة للصراعات والتوترات والانقسامات السياسية؛ فإن هناك مجموعة واسعة أخرى من الضغوط المتجذرة الناشئة عن سوء الإدارة والفساد والفشل الاقتصادي، والخصائص السكانية المتباينة؛ وأبرزها دور القبيلة وحمل السلاح وبعض أنماط السلوك لدى الجماعات المختلفة.

اختلافات قبلية

تؤدي القبائل في اليمن أدواراً مختلفة، وليس لجميعها تأثير على السياسة والحكم في البلاد كما يوحي به وصف اليمن على نطاق واسع بأنه مجتمع قبلي خاضع لنظام القبيلة؛ ففي العاصمة صنعاء، وما حولها شمال اليمن، تؤدِّي القبائل بالفعل دوراً أساسياً في الحكم كما تقتضي ثقافة القبيلة هناك.

اقرأ أيضاً: هل يمكن أن يحلَّ السلامُ في اليمن؟

من الراسخ لدى قبائل شمال اليمن أن القبائل هي رديفٌ أساسي للدولة، وليست مجرد رعايا أو محكومين، وهو تفكير يحفّز -إلى جانب عوامل أخرى- على الاستقلالية المحلية والتنافس الشديد والتركيز على المصالح المحلية.

لا تعني الاستقلالية الشديدة لدى قبائل الشمال الصراع الدائم مع الدولة؛ حيث أثبت التاريخ أن الدولة في شمال اليمن يجب أن تَحكم وتنفذ سياساتها من خلال القبيلة لكي تستقر، وذلك من خلال التحالف مع القبائل بدلاً من فرض قوة الدولة وقانونها عليها.. لقد نجح علي صالح، الرئيس السابق لليمن، في هذه السياسة التي أبقته في الحكم لفترة طويلة جداً.

اقرأ أيضاً: اليمن.. كيف نستفيد من تجارب الاستقرار لحل مشكلة الكهرباء؟

ولكن التحالف مع القبيلة يتطلب تمكين القبائل وزعمائها من النفوذ إلى عمق الدولة، وهذا ما تم بالفعل طوال العقود الماضية؛ حيث نرى أعداداً كبيرة من شيوخ القبائل في مجلس النواب والأجهزة الأمنية والعسكرية.

مُسِن يمني يرتدي الجنبية كجزء من الزي اليمني التقليدي- “apogeephoto”

وعلى عكس القبائل المتداخلة مع الدولة بقوة في الشمال، نرى قبائل أقل تداخلاً وقوة سياسياً وعسكرياً في وسط اليمن وجنوبه وشرقه؛ ففي الجنوب مثلاً تمكنت دولة ما قبل الوحدة من الحد بفاعلية من أي تداخل بين الدولة والقبيلة، وتمسَّكت الدولة بشدة في حقها المشروع لإدارة المؤسسات واحتكار القوة، وهو تأثير استمر إلى اليوم.

ثقافة السلاح

تحتم ثقافة الاستقلالية لدى القبائل في شمال اليمن حيازة وانتشار الأسلحة، من الخناجر “الجنابي” البسيطة، ومروراً بالبنادق الهجومية الحديثة، ووصولاً إلى الصواريخ الموجهة المضادة للدبابات، وحتى الدبابات والعربات المدرعة.

وليس بالضرورة أن يكون امتلاك الأسلحة بغرض العنف والاقتتال دائماً؛ بل هو مرتبط أيضاً بالعادات والتقاليد، حيث تُستخدم كجزء من الزي التقليدي كما هي حال الخناجر “الجنابي”، كما تُطلق الأعيرة النارية في المناسبات كحفلات الزواج واستقبال الوفود.

اقرأ أيضاً: كيف تؤثر علاقات الحكومة بالجماعات الإسلامية على وحدة اليمن واستقراره؟

من جانب آخر، يتسبب التنافس بين القبائل ومحفزات الولاءات في نشوء الصراع الذي يستدعي الوساطة من الدولة أو القبائل المحايدة، وهنا تُستخدم الأسلحة كرمز للمصالحة والتخلي عن العنف عند التوسط، من خلال تسليم كميات من الأسلحة لشيوخ القبائل.

تسببت ثقافة حيازة الأسلحة جنباً إلى جنب مع الصراعات والحروب المتكررة في جعل اليمن ثاني أكثر دولة تسليحاً في العالم بعد الولايات المتحدة، ويمكن لسوء الاستخدام أن يُوقِع الضحايا الأبرياء، كما يؤدي الصراع إلى وقوع الأسلحة في يد الجماعات المتطرفة.

محل بيع أسلحة في اليمن- “DW”

ويمكن ملاحظة أسواق ومحلات بيع السلاح، في شمال ووسط اليمن؛ كصنعاء وتعز ومأرب بوفرة، وكذلك مشاهدة الأفراد يحملون أنواعاً مختلفة من الأسلحة في الشوارع؛ وهي مظاهر لا تُلاحظ في المناطق ذات التأثير القبلي المحدود كحضرموت مثلاً.

الثقافة التي تجوِّع اليمن

من بين كل العادات والتقاليد يمكن أن تكون عادة مضغ القات هي الأكثر شيوعاً في اليمن. والقات هو نبتة مُنشطة يتم مضغها لساعات؛ بغرض تحسين المزاج. تنتشر عادة مضغ القات في شمال اليمن أكثر من أي مكان آخر منذ قرون.

اقرأ أيضاً: الاقتصاد اليمني بين عجز الحكومة وطغيان المتمردين

وقد وصلت ثقافة مضغ القات إلى بعض المناطق في الجنوب كعدن؛ لكنها تتعرض إلى المحاربة من حين لآخر. على سبيل المثال فرضت السلطات البريطانية ضرائب باهظة على تجار القات في عدن في فترة الاستعمار البريطاني؛ للحد من انتشاره، كما حظرت دولة الجنوب قبل الوحدة تعاطي القات طوال أيام الأسبوع باستثناء يومَي الخميس والجمعة.

انتشرت عادة مضغ القات في عموم البلاد بعد الوحدة دون ضوابط تُذكر؛ لكنها بقيت محل ازدراء في كثير من المجتمعات التي لم تعرف القات من قبل؛ ففي حضرموت مثلاً ظلَّت الكثير من الأسر ترفض تزويج بناتها لمَن عُرف عنه إدمانه القات؛ لما لهذه العادة من أضرار اجتماعية واقتصادية سلبية.

تنتشر زراعة القات في شمال اليمن كصنعاء، أكثر من أي مكان آخر؛ بفضل المرتفعات وزيادة معدل سقوط الأمطار، وقد حلَّت زراعته مكان المحاصيل الأخرى، كالبُن اليمني الشهير؛ بفضل أرباحه العالية.

عادة مضغ القات في اليمن- “Getty”

يصعبُ الحصول على إحصاءات اقتصادية دقيقة بشأن القات، إلا أنه يُعتقد أن إنتاج وبيع القات يمثل 25% من الاقتصاد اليمني، وأن 20% من العمالة الوطنية يرتبط بهذا القطاع. ووفقاً لتقرير سابق من وزارة الزراعة اليمنية، فإن اليمنيين يُنفقون نحو 1,2 مليار دولار على القات سنوياً، وقد وصفت صحيفة “الإيكونوميست” الاقتصادية، القات بأنه “المخدرات التي تجوِّع اليمن”.

الطريق إلى الفشل

تعني الثقافة بمفهومها الشامل السلوك الاجتماعي والأعراف في المجتمع؛ وهي أمور تختلف بشدة من مكان إلى آخر داخل اليمن، وبالتالي اختلف تأثيرها، وأدى ذلك الاختلاف إلى تنافر الجماعات المختلفة داخل البلاد؛ حيث تؤثر ثقافة قبائل الشمال بقوة على المستوى الوطني، وامتد التأثير إلى أداء الدولة الاقتصادي، وحدّ من قدرتها على احتكار القوة وبسط القانون على كامل أراضيها.

قد ترغب بعض الحكومات في اليمن من حينٍ لآخر في تصحيح الأوضاع؛ لكنها تفشل بسبب سيطرة شيوخ القبائل على المؤسسات المهمة؛ كالبرلمان الذي يعتبر السلطة التشريعية للدولة، وهو الذي يُقرر القوانين ويُقِر السياسة العامة، والخطة العامة للتنمية الاقتصادية.

اقرأ أيضاً: أسباب استمرار المعاناة في مناطق اليمن المحررة

ومن بين الأمثلة على فشل محاولات تصحيح الأوضاع؛ هو سعي الدولة لتقنين حيازة الأسلحة في اليمن -بالذات بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر- وإصرار البرلمان على أن التقنين واجب فقط في المدن، ولا حاجة إلى تعميمه على القبائل. وعلى الرغم من أنه غير فعال في الواقع؛ فإن هناك بالفعل قانوناً يحظر حيازة الأسلحة، إلا بترخيص، في العاصمة صنعاء وعواصم المحافظات والمدن التي يصدر بتحديدها قرار وزاري. وفي هذا الشأن قال رئيس البرلمان السابق عبدالله الأحمر، وهو زعيم قبيلة حاشد السابق: “حصر واستقصاء كل سلاح القبائل ليس منطقياً ولا عملياً”، ووصف مَن يطالبون بذلك بأنهم يريدون الشعب أن يكون “أعزل” أو “مستسلماً عاجزاً عن المقاومة”، على حد تعبيره.

تؤدي القبيلة في شمال اليمن وما يرتبط بها من ثقافة ومصالح محلية دوراً مهماً في السياسة الوطنية والاقتصاد، كما أدى ارتباطها بالدولة إلى جعل قوة الحكومة المركزية تعتمد على تحالفاتها القبلية، وقد عنى ذلك عملياً حكومة مركزية ضعيفة، ومن دون دولة مركزية لا يمكن أن يكون هناك قانون ونظام؛ ومن دون القانون والنظام لا يمكن أن يكون هناك اقتصاد حقيقي؛ ومن دون اقتصاد حقيقي فإن أي بلد محكوم عليه بالفشل.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة