الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون عربية

كيف تؤثر أزمة العراق الاقتصادية على قطاعه الأمني؟

على الرغم من الضغوط المالية فإن هنالك زيادات في ميزانيات قطاع الأمن.. بما فيها تلك المتعلقة بوزارات الدفاع والداخلية وقوات مكافحة الإرهاب وقوات الحشد الشعبي

كيوبوست- ترجمات

مارسين الشمري♦

مع دخول العراق عام 2021، تلوح في الأفق أزمة اقتصادية تفاقمت بسبب جائحة “كوفيد-19” وانخفاض أسعار النفط. ومنذ أشهر بدأت مظاهر هذه الأزمة تطفو على السطح، من خلال التأخر في دفع رواتب الموظفين الحكوميين والمتقاعدين، ومؤخراً قرار المصرف المركزي العراقي تخفيض قيمة الدينار العراقي المرتبط بالدولار الأمريكي بمعدل 23%. التوتر في الشارع واضح للعيان، وعلى الرغم من الضغوط المالية؛ فإن ميزانية الحكومة المقترحة هي تقريباً نفس الميزانية الأخيرة التي أُقرَّت عام 2019. ومع ذلك، فهنالك زيادات في ميزانيات قطاع الأمن؛ بما فيها تلك المتعلقة بوزارات الدفاع والداخلية، وقوات مكافحة الإرهاب، وقوات الحشد الشعبي -وهي مجموعة من الميليشيات تأسست لغرض المساعدة في هزيمة “داعش” عام 2014- وهذا يجعل هذه الميليشيات والكيانات السياسية المرتبطة بها جهات فاعلة بقوة على الصعيد الاقتصادي، عشية أزمة اقتصادية يكون فيها الشباب العراقي المحاصر اقتصادياً أكثر عرضة للخضوع للمحسوبيات.

اقرأ أيضاً: العراق.. العقوبات الأمريكية على فالح الفياض زخم إعلامي لا أكثر

أظهرت أبحاث العلوم السياسية على مدى عقود أن المظالم الاقتصادية -خصوصاً عندما تصيب الشباب- يمكن أن تؤدي إلى نتائج عنيفة؛ بما في ذلك الحرب الأهلية. وبالإضافة إلى الخوف من عودة العنف، فإن الأوقات الاقتصادية الصعبة تخلق فرصاً للمحسوبية التي تُعرف هنا على أنها تبادل السلع والخدمات مقابل الدعم الانتخابي والسياسي. وقد أظهرت الاحتجاجات عام 2019 أن المحتجين يطالبون بالعمل والاستقرار المالي؛ أثناء الأزمات الاقتصادية وقبل الانتخابات، وهذا الأمر يجعلهم أهدافاً سهلة للزبائنية التي ينتهجها بعض السياسيين.

لا يعاني العراق نقصاً في السياسيين الزبائنيين؛ خصوصاً أولئك الذين يستنزفون موارد الدولة (بدلاً من ثرواتهم الشخصية) ويسخرونها لمؤيديهم. يشير الانخفاض الأخير في أسعار النفط، وتراجع ثروة الدولة بشكل عام، من الناحية النظرية، إلى أن الكيانات السياسية القريبة من الدولة ستعاني تراجعاً في قوتها. بالإضافة إلى ذلك، فإن الانخفاض في أسعار النفط سيؤدي إلى إضعاف الحالة الاقتصادية للموظفين الحكوميين؛ وهذا ما يمكن أن يقلل من كلفة شراء الأصوات، خصوصاً بين الأحزاب السياسية والفصائل التي لن تتأثر ثروتها كما هو واضح في الميزانية المقترحة.

الفساد وشراء الأصوات سمة من سمات الانتخابات العراقية- وكالات

زادت الميزانية الاتحادية لعام 2021 -التي تنتظر موافقة البرلمان- من مخصصات وزارة الدفاع بنسبة 9.9%، ووزارة الداخلية بنسبة 9.7%، وجهاز مكافحة الإرهاب بنسبة 10.1%، وقوات الحشد الشعبي بنسبة 45.7%، بالمقارنة مع ميزانية عام 2019. لم تقر الحكومة العراقية ميزانية لعام 2020؛ بسبب الاضطرابات السياسية في حينه. وبالنظر إلى أن الوزارات العراقية عادة ما تسيطر عليها أحزاب سياسية معينة، فإن هذه الزيادات تعني تسخير ثروة الدولة لصالح مجموعة من النخب المتجذرة في وقتٍ يعاني فيه المواطن العراقي العادي ضغوطاً اقتصادية كبيرة. علاوة على ذلك، وكما يوضح تقرير معهد بروكينغز، فإن بعض الميليشيات تتحكم بالمناطق الحدودية، ومشروعات إعادة الإعمار؛ ما يسمح لها بتوليد أموال إضافية من الأسواق غير المشروعة، وتقديم فرص عمل غير رسمية في أوقات تفشي البطالة.

اقرأ أيضاً: ميليشيات الحشد الشعبي.. دولة إيرانية داخل الدولة العراقية

تتزايد هذه الحوافز مع اقتراب الانتخابات، التي اقترح رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي، عقدها في يونيو 2021؛ ولكن من المرجح أنها ستُعقد في وقتٍ متأخر من العام. ومع اقتراب هذا الموعد سوف تزيد الفعاليات السياسية -بما فيها قوات الحشد الشعبي- من التفاتها نحو الجمهور، ومحاولاتها كسب المزيد من المؤيدين، كما فعلت في الانتخابات السابقة عام 2018. في الواقع فإن ندرة فرص العمل، بالإضافة إلى انقضاض “داعش” المفاجئ عام 2014، هما ما دفعا الآلاف من العراقيين للانضمام إلى قوات الحشد الشعبي كمتطوعين. وقد تضخمت قوات الحشد الشعبي بفضل قدرتها على توفير فرص العمل؛ خصوصاً للشباب.

قوات الحشد الشعبي.. نفوذ متزايد يهدد بتقويض استقرار العراق- “ذا ناشيونال”

انتقد نشطاء المجتمع المدني المجموعات شبه العسكرية؛ لانخراطها في أعمال عنف عشوائية ضد المتظاهرين عام 2019، بالإضافة إلى تورطها في أعمال ترهيب واغتيالات في وقتٍ لاحق. وفي الواقع، كان كبح نفوذ هذه المجموعات، وحصر السلاح في يد الجهات الأمنية التقليدية، من بين مطالب المتظاهرين الرئيسية. ومع ذلك، فإن هذه العلاقة العدائية بين المتظاهرين، والمجموعات شبه العسكرية، لا تضمن أن المواطن العادي لن يكون هدفاً للمحسوبية. بينما طالب النشطاء السياسيون القدامى بإصلاحات انتخابية وسياسية، يطالب المتظاهرون مثل الكثير من العراقيين بمستقبل اقتصادي آمن. وهؤلاء معرضون لأن يقعوا فرائس للأحزاب السياسية ذات الموارد الجيدة.

اقرأ أيضاً: هل تغلق السفارة الأمريكية أبوابها في بغداد؟!

لا يمكن فصل المخاوف من استمرارية المجموعات شبه العسكرية وعلاقاتها بالدولة وسيطرتها عليها، عن مناقشة مستقبل العراق الاقتصادي، وقدرته على توفير احتياجات مواطنيه المتزايدين باستمرار. أظهرت استطلاعات الرأي التي أجرتها مؤسسة “أراب باروميتر” أن نحو 80% من العراقيين الذي شملهم الاستطلاع وصفوا الوضع الاقتصادي في بلادهم بأنه “سيئ” أو “سيئ جداً”. وفي الاستطلاع نفسه، كانت الإجابة الأكثر شيوعاً حول أهم التحديات التي تواجه العراق إما “الاقتصاد” وإما “الفساد المالي والإداري”. إن انعدام الأمن الاقتصادي يؤدي إلى عجز المواطنين ويغذي الفساد ويقوض الديمقراطية.

♦زميلة في معهد دراسات السياسة الخارجية الأمريكي، تركز أبحاثها على السياسة العراقية والعلاقات العراقية- الأمريكية، والنشاط السياسي الشيعي والمجتمع المدني والحركات الاجتماعية في الشرق الأوسط الكبير.

المصدر: بروكينغز

اتبعنا على تويتر من هنا

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة