الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون دولية

كيف بدأت فنلندا حربها ضد الأخبار المضللة في المدارس الابتدائية؟

وضع نجاح هذه الاستراتيجية فنلندا في الصدارة وبفارقٍ شاسع بحسب المؤشر السنوي الذي يقيس مقاومة الأخبار المزيفة في 35 دولة أوروبية

كيوبوست – ترجمات

جون هينلي

يُعلِّم البلدُ الواقعُ على خط المواجهة في حرب المعلومات الجميعَ؛ من تلاميذِ المدارس إلى السياسيين، كيفيةَ اكتشاف المعلومات الخادعة. هنالك هجومٌ شرس على الديمقراطيات في جميع أنحاء العالم باستخدام المعلومات المزيفة، وفنلندا -التي صُنفت مؤخراً أكثر دول أوروبا مقاومة للأخبار الكاذبة- تأخذ المعركة على محمل الجد، بما يكفي لتدريسها في المدرسة الابتدائية.

في المدارس الثانوية، مثل الكلية الحكومية في العاصمة هلسنكي، أصبح التثقيفُ المعلوماتي المتعدد المنصات والتفكير النقدي المتين مكوناتٍ أساسية ومتداخلةً مع المناهج المقررة منذ عام 2016.

في دروس الرياضيات، يتعلم التلاميذ كم يسهل التلاعب بنتائج الإحصاءات، وفي دروس الفنون يتم تعليمهم كيف أنه بالإمكان التلاعب بما تعنيه الصور. في دروس التاريخ قاموا بتحليل الحملات الدعائية البارزة، في دروس اللغة الفنلندية يدرسون إمكانية استخدام طرق مختلفة لاستخدام الكلمات في التضليل والخداع والتشويش.

اقرأ أيضًا: كيف نجحت فنلندا في محاربة الأخبار الكاذبة على وسائل التواصل الاجتماعي؟

يعد المنهج جزءاً من استراتيجية فريدة وواسعة النطاق ابتكرتها الحكومة الفنلندية بعد عام 2014، عندما تم استهداف الدولة لأول مرة بقصصٍ إخبارية مزيفة من قبل جارتها روسيا، وأدركت الحكومة أنها انتقلت إلى عصر ما وراء الحقيقة.

وضع نجاح هذه الاستراتيجية فنلندا في الصدارة وبفارقٍ شاسع بحسب المؤشر السنوي الذي يقيس مقاومة الأخبار المزيفة في 35 دولة أوروبية، وتهدف هذه الاستراتيجية إلى ضمان أن يتمكن الجميع من التلاميذ وحتى السياسيين من اكتشاف الأخبار المزيفة، والقيام بواجبهم في مقاومتها.

يقول جاسي تويفانين كبير مسؤولي الاتصالات بمكتب رئيس الوزراء: “إنهم يستهدفون المجتمع الفنلندي برمته، يهدفون لتخريب قيمنا ومعاييرنا وثقتنا بمؤسساتنا التي تحافظ على وحدة مجتمعنا”.

يضيف تويفانين قائلاً: “إن فنلندا التي أعلنت استقلالها عن روسيا في العام 1917 هي في خطِّ المواجهة الأول في حرب المعلومات عبر الإنترنت، الحرب التي استعرت أكثر منذ خمس سنوات عندما قامت موسكو بضم شبه جزيرة القرم، ودعمت المتمردين في شرق أوكرانيا”.

يعتقد المحللون أن شبكة المكتبات العامة الواسعة في فنلندا تُسهم أيضاً في زيادة الثقافة الإعلامية

تكتسب معظم الحملات الهجومية زخمها من المواقع الإخبارية الفنلندية البديلة، وحسابات مواقع التواصل الاجتماعي المتعاطفة مع اليمين المتطرف، وتستهدف هذه الحملات بهجومها الاتحاد الأوروبي، مركزة على مسألة المهاجرين، كما تعمل جاهدة على التأثير في نقاشات انضمام فنلندا لعضوية كاملة لحلف شمالي الأطلسي “الناتو”.

هذا البرنامج تقوده لجنة رفيعة المستوى مكونة من 30 عضواً تمثل 20 هيئة مختلفة من الوزارات إلى منظمات الرعاية الاجتماعية، والشرطة وأجهزة المخابرات والأمن، وقد درَّبت الآلاف من موظفي الخدمة المدنية والصحفيين والمدرسين وأمناء المكتبات، على مدى السنوات الثلاث الماضية.

وقالت سارا جانتونين، كبيرة الباحثين في وزارة الدفاع المعارة لمكتب رئيس الوزراء “إنها جهودٌ منسقة واسعة النطاق لزيادة الوعي، تشبه الحماية من الفيروسات على جهاز الكمبيوتر الخاص بك. الحكومة مسؤولة بمدى معين، ولكن في النهاية يعود الأمر للفرد لتثبيت البرنامج”.

تلاميذ فنلنديون يصوتون حول ما إذا كان ينبغي خفض سن الانتخاب إلى 16 عاماً- الغارديان

يقول أحد المسؤولين عن برنامج التثقيف المعلوماتي في المدارس: لا يوجد من هو سنه أصغر من أن يبدأ في التفكير في موثوقية المعلومات التي يواجهونها. ويضيف: “الأولاد هذه الأيام لا يقرأون الصحف، ولا يشاهدون الأخبار التلفزيونية وتلك نوعيتها جيدة عندنا، بل إنهم لا يبحثون عن الأخبار، لكنهم يتعثرون بها عبر الواتس آب أو يوتيوب أو إنستغرام أو سناب تشات، بل بالأحرى وبشكلٍ أدق تقوم باختيارها إحدى الخوارزميات خصوصاً لهم.  يجب أن يكونوا قادرين على التعامل معها بشكلٍ نقدي، وليس بالشكوك. لا نريدهم أن يفكروا في أن الجميع يكذبون، ولكن نطمح لأن يفكروا تفكيراً نقدياً. فالأخبار الكاذبة ليست مصطلحاً رائعاً، خاصة بالنسبة للأطفال”.

قالت ليلا، 16 سنة، إنها قامت بمناقشة سياسيين محليين في حلقة نقاش حية في محطة الإذاعة المحلية. وقال ألكساندر، 17 عاماً، إنه تعلم الكثير من تصميم حملة إخبارية كاذبة. ولدى سؤاله عن سبب الاهتمام بمسألة الأخبار الكاذبة، قال “لأنك في نهاية المطاف تحصل على معلومات، وسيصدقها الناخبون”.

قالت بريا، 16 سنة، إن التعليم هو “أفضل طريقة لمحاربة المعلومات المضللة. المشكلة هي أنه يمكن لأي شخص نشر أي شيء. ليس هناك الكثير الذي يمكن للحكومة أن تفعله بمواجهة شركات كبيرة متعددة الجنسيات مثل غوغل أو فيسبوك، وإذا فعلت الكثير فيعني هذا أنها تحولت للرقابة. لذا، نعم، التعليم والتوعية هما الأكثر فعالية”.

كما يتم توفير جزء من هذا التعليم المستمر من قبل المنظمات غير الحكومية. إلى جانب تشغيل خدمة فعالة لتقصي الحقائق، مثل موقع فاكت باري الذي أطلق إبان الانتخابات الأوروبية لعام 2014 ويديره طاقم تطوعي من الصحفيين والباحثين، وهو ينتج مواد للتثقيف وتوعية للمدارس والجمهور بشكلٍ عام.

اقرأ أيضاً: التطرف عبر الإنترنت: كيفية اكتشاف المحتوى المتطرف والتعامل معه (المملكة المتحدة نموذجًا)

قال ميكو سالو مؤسس فاكت بار، وهو عضو في مجموعة الخبراء المستقلة رفيعة المستوى التابعة للاتحاد الأوروبي المعنية بالأخبار المزيفة “نهدف بشكلٍ أساسي إلى منح الأشخاص أدواتهم الخاصة”. و”الأمر أشبه بمحاولة إعطاء لقاح مضاد للمشاكل، بدلاً من إخبار الناس ما هو الصواب وما هو الخطأ، وذلك قد يؤدي بسهولة إلى الاستقطاب”.

في الفترة التي سبقت الانتخابات البرلمانية الفنلندية في نيسان (أبريل) الماضي، ذهبت الحكومة بعيداً إلى حد القيام بحملة إعلانية لتنبيه الناخبين إلى احتمال وجود أخبار مزيفة، تحت شعار “فنلندا لديها أفضل انتخابات في العالم. فكر في السبب”.

وبالمثل، تقوم ميديميتكا بالعمل على تطوير أدواتٍ توعية إعلامية، واستخدامها منذ أوائل الخمسينيات من القرن الماضي، عندما كان دافع مؤسسيها أساساً الخوف من الضرر الذي لا يمكن إصلاحه، والذي قد تُلحقه المجلات المصورة بعقول الأطفال الفنلنديين.

الحكومة الفنلندية والمنظمات غير الحكومية تعمل معاً في استراتيجية واضحة لمكافحة الأخبار المضللة- صورة تعبيرية

في الوقت الحالي تنظم المنظمات غير الحكومية، الممولة جزئياً من وزارة الثقافة، ماراثوناتٍ للتكنولوجيا التعليمية مع شركات فنلندية ناشئة مبتكرة في محاولة لتطوير “مواد ذات مغزى” للمدارس ومجموعات الشباب، وفقاً لمديرها التنفيذي، ميري سيستولا.

“نحن نعمل مع الصور ومقاطع الفيديو والنصوص والمحتوى الرقمي. ونحثُّ طلابنا على إنتاج أعمال خاصة بهم كما نطلب منهم ملاحظة جميع الأنواع المختلفة من الأخبار المضللة”، قال سيستولا، بدءاً من الدعاية المغرضة إلى كمائن الروابط [رابط على الإنترنت يبدو للوهلة الأولى وكأنه يحمل محتوى جيداً لكنه عند استخدامه يقوم بفتح صفحات تستهدف شيئاً معيناً- المترجم]، ومن السخرية إلى نظرية المؤامرة، ومن المعلومات الزائفة إلى التقارير الحزبية؛ ومن القصص التي تصف أحداثاً لم تحدث أبداً، إلى الأخطاء غير المقصودة في نقل الحقائق.

اقرأ أيضاً: غوغل تختبر تقنيات “الكشف الاستباقي” لمكافحة المعلومات المضللة

تتمتع فنلندا بشيءٍ من السبق في محو مجال التثقيف والتوعية المعلوماتية، حيث تحتل المرتبة الأولى أو بالقرب من قمة المؤشرات الدولية لحرية الصحافة والشفافية والتعليم والعدالة الاجتماعية. حصل تلاميذ مدارسها على أعلى درجات PISA  [برامج تقييم الطلاب العالمي- المترجم] في الاتحاد الأوروبي.

يقول سالو مؤسس فاكتابار: “إن مستوى الثقة في المؤسسات الوطنية، وفي وسائل الإعلام، وفي المجتمع ككل، يميل إلى أن يكون أعلى في بلدان الشمال مقارنة بالعديد من البلدان الأخرى، لكن هذا يعني أننا نحتاج حقاً إلى مزيدٍ من اليقظة الآن، لإعداد أنفسنا للمرحلة التالية. لأن لدينا المزيد لنخسره”.

المصدر: الغارديان

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة