ثقافة ومعرفةشؤون دوليةمجتمعملفات مميزة

كيف انتشر الإسلام في أفريقيا؟ وكيف تعيش الأقليات الإسلامية فيها؟

تاريخ الدعوة الإسلامية في أفريقيا وحاضرها

كيو بوست – 

يتخذ كثير من رجال الدين، خصوصًا من المسلمين والمسيحيين التبشير سبيلًا لهم، فيجوبون العالم في سبيل دعوة الناس، بالتحديد ممن لا يعتنقون الأديان السماوية الثلاثة، للانضمام إلى ديانتهم. ولكن هذه الدعوات لا تنجح دائمًا، وقد تنتهي بقتل صاحبها، كما حصل مع الداعية السعودي عبدالعزيز التويجري، عندما ذهب في بعثة دعوية إلى قرية كانتيبالاندوغو في غينيا الإستوائية، لبناء المساجد في المنطقة ودعوة أهاليها للإسلام، قبل أن يتلقى رصاصتين في الصدر من أحد السكان الوثنيين، ويلفظ على إثرهما أنفاسه الأخيرة.

ومع هذا، لا تكف محاولات رجال الدين المسلمين عن الدعوة إلى الإسلام، خصوصًا في المنطقة الأفريقية، وهو الأمر الذي سنستعرضه في هذا التقرير، عبر الوقوف على دوافع عملية الدعوة، وتاريخها في القارة الأفريقية.

 

الداعية عبد العزيز تويجري (وسط)

بداية.. ما الهدف وراء الدعوة للإسلام؟

هناك العديد من الآيات القرآنية والأحاديث التي تنص على أهمية الدعوة إلى الله في الإسلام، وأهميتها في التقرب إلى الخالق. وقد اتخذ رجال الدين تلك النصوص كأساس لهم في عملية الدعوة. ومن تلك الآيات: (وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ)، والآية: (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ). أما في الحديث فقد ورد على لسان النبي محمد: “من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا”.

إن ما ترمي إليه الآيات القرآنية والأحاديث النبوية السابقة هو بيان أهمية الدعوة لتوحيد الله، ولدين الإسلام؛ فمن يدعو غير مسلم إلى الإسلام له الأجر الكبير.

الدين في القارة الأفريقية

يصعب إصدار إحصاء ديني دقيق يشمل سكان القارة الأفريقية، نظرًا للحساسية التي تولدها مثل تلك الإحصاءات للدول ذات الشعوب المختلطة. ولكن وفقًا لإحصائية حديثة للموسوعة البريطانية “بريتانيكا” فإن 45% من سكان القارة الأفريقية هم من المسلمين، أما المسيحيون فنسبتهم 40%، وحوالي 15% هم من الوثنيين وأتباع الديانات الأفريقية المحلية، إلى جانب نسبة قليلة جدًا من أصحاب المعتقدات الأخرى.

 

التبشير في القارة الأفريقية

تعرضت القارة الأفريقية للعديد من الحملات التبشيرية، سواء من معتنقي الديانة المسيحية أو الإسلامية، إذ أطلق على القرن التاسع عشر “قرن التبشير”، حيث نشطت العديد من الجمعيات -خصوصًا البروتستانتية منها- في محاولة لنشر دياناتها في أنحاء العالم، وفي أفريقيا على وجه الخصوص. أما في القرن العشرين فبالرغم من الوجود الاستعماري ذي الأغلبية المسيحية، إلا أن معدلات انتشار الإسلام كانت أكثر بكثير من انتشار ديانة المستعمرين، بسبب الجمعيات الإسلامية التبشيرية، التي سنأتي على ذكرها لاحقًا.

 

ولكن، لماذا تستهدف العمليات التبشيرية -عادة- المناطق الفقيرة؟

يبين أستاذ علم الاجتماع في جامعة بيرزيت الفلسطينية بدر الأعرج، أن المبشرين يقومون عادة برفع معنويات الفقراء والمحرومين، عبر إخبارهم بأن الأوضاع ستكون أفضل في الحياة الآخرة، الأمر الذي يعطيهم الأمل بأن الله سيكافئهم بـ”الجنة”.

وأوضح الأعرج في تصريحات خاصة لـ”كيوبوست” أن المبشرين استغلوا -في بعض الأحيان- تدني مستويات الفقر والمجاعة والجهل، للتبشير في القارة الأفريقية، كما استغلوا حاجة الناس المادية، التي نتجت عن الاستعمار؛ فالمسيحية مثلًا لعبت دورًا هامًا في تحويل عدد كبير من الناس إلى الديانة المسيحية وفق هذا المنظور، كما يوضح الأعرج.
 
 
الدعوة الإسلامية في أفريقيا
 
بحسب د.حورية توفيق مجاهد في كتابها “أفريقيا قارة الإسلام: انتشار الإسلام في أفريقيا في القرن العشرين”، فإن التجارة والطرق الصوفية كانت العوامل الأبرز في نشر الدعوة الإسلامية في القارة الأفريقية قديمًا.

وتوضح مجاهد أن وصول التجار المسلمين إلى القارة بهدف التجارة -وليس التبشير- أسهم بشكل كبير في نشر الدعوة الإسلامية؛ إذ تنقل هؤلاء التجار من العرب والبربر عبر القوافل، من الصحراء في شمال القارة، وصولًا إلى جنوبها، إذ كانت تعتبر هذه القوافل جسرًا انتقلت عبره الثقافة والحضارة الإسلامية إلى جنوب الصحراء، التي تسمى حاليًا منطقة الساحل.

هذا المسار عمل وبطريقة تلقائية على نقل الدعوة لشعوب المنطقة السودانية، وبالمثل في المنطقة الشرقية من القارة، إذ تأثر السكان بالتجار وأصبحوا دعاة للإسلام في مناطقهم.

أما الطرق الصوفية، وبالرغم من الانتقادات التي تطالها باعتبارها “تشوه بساطة الإسلام وصورته”، فقد لعبت دورًا هامًا في نشر الديانة الإسلامية. ومن إنجازات الصوفية أن الإسلام تحول على يديها من حالات فردية إلى جماعية. وبحسب العديد من المصادر فإن الصوفيين اتبعوا برنامجًا يبدأ بـ”الكتاتيب”، وأقنعوا الأهالي بإرسال أولادهم من الجنسين إلى هذه المدارس الصغيرة، التي يتعلم فيها الأطفال القرآن، قبل أن يبدأوا بتلقي الدروس العلمية في الشريعة واللغة العربية، ليصبح بعدها الدارس داعية يرشد الناس في أمور دينهم.

 

ما سبب الانتشار السريع للإسلام في القارة؟

بالرغم من أن الفتوحات العربية للقارة الأفريقية أسهمت في انتشار الدين الإسلامي، إلا أن الإسلام انتشر فيها بشكل سلمي وليس بحد السيف، بحسب د. حورية مجاهد. كما أن اعتماد المسلمين على اعتبار أن كل فرد هو داعية لدينه، دون الحاجة لتنظيم ذلك، عمل على زيادة عدد معتنقي هذا الدين ودعاته. وهكذا لم تحتج الدعوة الإسلامية إلى كمية كبيرة من المبشرين المنظمين، بل كان كل مسلم يأخذ على عاتقه نشر الإسلام من حوله.

أما حاليًا فهناك العديد من الجمعيات والمنظمات التي تعمل على نشر الدين الإسلامي في القارة وخدمة المسلمين فيها، منها “منظمة الدعوة الإسلامية”، التي تأسست عام 1980، بهدف “نشر الإسلام وترسيخ قيم التسامح والتعايش، إلى جانب دعم وإغاثة المحتاجين، وتشجيع المباردات المحلية في التنمية والبناء”. ولدى تلك المنظمة، أربعة مكاتب في كل من قطر والبحرين واليمن والإمارات.

 

المشكلات التي تعاني منها الأقليات المسلمة في أفريقيا

إن واحدًا من أهم الأسباب التي مهدت لقدوم الدعاة المسلمين إلى أفريقيا هو تفشي الأمية بين الأقليات المسلمة داخل القارة؛ فقد حرص الاستعمار على أن تخدم المناهج التعليمية التبعية الثقافية له، بالإضافة إلى مشكلة قلة المدارس، التي أدت إلى تفشي الجهل والأمية بين السكان.

أما الصعوبات الاقتصادية، فكان للأقليات المسلمة في بعض الدول الأفريقية النصيب الأكبر من هذه المشكلة؛ إذ تمكن الاستعمار على مدار سنوات عديدة من السيطرة على الموارد الاقتصادية. وقد جعلت تلك الصعوبات المسلمين في أدنى مرتبة من الفقر والعوز، إضافة إلى سوء الأحوال المعيشية، الذي أثر على سائر النواحي الصحية والاجتماعية والتعليمية.

وقد أسهمت بعض الدول العربية والإسلامية، بشكل نسبي، في رفع مستوى التعليم والحياة الاجتماعية لدى مسلمي أفريقيا. وقد كانت المملكة العربية السعودية على رأس تلك الدول، إذ قدمت، خلال العقود الأربعة الماضية، مساعدات تنموية للدول الأفريقية بلغت قيمتها 30 مليار دولار، فيما قدرت القروض التي أعفت منها المملكة عددًا من الدول بحوالي 6 مليارات دولار. كما قدم الصندوق السعودي للتنمية قروضًا إغاثية ميسرة لتمويل 345 مشروعًا وبرنامجًا إغاثيًا في 44 دولة أفريقية، في القطاعات الصحية والتعليمية والاجتماعية والإسكان والبنية التحتية، بمبالغ وصلت إلى 6 مليارات دولار.

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة