الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون دولية

كيف اشترت الصين كامبريدج؟

كيوبوست- ترجمات

إيان ويليامز♦

كانت السفارة الصينية من أول الأماكن التي زارها البروفيسور ستيفن توب؛ كنائب لرئيس جامعة كامبريدج. وقف لالتقاط الصور مع السفير ليو شياومينغ، قبل أن يناقشا سُبل تعزيز “العصر الذهبي” للعلاقات الصينية- البريطانية. وبعد اجتماع عام 2017 بوقتٍ قصير، قال البروفيسور توب لوكالة أنباء شينخوا الصينية الحكومية: “سيكون هنالك المزيد من الفرص للدخول في نشاطات مشتركة مع الصين؛ الدولة التي تتمتع بتأثير متزايد بشكلٍ استثنائي يجب على جامعة مثل كامبريدج الانتباه إليه”.

مرت ثلاث سنوات ونصف السنة بسرعة، وخبا بريق “العصر الذهبي”؛ ولكن يبدو أن كامبريدج كانت متأخرة في متابعة الأخبار، فقد استمر توب في سعيه المتهور وراء الآمال الصينية. الصين بارعة في توجيه تمويلها نحو مجالات البحث العلمي التي تعتبرها ذات أهمية استراتيجية، وقد استهدفت عدداً من المؤسسات البريطانية؛ ولكنَّ قليلاً من هذه المؤسسات انساق وراء الخطر الصيني، كما فعلت كامبريدج.

اقرأ أيضاً: اللعبة الكبرى.. استراتيجية الصين الكبرى لإزاحة النظام الأمريكي

 بدأت الجامعة بالعمل على مقر جديد لمؤسسة كامبريدج لقيادة الاستدامة؛ حيث تعمل على تجديد مبنى مقسم الهاتف القديم في المدينة في شارع ريجنت، لتحوله إلى مبنى منخفض الاستهلاك للطاقة إلى حدٍّ كبير، من خلال مشروع تصل تكاليفه إلى 12.8 مليون جنيه إسترليني. وأطلقت على المبنى اسم “إينتوبيا” (وهو جمع لكلمتَي إينيرجي التي تعني الطاقة، ويوتوبيا التي تعني المدينة الفاضلة)؛ وهو الاسم الذي صاغه الملياردير الصيني لي زهانغ، الذي قدمت شركته “إنفيجن” للطاقة المتجددة، ما يقل قليلاً عن نصف هذا المبلغ، مع العلم أن شركته التي تتخذ من شنغهاي مقراً لها تُعتبر بعيدة عن معايير الشفافية.

المقر الجديد لمؤسسة كامبريدج لقيادة الاستدامة- “بلو آند غرين تومورو”

عندما لا يكون السيد زهانغ مشغولاً ببناء التوربينات الهوائية؛ فهو يقضي وقته بصفته عضواً في مجلس الشعب الوطني (البرلمان صيني الشكل)، وعضواً في المؤتمر السياسي الاستشاري الشعبي الصيني (هيئة استشارية تابعة للحزب الشيوعي الصيني). وفي مارس، بينما كان توب يحتفل بأكثر المباني استدامةً بين عقارات جامعة كامبريدج، كان مجلس الشعب الوطني في الصين يقر قانوناً لتعطيل النظام الانتخابي في هونغ كونغ؛ تمهيداً للقضاء على آخر علامات الحياة في ديمقراطية المستعمرة البريطانية السابقة.

وقبل ذلك بشهرٍ، كانت هنالك تقارير تتحدث عن تلقي قسم الهندسة في كامبريدج، هبة سخية من شركة “تينسينت” الصينية؛ للمساعدة في تمويل أبحاث حول كمبيوترات كوانتوم المستقبلية. وقال القسم، في بيانٍ له: “تستخدم شركة (تينسينت) التي تأسست عام 1998 التكنولوجيا؛ لإغناء حياة مستخدمي الإنترنت”. وكان من الممكن أن يكشف القليل من البحث أن شركة “تينسنت” مرتبطة بالحزب الشيوعي الصيني ارتباطاً وثيقاً. ويعتبر تطبيق “وي تشات” الشائع (ويُسمى وي تشين في الصين) أحد المكونات الرئيسية لدولة المراقبة.

اقرأ أيضاً: حرب شي جين بينغ الثقافية تدخل حرم الجامعات الصينية

في ديسمبر، خاطب توب، عبر الفيديو، منتدى بكين؛ وهو فعالية تنظمها جامعة بكين لمناقشة “تناغم الحضارات وازدهار الجميع”. وقال في كلمته إنه في عالم مضطرب يصبح التعاون ضرورياً أكثر من أي وقتٍ مضى، واستشهد بما سماه “المثال المتميز المثمر” لمشروع بحثي مشترك حول المدن الذكية في نانجينغ؛ حيث قبلت كامبريدج ملايين الجنيهات الإسترلينية من الحكومة الصينية لإنشاء أول مركز بحث رئيسي بهذا الحجم خارج المملكة المتحدة، والمركز الوحيد الذي يحمل اسم الجامعة.

وقال توب للمنتدى إن مركز جامعة كامبريدج- نانجينغ للتكنولوجيا والابتكار، سوف يمكِّن من تطوير مدن ذكية تتيح التكنولوجيا فيها أنماط حياة مستدامة، وتحسن الرعاية الصحية، وتحد من التلوث، وتزيد من كفاءة استخدام الطاقة. والمدن الذكية (أو المدن الآمنة كما تسميها الصين) المكتظة بأجهزة الاستشعار، ربما ستحسن الحياة الحضرية بطرقٍ مختلفة؛ ولكن في السياق الصيني هي في الأساس أدوات للمراقبة والقمع.

أُقيم حفل وضع حجر الأساس لمركز نانجينغ للابتكار في سبتمبر 2019. ويحمل موقع جامعة كامبريدج صورة وجدت مكاناً لها على الصفحة الأولى لصحيفة “بيبولز دايلي”. مسؤولون باهتون يحملون معاول حمراء ويقلبون التراب بشكلٍ غريب، وتوب يقف في الوسط ببدلة رمادية. يقف بجانب تشانغ جينغهوا، مسؤول الحزب الشيوعي الصيني في مدينة نانجينغ، ويصف موقع الجامعة المشروع بأنه “أول مشروع خارجي بهذا الحجم سيسمح للأكاديميين في كامبريدج بالانخراط في مشروعات محددة طويلة الأمد في نانجينغ”.

وضع حجر الأساس لمركز نانجينغ للابتكار في سبتمبر 2019- أرشيف

قام مجلس التدقيق في كامبريدج -وهو هيئة الحوكمة المكلفة بضمان الشفافية والمساءلة في جميع النواحي المتعلقة بعمليات الجامعة- بتفحص الصفقة، وخلص إلى أنها مثال جيد عن نوع العلاقات التي يجب أن تقوم الجامعة ببنائها بعد أن خرجت بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. وعلى الرغم من عبارات توب المبدئية حول القيمة الأكاديمية للتعاون، يبدو أن المال هو الدافع وراء الصفقة.

وقد جاء في تقرير لإجراءات مجلس الإدارة: “إن تطوير مثل هذه الأنشطة خارج الاتحاد الأوروبي هو جزء من الاستجابة لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، ويلاحظ مجلس الإدارة الإعلانات الأخيرة عن مبادرات؛ مثل الشراكة الاستراتيجية مع حكومة نانجينغ المحلية. والصين تلتزم بشكلٍ خاص بتقديم استثمارات كبيرة في مجال الأبحاث، وهذا يجب أن يكون أولوية بالنسبة إلى كامبريدج بالنظر إلى نقاط قوتنا ومكانتنا الدولية الحالية”. وقد ألمح التقرير إلى مخاطر محتملة تتعلق بالسمعة، وأشار إلى أنه مع زيادة الأنشطة الخارجية تزداد الحاجة إلى إدارة المخاطر المالية والمخاطر الأخرى.

اقرأ أيضاً: فرنسا والصين.. دولة اللون الواحد

قبل تقرير منفصل صادر عن “المجلس العام للجامعة لإنشاء الأستاذية” القضية الأكاديمية لأستاذية نانجينغ للتكنولوجيا والابتكار في قسم الهندسة الذي سيتم تمويله من الصفقة الصينية، وبعبارة أخرى من الحكومة الصينية. وقدرت قيمة الصفقة بعشرة ملايين جنيه إسترليني. بروفيسور نانجينغ الجديد هو دابينغ تشو، تصفه كلية “سيلوين”، التي ينتمي إليها، بأنه “إحدى الشخصيات الرائدة في الشراكة الأكاديمية مع الصين”. وتحمل صفحة الكلية على “فيسبوك” صورة لتشو في ميدان تيانانمين كضيف في احتفالات الحزب الشيوعي عام 2019 بالذكرى السبعين لتوليه السلطة.

استضافت حكومة نانجينغ، في سبتمبر الماضي، مؤتمراً كان يهدف إلى تعميق الشراكة مع كامبريدج. ألقى تشانغ جينغهوا مسؤول الحزب الشيوعي الصيني في المدينة كلمة ترحيبية شكر فيها كامبريدج على دعمها، وقال: “على الرغم من جائحة (كوفيد-19) والمشهد الاقتصادي الدولي دائم التغير، لا يمكن عكس اتجاه الابتكار، ولا يمكن إيقاف وتيرة التعاون”. وإذا كان توب قد شعر بشيء من عدم الارتياح تجاه تلك اللهجة الجريئة؛ فهو لم يعبر عن شعوره هذا، وقال إنه “يأمل في أن يعزز كلا الجانبين التعاون والابتكار المشترك والعمل معاً على مواجهة التحديات العالمية”.

نفَت كامبريدج بشدة أن يكون قبول الأموال الصينية يمسُّ بأي شكلٍ من الأشكال الحرية الأكاديمية؛ لكن الأحداث في كلية جيسوس تشير إلى عكس ذلك، فقد تعرض اثنان من مراكز الكلية التي تهتم بالصين، إلى الانتقاد بسبب انصياعهما لبكين، وتم منحهما مؤخراً نوعاً من التجميل سيفخر به المتلاعبون بتاريخ الحزب الشيوعي الصيني.

اجتماع بين مسؤولين صينيين والبروفيسور بيتر نولان مدير مركز الصين التابع لكلية جيسوس- جامعة كامبريدج- “شينخوا”

أنشأت كلية جيسوس مركز الصين في عام 2017، وأسست في العام التالي مركز حوار القضايا بين الصين والمملكة المتحدة. شرع المركزان في البداية ببرامج الأحداث الصديقة للصين التي غالباً ما كانت تبتعد عن موضوعات مثل إقليم تشينجيانغ، وهونغ كونغ، وتايوان، وقضايا حقوق الإنسان بشكل عام. واستعارت مواقع المركزَين على الإنترنت بعضاً من أدبيات الحزب الشيوعي واستخدمت مصطلحات؛ مثل “التحول الصيني الاستثنائي” و”تجديد شباب الصين”. تم إنشاء مركز الحوار بتمويل من اللجنة الوطنية للتنمية والإصلاح التابعة للحكومة الصينية، وهي وكالة تخطيط لعبت مؤخراً دوراً رئيسياً في انتقام بكين الاقتصادي من أستراليا بعد أن طالبت كانبيرا بتحقيق مستقل حول أصول “كوفيد-19”.

استضاف المركز حواراً حول حوكمة الاقتصاد الرقمي، وهو موضوع محبب لدى الرئيس الصيني شي جين بينغ؛ وهو في الأساس تعبير ملطف للرقابة المشددة والسيطرة الرقمية والاجتماعية. وجاء في تقريرٍ علني قدم له توب: “إن السمة الرئيسية لنقاشاتنا كانت الدور البارز الذي تلعبه الصين والشركات الصينية في الاتصالات العالمية، والحاجة إلى مقارباتٍ جديدة تغطيها بالكامل.” وقد تم تمويل هذا الحوار بمنحة من شركة “هواوي”، وكان اثنان من المشاركين الستة والثلاثين من موظفي الشركة.

اقرأ أيضاً: روسيا والصين وإيران ليست منارة يهتدي بها العالم

مدير مركز الصين هو البروفيسور بيتر نولان، وكان أيضاً أول أستاذ للتنمية الصينية في تشونغ هوا، وهو كرسي تموله مؤسسة تشونغ هوا الصينية. تم إنشاء هذه الأستاذية في عام 2012 في وقف مقداره 3.7 مليون جنيه إسترليني، وقد زعمت كامبريدج في ذلك الحين أن تشونغ هوا هي مؤسسة خاصة لا علاقة لها بالحكومة الصينية. وتم الكشف لاحقاً عن أن هذه المؤسسة الخيرية كانت تديرها وين روتشان، ابنة رئيس الوزراء السابق وين جياباو. وروتشان هي طالبة سابقة عند البروفيسور نولان، الذي اشترك في تأليف كتاب مع زوجها.

وفي نوفمبر الماضي، حذر نولان الطلاب من مناقشة انتهاكات الصين لحقوق الإنسان في تشينجيانغ وهونغ كونغ، وقال إن ذلك “قد لا يكون مفيداً في تطوير التفاهم المشترك”. وحذر من أنه “لدينا الكثير من الطلاب في الصين”.

وتحمل مواقع كل من مركز الصين ومركز الحوار الكثير من اللغة الحيادية. وقد حاول مركز الصين إنقاذ سمعته من خلال برامج أكثر تنوعاً لفعالياته. وفي مارس تخلَّى مركز الحوار عن كلمة “الصين” في اسمه. وجاء في إصدار الربيع من دورية “جيسوان نيوز” الجامعية، التي أعلنت تغيير الاسم، بيان استثنائي من صفحة كاملة بعنوان “الحديث عن الصين”، جاء فيه: “نحن مصممون على حماية الحريات الأكاديمية من خلال هياكل الحوكمة القوية، وهذا موقف معلن لمجلس الكلية ينص على أنه لا يوجد موضوع يتجاوز الحدود”.

طلاب من هونغ كونغ يطالبون كلية وولفسون بتجريد كاري لام من زمالتها الفخرية- وكالات

جاءت لهجة البيان حادة ودفاعية، وأكد البيان أنه “بالنظر إلى تراجع الثقة وانعدام التفاهم من جميع الجهات بين الصين والغرب، فإن للكلية دوراً تلعبه لتشجيع البحث العلمي المفتوح والصادق”، وهذا بيان مذهل ينطوي على التكافؤ الأخلاقي بين استبداد الرئيس تشي المتزايد والقيم الديمقراطية الغربية التي كان من المفترض أن تجسدها الجامعات البريطانية.

هذه القيم كانت في طليعة أفكار طلاب هونغ كونغ عندما طالبوا الرئيس التنفيذي لكلية وولفسون بتجريد كاري لام، الرئيسة التنفيذية لهونغ كونغ، من زمالتها الفخرية في ضوء حملة القمع ضد الحركات المطالبة بالديمقراطية. رفضت كلية وولفسون الأمر في البداية؛ ولكن بعد فرض قانون أمني شديد القسوة العام الماضي، جاء في بيان للكلية إنها “تدرس موقف كاري لام، وفي نهاية المطاف انتزعت لام المبادرة من يد كلية وولفسون وقطعت علاقاتها مع الكلية”.

اقرأ أيضاً: القصص التي ترويها الصين

واجه طلاب هونغ كونغ الذين احتجوا في كامبريدج صعوباتٍ عدة. قال أوليسيس تشاو، أحد طلبة وولفسون من هونغ كونغ، إنه لم يعد يشعر بالأمان بعد أن تلقى سيلاً من الإساءات عبر الإنترنت، وصلت إلى حد التهديد بقتل والدته.

ربما يعتقد توب حقاً أن كامبريدج تستطيع من خلال التعاون مع كيانات من الحزب الشيوعي الصيني أن تجعل العالم مكاناً أفضل؛ ولكن من الصعب ألا نستنتج أن العلاقة بين كامبريدج والصين اتسمت بقدرٍ مذهل من الجشع والسذاجة.

غالباً ما يُنظر إلى كامبريدج على أنها قمة نظام التعليم الليبرالي في بريطانيا؛ ولكنها أظهرت أيضاً أنها طعنت العالم حقاً عندما تعلق الأمر بقبول الأموال الصينية من دون طرح ما يكفي من الأسئلة.

♦مراسل سابق للقناة الرابعة، وشبكة “إن بي سي”، ومؤلف كتاب «كل نفس تأخذه: استبداد الصين الجديد».

المصدر: ذا سبيكتيتر

اتبعنا على تويتر من هنا

 

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة