الواجهة الرئيسيةشؤون دولية

كيف اخترقت “اليسارية الإسلامية” الجامعات الفرنسية؟

يسود القلق الأوساط الأكاديمية الفرنسية بعد أن لوحظ انتشار خطاب مستورد من الولايات المتحدة يتعرض لمفاهيم متشددة.. ويلقى قبولاً بشكل خاص بين طلاب العلوم الإنسانية

كيوبوست

فتحت صحف فرنسية، خلال الأسبوع الماضي، ملفاً مهماً طالما كان مسكوتاً عنه في فرنسا؛ خصوصاً أنه يتعلق بجامعات الضواحي، تلك الجامعات التي يتحكم فيها اليسار الفرنسي؛ كونها أُسست على إرث هذا اليسار عقب ثورة عام 1968؛ ففي كتابٍ نُشر في الخريف الماضي، وجهت اتهامات إلى عدد من الاتحادات الطلابية في تلك الجامعات بدخول “الفلك الإسلامي اليساري”؛ بفضل “قوة المناضلين اليساريين المتطرفين المدعومين من النشطاء المقربين من الإخوان المسلمين”.

في الآونة الأخيرة، بدأ الحديث يكثر عن اليسار الإسلامي؛ وهو المصطلح الذي يشير إلى التقارب بين المسلمين الأصوليين والجماعات اليسارية المتطرفة. في الجامعات الفرنسية، هناك معركة أيديولوجية ضارية هزت العالم الأكاديمي، منذ التصريحات التي أدلى بها وزير التربية والتعليم، نهاية أكتوبر.

اقرأ أيضاً: تحقيق خاص.. كيف تسلل رجب طيب أردوغان إلى فرنسا؟

فبعد أسبوع من اغتيال صموئيل باتي، وهو المعلم الذي قُتل وقُطع رأسه بعد أن عرض رسوماً كاريكاتيرية للنبي محمد، في الفصل، أطلق وزير التعليم جان ميشيل بلانكير، تلميحاتٍ أشار فيها إلى وجود “اليسار الإسلامي” في المدرسة التي كان يعمل فيها باتي. واستنكر الوزير “مصفوفة فكرية وأطروحات متعددة الجوانب قادمة من الجامعات الأمريكية، تريد أن تضفي طابعاً تمييزياً للأقليات والهويات داخل المؤسسات التعليمية”، وتطرح بذلك “رؤية تتلاقى مع مصالح الإسلاميين”، وفي الحقيقة، لقد ابتليت أقسام العلوم الاجتماعية الفرنسية بالكثير من اليساريين الذين خدموا بصدق هذا التيار.

جامعة باريس الثامنة في ضاحية باريس الشمالية- وكالات

تحالف قديم

تقول أودري، وهي طالبة فرنسية درست في جامعة باريس الثامنة، وتخرجت في عام 2009: إن وجود هذا التحالف بين اليسار والإخوان المسلمين داخل الجامعات ليس وليد اللحظة؛ بل هو أمر لاحظته بنفسها عندما درست في جامعتها، والتي تعد أحد أكثر معاقل اليسار تشدداً في ضاحية سانت دوني شمال العاصمة باريس.

اقرأ أيضاً: زينب الغزوي لـ”كيوبوست”: سامحت قتلة زملائي في “شارلي إيبدو”

بالنسبة إلى أودري، التي تحدثت إلى “كيوبوست” عن تلك الحقبة، فإن شعوراً بالمظلومية كان يعم أوساط الطلبة؛ خصوصاً من الجاليات الإفريقية، وغالبيتهم يعتنقون الإسلام ويمارسونه بشكل متشدد، وقد وجدوا في الطلاب الفرنسيين ذوي التوجهات اليسارية الراديكالية ضالتهم؛ فلجأوا إليهم لتبني قضيتهم داخل أروقة الجامعة، وبهذا نشأت مجموعة من الجمعيات والتنظيمات من رحم تلك الجامعات والمؤسسات الأكاديمية، وبدأ خطها يتخذ منحى أكثر تشدداً خلال العامَين الأخيرَين.

تتذكر أودري كيف أن الحجاب كان قد مُنع في المؤسسات التعليمية والعامة في فرنسا؛ لكن الأمر لم يكن ليطبق داخل جامعتها، فالفتيات اللواتي يرتدين حجاباً وجلباباً أشبه بـ”الشادور الإيراني” كن ينتشرن شيئاً فشيئاً، وعندما يتم الحديث عن هذه الظاهرة المقلقة، “كان مَن يتصدى للدفاع عنها طلاب فرنسيون ينتمون إلى تيارات يسارية قبل الطلاب المسلمين أنفسهم”، تضيف أودري.

جانب من تجمعات طلابية تتهم السلطات الفرنسية والإيطالية بالعنف العنصري- وكالات

موقف استعماري

شهادةٌ أخرى من أكاديمية فرنسية تُدعى بياتريس، فضلت أن تبقي اسمها مجهولاً عند حديثها إلى صحيفة “لوفيغارو” الفرنسية، قالت إنها خلال حوارٍ مع نسويات محجبات في إحدى الجامعات، لم تنجح في الحصول على “إدانة واضحة لأفعال طارق رمضان (حفيد مؤسس جماعة الإخوان المسلمين، والذي وجهت إليه تهمة اغتصاب خمس نساء)؛ لكنهن لا ينظرن بنفس الطريقة إلى المخرج الفرنسي من أصول بولندية رومان بولانسكي، والذي وجهت إليه أيضاً تهم بالتحرش.

تضيف بياتريس: حضرت مؤتمراً آخر في جامعة باريس 2، بعنوان “وصمة العار.. الأعراف الاجتماعية وممارسات وسائل الإعلام”. وفي هذا المؤتمر تم إسقاط تهم على أحد كبار المخرجين الأمريكيين تتعلق بـ”دعم الصهيونية، والعنصرية، والتمييز على أساس الجنس”؛ لكن في نفس الوقت يُنظر إلى أي انتقاد للإسلاموية على أنه موقف استعماري جديد. بالنسبة إلى نشطاء اليسار؛ فإن أكثر الأشخاص تعرضاً للتمييز داخل المجتمع الفرنسي هم من المسلمين، والمفارقة أنهم يسمون أنفسهم ماركسيين؛ لكن “أفيون الشعب” صفة تطول كل الأديان، لكنها لا تتعلق بالإسلام.

أطراف يمينية، وأخرى من أقصى اليمين، فتحت النار في وسائل الإعلام الفرنسية تجاه هذا التوجه مؤخراً، بعد أن بات يتنامى، أكثر فأكثر، داخل الجامعات الفرنسية، والأمر بدأ يسوء مع زيادة عدد الطلاب من اللاجئين والذين وصلوا إلى فرنسا خلال الأعوام الأخيرة، ووسط هذه المعركة الضارية هناك أقلية صامتة يتم الحديث باسمها، وفي الغالب توريطها، في قضايا قد تنعكس سلباً على مسارها الأكاديمي والإنساني.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة