الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفة

كيف أصبحت “مغارة ميلاد المسيح” تقليداً في أعياد الميلاد؟

كيوبوست

احتراماً لمبدأ العلمانية الذي تتبناه فرنسا، وتحاول تكريسه من خلال تجنب المظاهر الدينية المرتبطة بجميع الديانات على حد سواء؛ أمر القضاء الفرنسي مجلسَ بلدية مدينة “بيزييه” بإزالة مجسم لـ”مغارة ميلاد المسيح” من الفناء الرئيسي لمبنى البلدية.

وصدر الأمر القضائي بعد تقديم “رابطة حقوق الإنسان” شكوى حول المغارة لدى محكمة مدينة مونبلييه الإدارية، معتبرةً أن المغارة “تجسِّد مشهد المهد”؛ وهو أمر يتجاهل بالنسبة إلى القضاء أحكامَ المادة 28 من قانون 9 ديسمبر 1905 المتعلقة بحدود المباني العامة والمتطلبات المتعلقة بمبدأ حياد الأشخاص العموميين.

مشهد الميلاد

يمثِّل مشهد الميلاد ميلادَ الطفل المسيح في كهف يقع حالياً في كنيسة المهد بمدينة بيت لحم الفلسطينية، ويشمل على مذود الطفل يسوع وأُمه مريم والقديس يوسف النجار، والرعاة الذين كانوا يرعون قطعانهم في الليل، والحكماء المجوس الثلاثة الذين زاروا يسوع بعد ولادته، وحيوانات من ضمنها حمار وثور.

لوحة عن عيد الميلاد

مشهد الميلاد

ويُستوحى المشهد من الروايات الدينية في إنجيل لوقا، الذي يوضِّح أن ملاكاً أعلن ولادة يسوع، ودعا الرعاة إلى عدم الخوف، فقد جاء بالبشارة. ويضيف أنه عندما ذهب الرعاة إلى الكهف في بيت لحم “وجدوا مريم ويوسف والطفل الذي كان مضطجعاً في المذود”. بينما يشير إنجيل متى إلى قصة الحكماء المجوس الثلاثة الذين زاروا يسوع بعد ولادته، وقدموا له هدايا من الذهب واللبان والمر، وأصبحوا جزءاً من المشهد.

ولم تتطرق كلتا الروايتَين حول المشهد إلى وجود حيوانات، إلا أن تلك الإضافة ظهرت خلال القرن السابع عبر نصوص دينية.

المغارة جزء من عيد الميلاد 

مثل شجرة الميلاد وبابا نويل الذي صار جزءاً من طقوس أعياد الميلاد منذ القرن التاسع عشر الميلادي، كان مشهد الميلاد سابقاً لهما بقرون كجزء من أعياد الميلاد، عندما أراد القديس الإيطالي “فرانسيس الأسيزي”، نقل أجواء موقع ميلاد الطفل يسوع في مدينة بيت لحم، التي زارها عام 1221م، إلى مسقط رأسه، بلدة “غريسيو” في إيطاليا، لعمل شيء “في سبيل تأجيج الإخلاص لميلاد المسيح”.

ويفيد كتاب “حياة القديس فرانسيس”، الذي كتبه عالم اللاهوت بونافنتورا خلال القرن الثالث عشر حول القديس فرانسيس، أنه في عام 1223م، سعى القديس فرانسيس للحصول على إذن من البابا أونوريوس الثالث لتنظيم مشهد “مغارة الميلاد”؛ فقد جهز “مذود وتبن مع ثور وحمار”.

اقرأ أيضاً: عيد الميلاد المجيد.. من عيد ديني مختلف عليه إلى عيد علماني يحتضن الجميع

ووفقاً للكتاب، فإن أكثر من معجزة حصلت خلال تنظيم المشهد، وأفاد بها أحد الشهود؛ أن القديس فرانسيس كان يحتضن دمية منحوتة تبكي بدموع الفرح متأثرةً من المشهد، و”بدا كأنها فاقت من النوم عندما احتضنها الأب المبارك فرانسيس بكلتا ذراعَيه”. كما حصلت معجزة أخرى؛ أن عالج التِّبن الذي كان يرقد عليه الطفل يسوع أناساً وحيوانات من الأمراض.

انتشار التقليد

بعد مشهد المحاكاة الذي نظمه القديس فرانسيس، انتشرت مغارة الميلاد كأحد تقاليد عيد الميلاد المجيد بجهود من رهبانية الفرانسيسكان التي تأسست على يدَيه، وكرَّست نفسها للأعمال الخيرية، فقد عمل الفرانسيسكان على نشر التقليد، عبر تمثيل مشهد المغارة.

وبدايةً، جُسِّد مشهد المغارة عبر أشخاص حقيقيين، وذلك حتى ظهور المجسمات؛ ما أفسح المجال لبقاء المشهد لفترات أطول كي يتسنى للجماهير تأمله، بينما أصبحت المجسمات أكثر تعقيداً بمرور الوقت؛ ما دفع ملوكاً لاقتناء بعضها، كما فعل تشارلز الثالث ملك إسبانيا، الذي كان يجمع مجسمات متقنة لمغارات الميلاد.

وبعد وفاة القديس فرانسيس في عام 1291م، أمر البابا نيكولاس الرابع، بإقامة مشهد دائم لمغارة الميلاد في أكبر كنيسة مكرسة لمريم العذراء في روما؛ سانتا ماريا ماجوري.

اقرأ أيضاً: “كعكة الملك” في عيد الغطاس.. تكريماً لمَن زاروا المسيح في عيد ميلاده

وفي غضون مئة عام، كان شائعاً أن تقيم كل كنيسة كاثوليكية في إيطاليا مشهد مغارة ميلاد في عيد الميلاد، ولاحقاً مع انتشار التقليد في مناطق جديدة في أنحاء العالم خارج إيطاليا، أصبحت مغارة الميلاد تتماشى مع ثقافة الأماكن التي تُعرض فيها؛ حتى إن بعض المشاهد أُضيفت لها شخصيات تشبه قرويي تلك المناطق.

كما ذاع تقليد مغارة الميلاد؛ لدرجة أن وجوده لم يقتصر على الكنائس فقط، إنما جهز محتفلون خلال عيد الميلاد مشهد المغارة في منازلهم، على الرغم من أن الكنائس البروتستانتية رفضت التقليد على اعتبار أنه إحدى الخرافات الكاثوليكية الوثنية.

لوحة دائرية للرسامَين فرا أنجيليكو وفيليبو ليبي تصور مشهد الميلاد

في حين أصبح مشهد مغارة الميلاد راسخاً في أعياد الميلاد، صارت له مكانة في الفن أيضاً؛ فقد طغت مشاهد مغارة الميلاد في عدة أعمال فنية في عصر النهضة، ويعود المشهد الأول إلى رسام عصر النهضة الإيطالي جيوتو دي بوندوني، في كنيسة أرينا تشابل، في مدينة بادوا الإيطالية.

ومن أعمال عصر النهضة التي صورت مشهد مغارة الميلاد، كان لوحة دائرية للرسامَين فرا أنجيليكو وفيليبو ليبي، خلال القرن الخامس عشر، وتضمن المشهد عدة حيوانات؛ خروف وحمار وبقرة وثور وطاووس ملوَّن يلقي نظرة على يسوع.

مجسمات لشخصيات مشهد الميلاد في متحف متروبوليتان للفنون في مدينة نيويورك- met museum

كما يمتلك متحف متروبوليتان للفنون في مدينة نيويورك مشهد مغارة ميلاد شهير، تعود بشكل كبير إلى فنان القرن الثامن عشر سالفاتور دي فرانكو، وتضم مجموعة واسعة من القرويين والحيوانات والرعاة والحرفيين، بالإضافة إلى الشخصيات المركزية.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات