الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفةشؤون عربية

كيف أصبحت صنعاء الحصينة مهددة بالتدمير؟

اليمن – منير بن وبر

يُقال إن اسم صنعاء مشتق من كلمة “مصنعة”؛ وتعني حِصن في العربية الجنوبية القديمة. والمصانع في العربية تعني القصر أو الحِصن أو القرية.. وغير ذلك من الأمكنة العظيمة. كما يعني الحِصن كل موضع حَصِين لا يُوصَل إلى ما في جَوْفِه. والناظر إلى صنعاء القديمة في اليمن يلاحظ على الفور كيف تمثِّل مبانيها العالية استجابة رائعة لاحتياجات السكان داخل أسوار المدينة الدفاعية.

وعلى الرغم من أن أسوار المدينة، وتخطيطها الداخلي المتميز، ومبانيها التي تصل إلى ثمانية أدوار، قد أسهمت بفاعلية في صمود المدينة وحماية سكانها لقرون في وجه الأمطار والحروب والحصار؛ فإن القلق من قدرة المدينة على تحمُّل المزيد من الصمود يتزايد مع استمرار الصراع والتغيرات المناخية، حيث تسببت الأمطار والسيول والعواصف خلال الأشهر الأخيرة في تضرر عشرات المنازل في صنعاء القديمة.

القدرة على الصمود

أصبحت صنعاء القديمة مأهولة بالسكان منذ أكثر من 2500 عام، ويعود طرازها المعماري الحالي إلى ما قبل القرن الحادي عشر. بُنيت المنازل التي تزيد على 6500 منزل من الطوب المحروق؛ لكن الطوابق الأرضية بُنيت من الحجارة. تعتبر الحجارة متينة للغاية ومقاومة للرياح والنار والماء والعفن والحشرات، كما يمتلك الطوب عدة مزايا؛ منها العزل الحراري والقدرة على حبس الهواء البارد؛ مما يسمح بتدفئة المنزل في الشتاء والتبريد في الصيف.

اقرأ ايضاً: الحوثيون.. يسعون إلى طمس تاريخ اليمن

وعلى الرغم من خصائص مواد البناء التي تعامل معها سكان صنعاء بذكاء وفن؛ فإن العوامل الخارجية قد تصبح أحياناً أقوى من قدرة المدينة على التحمُّل؛ ففي عام 1965 مثلاً تسببت الأمطار الغزيرة في أضرار بالغة لمسجد الجامع الكبير، والذي يعود تاريخ بنائه إلى السنة السادسة للهجرة. كما انهار ثلاثون منزلاً بين عامي 1978 و1979؛ بسبب عدم ملاءَمة نظام التصريف للمياه والمجاري التي أُدخلت إلى المدينة.

تؤدي الصراعات دوراً بارزاً أيضاً في تضرُّر المباني بشكل مُتعمَّد أو عرضي؛ ففي عام 2013 -مثلاً- استهدف تفجير إرهابي مجمع وزارة الدفاع الذي يقع على بعد أمتار من باب اليمن، أشهر أبواب صنعاء القديمة السبعة. ووفقاً لأحد الجنود فإن “الجيش قصف بيتاً قريباً في صنعاء القديمة استخدمه مسلحون لاستهداف مجمع وزارة الدفاع”.

اقرأ أيضاً: تنظيم “القاعدة في شبه الجزيرة العربية” باليمن قد يستعد لتوجيه هجمات جديدة

وخلال الأشهر الأخيرة، أدت الأمطار الغزيرة، على غير العادة، إلى تهدُّم سقوف نحو 107 من منازل صنعاء القديمة جزئياً وأخرى كلياً، بينما باتت المياه تتسرب في نحو 5000 منزل، كما انهار جزء من سور المدينة، متسبباً في انهيار أحد المنازل القريبة منه.

جانب من أحد بيوت صنعاء القديمة المتضررة بسبب الأمطار مؤخراً

القيمة الحضارية العالمية

لصنعاء القديمة قيمة عالمية متميزة، وقد صنفتها منظمة اليونسكو في عام 1986 ضمن مواقع التراث العالمي؛ وهو برنامج أُممي يهدف إلى تصنيف وتحديد المواقع ذات الأهمية الخاصة للجنس البشري والحفاظ عليها.

تشمل السمات التي تعطي صنعاء القديمة قيمة عالمية استثنائية: التصميم العام للمدينة، وواجهات المباني المزخرفة ومواد البناء التقليدية، إلى جانب المظهر الجمالي للمدينة المُحاطة بالجبال.

شاهد: فيديوغراف… “سقطرى” اليمنية ضمن أفضل وجهات السفر

وتتميز صنعاء القديمة بـ”مجموعة معمارية متجانسة”؛ ما يعني أن العديد من المباني يبدو متشابهاً للغاية. كما تتميز بالمساحات المفتوحة التي تعتبر جزءاً من البيئة الحضرية للمدينة، وتُعرف تلك المساحات المفتوحة بالبساتين و”المقاشم”؛ وهي عبارة عن مُتنفس لسكان الحارات، ومصدر بسيط للخضروات والفواكه، ويُقدَّر عددُ البساتين داخل صنعاء القديمة بأربعين بستاناً.

وبالإضافة إلى المباني الصنعانية المُزيَّنة بشكلٍ لافت، يوجد عدد كبير من المرافق الأثرية التجارية والعامة؛ كالأسواق الشعبية والحمامات والمساجد ودور الضيافة (السماسر) والمَعاصِر.

ولعل مسجد الجامع الكبير هو أحد أبرز المعالم الأثرية في صنعاء القديمة؛ حيث بُني في عهد رسول الله محمد، صلى الله عليه وسلم، في السنة السادسة للهجرة، ويُعتبر أول مسجد يُبنى خارج مكة والمدينة.

أحد أبواب الجامع الكبير بصنعاء.. والباب قديم يعود إلى الفترة السبئية وعليه كتابات بخط المسند- وكالات

يذكر بعض المصادر أن الجامع الكبير بُني على أنقاض قصر “غمدان” الذي حكم منه سيف بن ذي يزن بن سبأ، وهو أحد أشهر ملوك اليمن القدماء وآخر مَن سكنه. ويوجد حالياً أحد أبواب قصر “غمدان” في الجامع الكبير، وعليه نقشٌ بخط المسند.

ومثل مسجد الجامع الكبير، تأثرت صنعاء بالأديان والدول المختلفة الأخرى خلال تاريخها الطويل؛ حيث بنى أبرهة الأشرم بها كنيسة “القليس“، ليحج إليها العرب بدلاً من الكعبة، ثم خرج بجيش عظيم على ظهور الفيلة لهدم الكعبة عندما لم يُقبِل العرب على كنيسته، وقصة أبرهة الأشرم مشهورة في الإسلام بقصة أصحاب الفيل.

وتعتبر حمامات البخار العامة التي تشتهر بها صنعاء القديمة أحد الشواهد على الأديان والدول التي تعاقبت على هذه المدينة أيضاً؛ حيث توجد بها حمامات خاصة باليهود، مثل حمّام شكر، وحمّام السلطان الذي بناه والي الدولة الأيوبية على اليمن، طغتكين بن أيوب، وحمّام الميدان الذي بناه الوالي العثماني حسن باشا الوزير، في القرن السادس عشر الميلادي.

شاهد: فرقة نسائية إسرائيلية من أصول يمنية تبهر العالم بموسيقى اليمن وتراثه

تهديد المعالم والتاريخ

لقد تسببت الأمطار الغزيرة، التي أصبحت أكثر تواتراً على اليمن، في الإضرار بصنعاء القديمة ومدن يمنية تراثية أخرى، بعضها مُدرج في قائمة التراث العالمي؛ مثل مدينة شبام التاريخية في حضرموت، والمشهورة بناطحات سحاب الصحراء.

شيخ يقرأ القرآن داخل الجامع الكبير بصنعاء- “كيوبوست”

وتأتي هذه الأمطار في وقتٍ يعاني فيه اليمنيون ضغوطاً اقتصادية هائلة نتيجة الصراع وسوء الإدارة والتخطيط؛ وهي ضغوط تجعلهم أبعد ما يكونون عن التفكير أو القدرة على صيانة وترميم إرثهم الحضاري العظيم، كما يزيد الصراع من عجز الدولة عن صيانة وترميم البنية التحتية لهذه المدن.

اقرأ أيضاً: لماذا يحتاج اليمن إلى أكبر عملية إغاثة في العالم؟

ولا تهدد الأخطار المُحدقة بمواقع التراث في اليمن باندثار المعالم فحسب؛ بل حتى بجزء من هوية تلك المدن وتاريخ شخصياتها الشهيرة، حيث هدمت الأمطار مؤخراً منزل الشاعر اليمني الكبير عبدالله البردوني، في صنعاء القديمة، والمخطط تحويله إلى متحف؛ تخليداً له ولإرثه الثقافي. وتعتبر صنعاء موطناً للعديد من الشخصيات الشهيرة؛ مثل الجغرافي الشهير الحسن الهمداني، ومحمد الشوكاني، وهو أحد أبرز علماء أهل السُّنة والجماعة وفقهائها؛ وقد أدَّت الأخطار المحدقة بهذه المدينة الرائعة إلى إطلاق عدة نداءات لحمايتها وإنقاذ ما يمكن إنقاذه قبل فوات الأوان.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

منير بن وبر

باحث في العلاقات الدولية وشؤون اليمن والخليج

مقالات ذات صلة