الواجهة الرئيسيةصحةمقالات

كيف أسهمت جائحة “الموت الأسود” في نقل أوروبا إلى عصر النهضة؟

كيوبوست- مدى شلبك

على عكس المتوقع، لم تبادر دول الاتحاد الأوروبي لانتشال إيطاليا من أزمتها مع “كورونا”، التي تودي بحياة مئات الإيطاليين يومياً، علماً بأن إيطاليا هي واحدة من دول الاتحاد. بينما سارعت روسيا والصين وكوبا الفقيرة لمد يد العون. وأيضاً تأخرت دول غربية في اتخاذ إجراءات احترازية لوقاية شعوبها من الوباء المتفشي، على الرغم من ضجيج الشعارات التي تبنتها هذه الدول خلال الأعوام المئة الماضية، حول مركزية الإنسان في سياساتها.

شاهد: فيديوغراف.. الطاعون في العصر الأموي

كل هذه الإشارات دفعت بتوقعات طرحها متابعون حول انهيار الترتيب الحالي للعالم، وسقوط المنظومة الغربية المتصدرة، وسقوط الاعتقاد السائد حول قوة مناعة المنظومة الأوروبية وتكاملها، عندما غرقت إيطاليا وحيدةً في محنة “كورونا”، التي كشفت الثغرة الأخلاقية للمنظومة ذاتها، فقد كانت الأولوية لعجلة الاقتصاد هذه المرة، وليست لروح الإنسان. مشهد التلكؤ بأخذ الإجراءات، ومد يد العون، أثار ذهول العالم، ودفعه للاعتقاد أن كل المبادئ الإنسانية التي تغنت بها الديمقراطية الغربية سابقاً ما هي إلا وهم، وما بعد “كورونا” سيبدأ التأسيس لعالم جديد مبني على مبدأ الإنسانية الحقة.

حتى اللحظة هو مجرد اعتقاد؛ لكنه قد يغدو حقيقة، فسابقاً أسهم وباء الطاعون (أو الموت الأسود) في نقل أوروبا من العصور الوسطى (المظلمة) إلى عصر النهضة؛ لكن كيف؟ قبل الإجابة، لنتعرف على الوباء.

اقرأ أيضًا: التغير المناخي والأوبئة الجديدة.. هل نحن مستعدون؟

ما “الموت الأسود”؟

أسهمت التجارة بين شرق وغرب أوروبا وداخلها في نقل المرض؛ فعلى متن السفن التجارية تنقلت فئران تحمل جرثومة تدعى “يرسينيا بيستيس” يعتقد أنها مصدر وباء “الموت الأسود“. من مدينة فيودوسيا، في شبه جزيرة القرم، أخذت سفن جنوة الوباء معها غرباً إلى القسطنطينية؛ عاصمة الإمبراطورية البيزنطية سابقاً، وإلى موانئ البحر الأبيض المتوسط؛ حيث وصل إلى صقلية، وشمال إفريقيا، ثم إلى عدة دول أوروبية، عام 1347.

جرثومة يرسينيا بيستيس

دخل وباء الطاعون (الموت الأسود) بريطانيا، في صيف 1348 من ميناء بريستول التجاري، الذي كان يعتبر البوابة الواصلة مع أوروبا، وانتشر سريعاً في جميع أنحاء المقاطعات الجنوبية الغربية ثم إلى لندن وباقي مقاطعاتها، إلى أن أدرك شمالها، وتمكن بعد ذلك من الدول الإسكندنافية، ودول البلطيق في عام 1350.

تشير دراسات معاصرة إلى أن معدل الوفيات الناتج عن جائحة “الموت الأسود” يتفاوت بين المناطق المختلفة من ثلث إلى ثلثي السكان خلال ذيوع الوباء منذ 1346 حتى 1351، إلا أنه تجدد عدة مرات خلال القرن الرابع عشر. أما أعراضه فقد شملت دمامل سوداء يرشح منها دماء وقيح، إضافة إلى الحمى وقشعريرة وقيء وإسهال وآلام شديدة، ثم الموت في وقت قصير، علماً بأن عدواه كانت عشوائية وسريعة.

لباس الأطباء خلال انتشار الطاعون الأسود (الموت الأسود)

الطريق إلى عصر النهضة

عن تأثير الوباء على الحياة الاجتماعية والفكرية، يرجح مؤرخون أن وباء “الموت الأسود” كان واحداً من أهم العوامل التي أسهمت في بداية عصر النهضة -وهي حركة ثقافية بدأت خلال القرن الرابع عشر الميلادي- من خلال تغييره الوضع الاقتصادي الذي كان قائمًا في ذلك الوقت.

قبل انتشار الوباء في أوروبا كان تعدادها السكاني مرتفعاً مقابل مساحة الأراضي الزراعية؛ ما دفع الناس حتى لزراعة الأراضي غير الزراعية، لسد حاجتهم من الغذاء، وهذا ما فسر سبب ارتفاع إيجارات الأراضي حينها، وتدني أجور الفلاحين والعاملين فيها. ولكن المعادلة تغيرت مع انتشار الوباء الذي ذهب ضحيته كثير من الفلاحين، والمحاصيل المزروعة التي كان يديرها الإقطاع تلفت، وانخفض الإنتاج والاستهلاك معاً؛ الأمر الذي أدى إلى ركود اقتصادي.. أسعار المنتجات أصبحت عالية، فلم يتمكن من شرائها إلا قلة مقتدرة مادياً، أما بقية السكان فقد عانوا شح الإمكانيات.

اقرأ أيضًا: الحرب البيولوجية منذ عصر اليونان حتى “كورونا”

كل ما سبق مهد إلى مرحلة مفصلية مرتبطة بعلاقة الفلاح بالأرض، فبعد انحسار المرض ونتيجة لما تسبب فيه من نقص في الأيدي العاملة، أصبحت تدار الدفة بيد الفلاحين، الذين أصبحوا -نتيجة ندرتهم- قادرين على التفاوض وفرض شروطهم على الإقطاعيين، حيث قلت إيجارات الأراضي وزادت أجورهم، فأصبحوا قادرين على تناول البروتين الحيواني، بعد أن تم التخلي عن الأراضي قليلة الإنتاجية وتخصيصها للماشية؛ لأن عدد السكان (المستهلكين) قلّ.

اقرأ أيضًا: الإنفلونزا الإسبانية.. أم جميع الأوبئة الحديثة

إلا أن الأمور لم تسر بهذه السلاسة؛ فالوضع الاقتصادي والطبقي الجديد لم يرق لطبقة الإقطاعيين (الملاك)، فقام حكام في دول أوروبية باتخاذ إجراءات من شأنها ضبط الأجور؛ إلا أن الشعوب بعد أن جربت طعم العدالة الاجتماعية نسبياً، رفضت الخضوع، معبرةً عن موقفها بـ”ثورات الفلاحين”.

تقليص الفجوة الطبقية التي كانت تعانيها المجتمعات الأوروبية بتفاوت في العصور الوسطى، قاد إلى عصر النهضة عبر التطور الاجتماعي والتغيير الفكري؛ حيث لوحظ انحسار بناء الأديرة والكنائس والكاتدرائيات التي ارتبطت تاريخياً بالإقطاع.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة