ثقافة ومعرفةشؤون عربية

كيف أحلل الخطاب الإعلامي أو الديني أو السياسي؟ كيوبوست تقدم لك التقنيات والمفاتيح

ما هو الخطاب؟ وكيف يمكن تحليله؟

كيو بوست – رشيد العزوزي

من بين المواضيع الحديثة التي أصبحت عابرة للتخصصات، وفرضت نفسها على المهتمين والباحثين بالساحة الجامعية والأكاديمية في الآونة الأخيرة “نظريات تحليل الخطاب” السياسي، أو الديني، أو الصحافي، أو اللساني وغيرها، ما جعل منها مدخلًا أساسيًا لفهم واستيعاب معارف عدة، بمناهج جديدة.

 

مفهوم الخطاب

الخطاب تواصل بين شخصين على الأقل، لا يمكن لأي واحد منهما أن ينجز عبارته إلا إذا استحضر -ولو في ذهنه- مخاطبًا، كيفما كان شكل ونوع هذا الخطاب، أي أننا لا يمكن أن ننجز الجملة اللغوية إلا إذا جمعنا سياقًا معينًا بمن ننجز له هذه الجملة، لأن نظريات تحليل الخطاب اليوم تستند إلى نظرية التواصل.

قد يفهم حتى الآن من خلال هذا التعريف الأولي أن الخطاب محصور فقط فيما هو لغوي، والحال أنه أكبر من ذلك، فكل موضوع صالح للتلقي سواء كان نصًا موثقًا أو لباسًا أو صورة أو بناية، بل كل التجليات الداخلية عندما نظهرها للخارج على حد التفاعل، تعتبر خطابًا بشرطين:

اقرأ أيضًا: كيف يعيش المواطن العربي في مجتمع الإنترنت؟ وكيف يمارس الديمقراطية الرقمية؟

الشرط الأول: أن يكون السلوك/الخطاب مقصودًا، ومعناه أن يكون ثقافيًا لا طبيعيًا؛ ومثال ذلك حركات العين، فإذا كانت لحاجة طبيعية حتى لا تجف، فهي كذلك، أما إذا كان “الغمز” سلوكًا سخرناه لحاجة تواصلية فهو خطاب.

الشرط الثاني: أن يكون الخطاب ظاهرة سياقية؛ أي أن الفكرة أو الحركة الواحدة التي ندلي بها أو نقوم بها في دور تواصلي معين للدلالة على أمر أو توصيل رسالة ما، مرهونة بسياق، إذا ما تغير (السياق) تغيرت الدلالة، ومنه نستشف أن لا حقائق ثابتة في المواضيع، فلو كان في الخطاب حقائق لما كان سياقيًا.

عمومًا، الخطاب هو كل منتوج ثقافي موجه إلى الآخر من أجل التأثير في السلوك أو الاعتقاد، على أن يكون ذلك على حد التفاعل والمشاركة، مع مراعاة المقاصد والسياقات.

 

أهمية السياق في تحليل الخطاب

يرى علماء اللغة المعاصرون (مالينوفسكي نموذجًا) أن وظيفة اللغة تتجاوز التواصل، لكونها نشاط إنساني لا يمكن الوقوف على كنهه بدون استحضار باقي الأنشطة الإنسانية، كالحال والظروف والحيثيات والملابسات المحيطة بالتخاطب، باعتبارها أمورًا متممة له، لأن المعاني التي يمكن الوقوف عليها تقتضي سياقين على الأقل؛ الأول داخلي، والثاني خارجي.

السياق الداخلي: مجموع العلاقات التي تحكم توزيع الوحدات داخل خطاب ما، طال أم قصر، بغض النظر عن الظروف التي أنتجته؛ فالآية القرآنية مثلًا، سياقها هو السورة، والسورة سياقها العام هو النص القرآني.

مثلًا لو سألتك هل كان مذنبًا؟ وكانت الإجابة: “كان يأكل التفاح كل صباح”، اعتمادًا على السياق الداخلي لم تقدم لي إجابة وبالتالي أحتاج للسياق الخارجي.

اقرأ أيضًا: السعودية والغرب: خطابنا وحضارتنا

السياق الخارجي: ينقسم بدوره حسب أهل الاختصاص إلى مقامي ومعرفي، الأول: يعني تبادل الأدوار في واقع عيني محدد، بسياق مرتبط بذوات في زمان ومكان، بينما الثاني يتجاوز ذلك إلى الفكر والثقافة والمعرفة، بما في ذلك التقاليد والعادات والمعتقدات وكل العلاقات التفاعلية بين مرسل ومرسل إليه.

وعليه لفهم الجواب (كان يأكل التفاح كل صباح) عن سؤال (هل كان مذنبًا)، علي أن أستحضر “التفاحة” في سياق الثقافة الدينية، وبحادث تناولها من طرف آدم عليه السلام تحديدًا، باعتبارها خطيئة أخرجته من الجنة في هكذا نمط خطابي.

 

أنماط الخطاب ومعايير تصنيفه وتقسيمه

إذا كان تصنيف الخطابات إلى أنواع يقوم على معيار لا يستنفذ كل الموضوع، فإن التقسيم يستنفذ مجال القول وينظر فيه باعتباره كلًا يقوم على أجزاء هذا التقسيم.

كما أننا في التصنيف لا ننتقل من الجزء للكل، ولكن من العام إلى الخاص، والعام له مجموعة خواص، وهكذا إذا نظرنا في الموضوع من زاوية التقسيم فإنه ينقسم إلى أجزاء، وإذا نظرنا له باعتباره يوزع أو ينوع أو ينمط فإنه يقوم على أصناف، والأصناف لا تستنفذ الموضوع في حين الأقسام تستنفذه كما ذكرنا.

مثال: تقسيم التواصل باعتباره ظاهرة إنسانية يقودنا إلى الحديث عن تواصل لفظي وغير لفظي وتواصل مباشر وغير مباشر… حتى نستنفذ المجال التواصلي، في حين أن التصنيفات تؤخذ بمعيار، كلما تغير المعيار تغير التصنيف.

مثال: أقسام البرلمان معارضة ومولاة، إذًا تقسيمنا استنفذ المجال ولم يترك منه شيئًا، ولكن لو اعتمدنا التصنيف، صنفنا وفق معيار وما استنفذنا الموضوع، لأن التمييز بين البرلمانيين يمكن أن يعتمد السن أو الجنس أو المستوى المعرفي وهكذا.

اقرأ أيضًا: لماذا أخفق الخطاب السياسي المبني على الأمل؟

كذلك هي المعارف متعددة بتعدد الخطابات، فيها الإعلامي، والسياسي، ومنها الديني، والأدبي، إلى آخره. والسؤال الذي يطرح نفسه: “كيف نميز بين هذا الخطاب وذاك، ونقول عن هذا سياسي وليس دينيًا وذاك فلسفي وليس فنيًا؟”.

على سبيل المثال لا الحصر، كلنا شاهدنا الخطاب الأخير للرئيس الأمريكي ترامب، لكن، هل هو نص سياسي في ذاته أم نحن من نسقط عليه هذا التصنيف؟ لأن الخطاب نفسه أو مضمونه يناقش من منظور ديني ويمكن أن نجد نصه في كتاب مدرسي، وليكن تخصص الدراسات الإسلامية، ويمكن أن يناقش من منظور فكري ويثبت متنه مفكر ما في كتابه، أو موضوع تناول صحفي فيصبح خطابًا صحفيًا.

ولعل الخطاب الصحفي أكثر وضوحًا، ففيه السياسي والديني وفيه الرياضي والاجتماعي، ناهيك عن الفني، فلماذا قلنا عن الكل خطابًا صحفيًا؟ لابد أننا اعتمدنا معيارًا ما.

هناك معايير نسقية داخلية، تخص الخطاب في ذاته من قبيل الخصائص الصوتية، والصرفية، والتركيبية، والدلالية، والمعجمية، وهناك أيضًا معايير سياقية تهم إسقاطاتنا حول الخطابات، تجربتنا الشخصية، أو معارفنا دون إغفال السياقات والأغراض.

وبالتالي، لا يمكن أن نحكم على أي خطاب بنوع من التسرع ونصفه بالفلسفي أو الديني أو الأدبي إلا اعتمادًا على السياق، أو الحامل؛ فالخطاب المنتج في سياق أكاديمي يعتبر خطابًا أكاديميًا، وذلك الخطاب ذاته الموصوف بالأكاديمية إذا ورد في صفحة من صفحات جريدة صار خطابًا صحفيًا يحتج به.

 

الحجاج والبرهان باعتبارهما خطابًا

إذا كان الحجاج في الخطاب ادعاء يحق لك الاعتراض عليه، فإن التخاطب إستراتيجية خطابية للتأثير في الاعتقاد أو السلوك، أما الفعل بدون تأثير، فلا قيمة له ولا يعتبر تفاعلًا لخلوه من الترتيب المنطقي.

هذا الترتيب إما أن يخضع لمنطق صوري وإما لمنطق طبيعي، فالذي يخضع للمنطق الأول حاضر في اللغات الصناعية كالرياضيات (الأرقام) و(إشارات المرور مثلًا)؛ إذ يرتبط الواحد بالواحد ارتباطًا وثيقًا، ولا يمكن للفظ واحد أن تكون له معان متعددة، ولا للمعنى الواحد ألفاظًا متعددة، ومعناه أنه مصنع لسياق وعلم معين.

أما البرهان فهو الدليل الذي لا يحق للآخر الاعتراض عليه، يقيني وقطعي ومجرد، غير قابل للإبطال ولا حتى التبرير.

اقرأ أيضًا: السعودية والغرب: خطابنا وتعزيز الصور النمطية

وكل من البرهان والحجاج استدلال، ينطلق من مقدمات للوصول إلى نتائج، والفرق بينهما أن الأول ينطلق من مقدمات يقينية، معتمدًا على اللغة الصناعية (1-2-3)، والثاني ينطلق من مقدمات ظنية، متوسلًا باللغة الطبيعية (العربية أو الفرنسية والإنجليزية..)، حيث التعدد والمجاز والتشبيه والاستعارة.

على كل حال، إن المهيمن في علاقتنا التفاعلية إنما هو الاستدلال الحجاجي وليس الاستدلالات البرهانية، على الرغم مما يبدو من منطق صارم في الاستدلالات البرهانية، ولنتأمل هذا المثال الأرسطي الشائع: (كل إنسان فان – – سقراط إنسان — سقراط فان).

هذه المقدمة يقينية لأنه لا يوجد إنسان لا يفنى في جميع الثقافات، ولأننا عندما تحدثنا عن سقراط الآدمي، نحن على علم بخصائص الإنسان، وعليه انطلاقًا من مقدمات يقينية (كل إنسان فان – – سقراط إنسان) لا يمكن أن نتجادل فيها، وصلنا إلى نتيجة قطعية وحقيقة ثابتة (سقراط فان).

لكن ماذا لو قلنا: كل مذنب يعاقب — سقراط مذنب — سقراط يعاقب.

اقرأ أيضًا: مترجم: خطابات أردوغان النارية للاستهلاك المحلي فقط!

في هذا المثال، على عكس السابق، يمكن أن يكون سقراط مذنبًا في ثقافة ما وقد لا يكون مذنبًا في أخرى، الأول إذًا برهاني، والثاني حجاجي، مع العلم أنه في الغالب الأعم كلما انطلقنا من مقدمات يقينية توصلنا إلى نتائج يقينية، وعلى خلاف ذلك إذا انطلقنا من أمور ظنية، ما سيترتب عنها ما لا يمكن أن يكون إلا ظنيًا.

ومع ذلك، يجب على المتلقي لأي خطاب أن يبقي حسه النقدي متقدًا متوهجًا لأن الاستدلال الحجاجي يمكن أن يدخل عليه الفساد عبر مستويات، أهمها اعتماد مقدمات كاذبة فاسدة على أنها صادقة، وهنا يسهل على المغالط أن يرتب عليها ما يشاء من الأباطيل في ثوب نتائج ترقى للحقائق السليمة، خصوصًا إذا كان صاحب قدرات تواصلية من نوع خاص.

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة