الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفةشؤون عربية

كيف أثر اليهود على المطبخ المغربي؟

الدار البيضاء – إلهام الطالبي

لا يخلو المطبخ المغربي من “بسطيلة وشفنج وطاجن اللحم مع البرقوق”.. وغيرها من الأطباق المغربية التي تعود جذورها إلى اليهود المغاربة، وتعبر عن التعايش بين الأديان في المغرب.

“الأطفال الصغار يلعبون مع اليهود في أحيائهم ويتعاونون بعضهم مع بعض.. كنا نتناول في بيوتهم؛ كانت لديهم أكلة معروفة بـ(سخينة)”، يقول إدريس، يعيش في مدينة طنجة الواقعة شمال المغرب.

“لكل منا دينه.. يحترم بعضنا بعضاً”

إدريس يعيش في مدينة طنجة شمال المغرب

ويُضيف إدريس في حديثه إلى “كيويوست”: “كان اليهود متعايشين مع المسلمين، لكل منا دينه، يحترم بعضنا البعض”.

ويتذكر إدريس مرحلة وجود اليهود في المغرب بحسرة: “كانوا يُحضرون طبق السخينة من الفرن، وفي العيد يقدمون لنا الحلوى في الأحياء الشعبية.. كانت لحظات جميلة”.

تعد “السخينة” من أشهر الأطباق والأكلات اليهودية في المغرب، وأيضاً في بلدان المغرب العربي.

ويطلق عليها بالعبرية “لحمين” و”الدفينة”، وترجع تسميتها “السخينة” إلى أنها تُطهى بطريقة تجعلها تظل ساخنة إلى غاية اليوم الموالي.

اقرأ أيضًا: بشهادة المؤرخين.. النودلز الصينية ليست أصل الباستا

ودأب اليهود على طهيها في درجة حرارة منخفضة لمدة تفوق 13 ساعة أحياناً، تبدأ من غروب شمس الجمعة حتى يوم السبت الموالي، المعروف عند اليهود بـ”شباط”، وتُؤكل فيه أثناء وجبة الغداء؛ خصوصاً أنه اليوم الذي يُمنع فيه إشعال النار في الشريعة اليهودية.

وحسب إدريس، كانت الأسر اليهودية تبعث بوجبة “السخينة” إلى الفران الشعبي بالحي، وكان عمال الفرن المغربي التقليدي المسلمون يستقبلون تلك الوجبات الأسبوعية المقدسة باحترام وتقدير لجيرانهم اليهود.

ويصف إدريس إحساسه بعد رحيل اليهود، قائلاً: “لقد تركوا نقطة ضعف، خلال وجودهم كانت التجارة هنا في أوجها، كانوا يصدِّرون السلع إلى العالم بأسره”.

 لا مكان للتعصب في المطبخ المغربي؛ فهو مكان للتعايش والانسجام بين جميع الأديان والثقافات، فالمغاربة المسلمون حافظوا على الوجبات اليهودية إلى يومنا هذا، كما أن اليهود المغاربة ما زالوا يحافظون على تراثهم المغربي في أي مكان كانوا في العالم.

ميمونة.. عيد مغربي يهودي يُجسد التعايش بين اليهود والمسلمين- مواقع التواصل الاجتماعي

ميمونة.. عيد التعايش المشترك بين اليهود والمسلمين

أسهم اليهود المغاربة في التعريف بعيد ميمونة في مختلف دول العالم، ويعد العيد الوحيد الذي يُشارك فيه المسلمون احتفالَ اليهود.

ويرجع ذلك إلى أن اليهود في عيد الفصح لا يستطيعون إدخال الخبز ومجموعة من الأشياء الأخرى إلى منازلهم، والمسلمون المغاربة كانوا يقدمون لهم هذه المنتجات.

ويشار إلى أن اليهودية تُحرِّم على اليهود تناول الخبز ومشتقاته طوال أيام عيد الفصح.

اقرأ أيضاً: لأول مرة.. “الزلابية” تغيب عن موائد إفطار الجزائريين بسبب كورونا

ونجح اليهود المغاربة في جعل ميمونة عيداً وطنياً في إسرائيل، يعرضون فيه الأطباق والحلويات المغربية، وتُسمع فيه الموسيقى الأندلسية، ويرتدي اليهود لباساً مغربياً تقليدياً، ويُقام الاحتفال سنوياً، ويحتفل به اليهود المغاربة في مختلف دول العالم.

المغاربة المسلمون يهدون إلى جيرانهم اليهود الطعام

وتبدأ الاحتفالات قبيل حلول الظلام في آخر أيام عيد الفصح، وتظل منازل اليهود المغاربة مفتوحة للزوار، ويُوزعون كعك العيد التقليدي على جميع الجيران والأصدقاء والمارة.

ومن المأكولات والمشروبات المفضلة في هذا العيد “التريد”، و”السفنج المغربي”، و”الشباكية”، إلى جانب الشاي المغربي.

ومن الوجبات التي كان يقدمها المسلمون المغاربة إلى اليهود جيرانهم وأصدقائهم في نهاية عيد الفصح، نذكر “الخبز بالخميرة”، وسمك “الشابل”، والعسل والزبدة، مُباركين لهم العيد.

“اليهود المغاربة نجحوا في التسويق للمطبخ المغربي عالمياً”

وحسب صالح شكور، باحث في فنون الطبخ، فإن “اليهود المغاربة نجحوا في التسويق للمطبخ المغربي عالمياً، وحافظوا عليه”.

ويشير الكاتب المغربي والباحث في فنون الطبخ، في تصريحٍ أدلى به إلى “كيويوست”، إلى أن “الطبخ المغربي عبارة عن فسيفساء متنوعة من العادات والتقاليد والحضارات.. وأطباق تعبِّر عن الثقافة المغربية المتعايشة”.

ويضيف المتحدث ذاته أن “البسطيلة من أشهر الأطباق المغربية، تعود أصولها إلى اليهود المغاربة”.

ويتابع صالح شكور: “إن المطبخ المغربي تأثر بشكل كبير باليهود المغاربة والبرابرة، وفي المقابل كان التأثير الفرنسي قليلًا، وذلك يرجع إلى أن المطبخ الفرنسي يتضمن أطباقاً مُحرمة على المسلمين”.

ويلفت الباحث المغربي في فنون الطبخ إلى أن “طبخ السمك و(الحريرة) في المغرب لا يزال على الطريقة اليهودية، وأيضاً أنواع الخبز اليهودية؛ مثل تفرنوت وتانورت، ما زالت من الوجبات المفضلة لدى المسلمين المغاربة”.

يُسهم اليهود المغاربة في تعريف المطبخ المغربي عالمياً- مواقع التواصل الاجتماعي

يعتبر الباحث المغربي أن “اليهود المغاربة أسهموا بشكل كبير في التعريف بالمطبخ المغربي عالمياً، بطريقتهم الخاصة”، مشيراً إلى أن لديهم مطاعم يهودية مغربية مشهورة في أمريكا ومختلف دول العالم.

وعلى خلاف ما يروج له بعض الباحثين المغاربة، يعتبر صالح شكور أن الحضارة الأندلسية لم تُؤثر بشكل كبير على المطبخ المغربي، مضيفاً: “المطبخان البربري واليهودي هما اللذان أثَّرَا على المطبخ الأندلسي”.

الدمج بين الحلو والمالح

يشير المتحدث ذاته إلى أن شكل المطبخ المغربي يوحي إلى التعايش، موضحاً أن “الأكل بشكل مشترك، وجماعي، يرمز إلى التعايش بين مختلف الأديان والثقافات”.

الدمج بين المالح والحلو في الوجبات المغربية؛ كـ”طاجن بالبرقوق”، و”كسكس تفاية”، يرجع، حسب الكاتب المغربي، إلى تأثر المسلمين المغاربة بالمطبخ اليهودي.

روت بن آفي مغربية يهودية من سفراء المطبخ المغربي

وتُعد روت بن آفي؛ مغربية الأصل، ولدت وتعيش في إسرائيل، من سفراء المطبخ المغربي.

وأنشأت روت صفحة تحمل اسم والدتها المغربية “مسعودة” على موقع “فيسبوك”، وتهدف من خلال صفحتها إلى التعريف بالمطبخ المغربي، باللغتين العربية والعبرية، واللهجة الدارجة المغربية.

 وتنشر تدوينات للتعريف بالعادات المغربية في الأعياد الإسلامية والوطنية، وأشهر مهرجانات المملكة والمواقع السياحية فيها؛ لتعريف بالتراث المغربي.

 اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة