الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفةمقالات

كيف أثر الحضارمة في جنوب شرق آسيا؟

إن موجات من الهجرة الحضرمية وقروناً من التعايش في مجتمعات جنوب شرق آسيا.. جعلت من تأثير الحضارمة في تلك البلدان أكثر وأعمق بكثير مما يمكن حصره ببساطة في بضعة أسماء

منير بن وبر

كان الأشعث بن قيس الكِندي، أحد ملوك حضرموت- جنوب اليمن، وممن أسلم في عام الوفود. وقد كان أحد أمراء جيش علي بن أبي طالب، في معركة صفّين؛ لِما عُرف عنه من سمات الملوك والشجاعة والتأثير، وهي صفات دفعت معاوية بن أبي سفيان إلى محاولة استمالته إلى جانبه، فأرسل إليه أحدهم ليقنعه، فكان مما قاله للأشعث: “وإنك حاميتَ عن أهل العراق تكرُّماً، ثم حاربت أهل الشام حَمِيَّة..”، وكان مما ردّ عليه الأشعث قوله: “وأما محاماتي عن أهل العراق فمن نزل بيتاً حماه”. كانت إجابة الأشعث تعبيراً صادقاً عن إحدى صفات الحضارمة، ألا وهي الترابط مع بلدان المهجر كأنها موطنهم، تعزُّ عليهم ويحمونها دون تردد، فكان لهم بها الأثر الخالد في تاريخ تلك الشعوب والأمم.

لقد هاجر الحضارمة إلى جميع أصقاع الأرض تقريباً؛ لكن حضورهم الأكثر تأثيراً وملاحظةً يتركَّز في دول شرق إفريقيا، جنوب وجنوب شرق آسيا، ودول الخليج العربي. وقد أسس الحضارمة تجارات واسعة وجاليات راقية، وحتى سلالات حاكمة، بالمجتمعات التي هاجروا إليها واستقروا بها؛ ففي كالمنتان الغربية بإندونيسيا، مثلاً، أسس عبدالرحمن القدري سلطنة بونتانياك في عام 1771م، والتي استمرت حتى عام 1950م. ويُذكر أن اليابانيين قد أعدموا أكثر من 25 شخصاً من أقارب آخر سلاطين بونتانياك من عائلة القدري عند احتلالهم جُزر الهند الشرقية (إندونيسيا حالياً) في الأربعينيات.

اقرأ أيضاً: دار المصطفى.. قصة منبر إسلامي معتدل من حضرموت

وفي القرن التاسع عشر، أسَّست عائلة السقاف تجارة توابل كبيرة في سنغافورة، كما أصبحت العائلة أكثر تأثيراً وتجارة في البلاد بعد التزاوج مع إحدى العائلات الملكية من جنوب سولاويزي، والتي كان لديها تجارة في سنغافورة أيضاً. كانت أسرة السقاف، إلى جانب أسرتَي الجُنيد والكاف، من بين الأُسر ذات التجارة الواسعة والتأثير الكبير في سنغافورة؛ حتى إن هناك شوارع ومعالم حتى مدناً في سنغافورة قد سُميت بأسماء تلك الأُسر تخليداً لذكراهم ودورهم، ومن تلك المعالم، على سبيل المثال لا الحصر، جسر الكاف الممتد على نهر سنغافورة وسط المدينة.

تأثر وتأثير

لقد امتلك الحضارمة مكانة عظيمة في مهاجرهم في دول جنوب شرق آسيا، ويعود ذلك إلى عدة أسباب؛ منها دورهم في نشر الإسلام، وانتساب الكثير منهم إلى آل بيت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وذلك بالإضافة إلى غزارة علمهم وسعة تجارتهم وسماحة أخلاقهم وحُسن جوارهم مع المجتمع. وقد أتاحت لهم المكانة التي اكتسبوها، والبيئة المهيأة التي عاشوا بها، فرصة لمواصلة طلب العلم والتأثير في المجتمع والحضارة الإنسانية في شتى المجالات.

قصر الكاف في سنغافورة تم تأسيسه من قِبل أسرة حضرمية مهاجرة لقضاء إجازة نهاية الأسبوع

ويُعد المفكر والفيلسوف الماليزي الدكتور سيد محمد نقيب بن علي العطاس، أحد الأمثلة الكثيرة المعاصرة على الشخصيات المؤثرة من أصول حضرمية، والذي استفاد من مكانة ورخاء عائلته بالاطلاع على المكتبات التي حوت العديد من الكتب العربية والإنجليزية والمخطوطات الملايويّة في التاريخ والأدب. ألَّف العطاس عدة كتب عن الإسلام والحضارة والفلسفة والعلمانية، وأسهم في بناء المعهد العالمي للفكر الإسلامي والحضارة بكوالالمبور، والذي يسعى ليكون مركزاً عالمياً رائداً للتعليم والبحوث الإسلامية المُكرّسة لتجديد الحضارة الإنسانية.

المفكر والفيلسوف الماليزي الدكتور سيد محمد نقيب بن علي العطاس

ولم تقتصر الأدوار الريادية للشخصيات ذات الأصول الحضرمية في دول شرق آسيا على الرجال فحسب؛ فقد كان للنساء الحضرميات دور عظيم في خدمة مجتمعاتهن، تماماً مثلما أسهم أبناؤهن في خدمة بلدان الشتات، وإن كان ارتباطهم الحقيقي بحضرموت قد أصبح محدوداً أو حتى معدوماً.

اقرأ أيضاً: اكتشاف أدوات حجرية عمرها 8000 عام في جنوب اليمن

نساء رائدات

ومن بين الأمثلة على الأدوار الريادية للنساء، نذكر السيدة الماليزية من أصول حضرمية الدكتورة زيتي أختر بنت أوغكر عبدالعزيز، والتي شغلت منصب محافظ البنك المركزي الماليزي طوال ستة عشر عاماً (من عام 2000 إلى 2016)، وقد كانت بذلك أول امرأة في هذا المنصب. تعتبر الدكتورة زيتي أختر من أبرز الاقتصاديين في ماليزيا والعالم؛ حيث تم اختيارها أكثر من مرة كأحد أفضل مديري البنوك المركزية على مستوى العالم من قِبل مجلة “جلوبال فاينس” (Global Finance)، كما حصلت على جائزة “الإنجاز مدى الحياة” من البنك المركزي؛ تكريماً لدورها المهم في تحديث النظام المالي الماليزي.

الدكتورة زيتي أختر محافظ البنك المركزي الماليزي خلال 2000- 2016

إن موجات من الهجرة الحضرمية وقروناً من التعايش في مجتمعات جنوب شرق آسيا جعلت من تأثير الحضارمة في تلك البلدان أكثر وأعمق بكثير مما يمكن حصره ببساطة في بضعة أسماء. كما أنه، في الجانب الآخر، ينبغي ألا ننسى أن للحضارمة المهاجرين دوراً مؤثراً أيضاً في وطنهم الأم حضرموت؛ حيث كانوا، ولا يزالون، مصدراً مهماً للتدفقات النقدية لأقاربهم، وهمزة وصل لنقل الكثير من العادات والأنماط من دول جنوب شرق آسيا إلى حضرموت؛ لعل من أبرزها الأنماط المعمارية التي يمكن مشاهدتها في قصور مدينة تريم بوادي حضرموت.

اقرأ أيضاً: اليمن.. ستون عاماً من البحث عن الدولة

كما كانت أسرة آل الكاف، المهاجرة في سنغافورة، من أُولَى الأُسر التي أدخلت السيارات إلى حضرموت خلال النصف الأول من القرن العشرين، عبر تصديرها إلى ميناء المكلا مفككة ليتم تركيبها محلياً، كما تكفَّلت الأسرة بإنشاء طريق للسيارات يربط بين وادي حضرموت وساحله خلال تلك الفترة؛ رغبةً منها في تحسين مستوى الحياة بهذا البلد الذي ظل متعثراً لا يعرف من الاستقرار والرخاء سوى القليل خلال القرون القليلة الماضية، الأمر الذي جعل من دور الحضارمة في نمو وازدهار مجتمعات المهجر أكبر بكثير من مجتمع حضرموت.  

لقراءة الحلقة الأولى: لماذا ترك الحضارمة وطنهم؟

اتبعنا على تويتر من هنا

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة