شؤون عربيةفلسطينيات

كيف أثرت الثورة الجزائرية في الوعي الثوري الفلسطيني؟

سر العلاقة الخاصة بين شعبي الجزائر وفلسطين

كتب: عنان العجاوي-

بدأت ثورة التحرر الجزائرية في نوفمبر 1954، بأربعمائة مقاتل جزائري، وما لبثت بعد عام، أن أصبح عدد المقاتلين 4 آلاف، ولكن هذا العدد لم يكن كافياً من أجل التحرر من استعمار عسكري وثقافي استمر 132 عاماً، إلّا أن تلك الشرارة الجزائرية الأولى أثرت بشكل مباشر على التوجه الفكري للفلسطينيين، بعد أن كان قد مضى على نكبتهم 6 سنوات، وهم يرون بضعة آلاف من الجزائريين يخوضون حرب العصابات، ويواجهون مليون جندي فرنسي مدججين بالأسلحة، ولهم أرضية حاضنة من المستوطنين، ومصالح اقتصادية ووجودية بات العالم ينظر إلى صعوبة هزيمتهم.

عن تلك المرحلة، يقول صلاح خلف “أبو إياد” أحد مؤسسي حركة فتح في كتابه “فلسطيني بلا هوية”: “حرب العصابات التي اندلعت في الجزائر قبل تأسيس حركة فتح بخمس سنوات، أفادتنا إفادة عميقة، كنا مأخوذين بسريّة الوطنيين الجزائريين الذين استطاعوا أن يشكلوا جبهة صلبة وأن يخوضوا المعركة ضد جيش دولة يفوق جيشهم ألف مرة، وأن يحصلوا على معونة متعددة الأشكال من مختلف البلدان العربية التي كانت في بعض الأحيان منضمّة إلى معسكرات متناحرة، وأن ينجوا في الوقت نفسه في عدم الخضوع بالتبعية لأي منها، فكانوا رمزاً -إن صح القول- للنجاح الذي كنّا نحلم به”.

كان التحوّل في تعاطي الجزائريين مع الاحتلال، مختلفاً عما كان يسود الدول العربية من حركات تسعى إلى الاستقلال، وتعتمد على الاحتجاجات والضغوطات السياسية، والتعويل على مبادىء “الأمم المتحدة” وقراراتها. وقد راهن الفلسطينيون بعد النكبة على عامل الوقت، حتى تستكمل البلدان العربية استقلالها، ثم تأتي الجيوش العربية لكي تقوم بدورها في تحرير فلسطين، وحتى يأتي ذلك الوقت، انصب جهد الغالبية العظمى من اللاجئين الفلسطينيين على محاولة تحسين ظروفهم في الشتات، ودخلوا مرحلة من التخبط، في ظل غياب أي تنظيم أو قوى سياسية تجمعهم على هدف مشترك، وغياب نموذج تحرري يحتذون به؛ فقد عاشوا بالإضافة للشتات المكاني، شتاتاً فكرياً مليئاً بالإحباط، ووصلوا إلى حالة من الاتكال، وحلم تحرير فلسطين بيد الجيوش العربية!.

إلا أن انتصار الثورة الجزائرية في فترة وجيزة، هزّت العالم، كان لها الأثر المعنوي والتحريضي في نفوس النخب الفلسطينية في ذلك الوقت، وعن هذا أيضاً يشرح أبو إياد: “بدأنا الالتفات خلال هذه الفترة، التي أثارت فينا من الإحباط أكثر ما أثارت فينا من الرضا، بالتطلع إلى مشروع كان يبدو لنا حتى الساعة، قبل قيام الثورة الجزائرية، من قبيل الأحلام، فالوطنيون الجزائريون كانوا قد شكلوا منظمة تخوض الصراع ضد الجيش الفرنسي منذ سنتين، فكانت المعارك البطولية التي كنا نتابعها عن كثب، تذهلنا وتملأ نفوسنا إعجاباً، وطوال سهرات طويلة كنا نطرح على أنفسنا مسألة ما إذا لم يكن في وسعنا نحن كذلك أن ننشىء حركة واسعة تكون ضرباً من الجبهة التي تضم الفلسطينيين من جميع الاتجاهات.. بغرض إشعال الكفاح المسلح في فلسطين”.

وهو ما قام الفلسطينيون بتطبيقه عملياً بعد انتصار الثورة الجزائرية، على أقوى اختبار استعماري في العالم، وقد استفاد الفلسطينيون من خبرات الثورة الجزائرية، وحلفائها، مصر بالذات، التي قدّمت للثورة الجزائرية كل صنوف الدعم، فمن القاهرة انطلقت “منظمة التحرير الفلسطينية”، كممثل للشعب الفلسطيني، معلنة الكفاح المسلح على نهج الثورة الجزائرية.

وبعد هزيمة الجيوش العربية عام 1967، وغياب الأمل كليّاً بالاعتماد على الأنظمة، تشكلت “الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين”، بقيادة الدكتور جورج حبش، في محاكاة لـ”جبهة التحرير الجزائرية”، التي تأثر بها حبش، لتكون حاضنة للعديد من التنظيمات القومية واليسارية، وتعتمد أساساً على الدعم الشعبي بدل الجيوش والأنظمة العربية، واعتمدت في نضالها على العمل السري وحرب العصابات.

آمن الفلسطينيون من شتى التوجهات، مع أول اعتمادهم على أنفسهم وانطلاقهم للعمل الثوري، بتشكيل “جبهة” واحدة للنضال، وعلى الرغم من كثرة الدروس المستفادة من انتصار الثورة الجزائرية، إلّا أن التغيرات التي حدثت بعد انطلاق الثورة الفلسطينية، وضع الفلسطينيين في الكثير من المآزق؛ فقد خرجت مصر، الداعم الأول للثورتين الجزائرية والفلسطينية من معادلة الصراع، بعد وفاة جمال عبد الناصر، مما أثر سلباً على استمرار الثورة الفلسطينية بعنفوانها الأول. إلّا أن الفلسطينيين وجدوا في دولة الجزائر المستقلة، داعماً عوّضهم عن غياب الدور المصري، فمنذ بداية الثورة منحت الجزائر للنشطاء الفلسطينيين جوازات سفر، حتى بأسماء حركية، لتسهّل عليهم تنقلاتهم ونشاطاتهم العسكرية والدبلوماسية، تطبيقاً لشعار الرئيس بومدين: “نحن مع فلسطين ظالمة أو مظلومة”. ذلك الشعار الذي لم يختلف عليه حزبان جزائريان، وفي جهد سياسي يحسب للدبلوماسية الجزائرية، دخل ياسر عرفات أول مرّة الأمم المتحدة عام 1974.

ثم فتحت الجزائر المستقلة، مكاتب وممثليات للفصائل الفلسطينية، وفتحت أبوابها للعسكريين الفلسطينيين، في كليّة “شرشال”، التي خرجّت مئات الضباط الفلسطينيين في مجالي البحرية والطيران، وإلى الآن ما تزال مقاعدها مفتوحة للكوادر الفلسطينية.

كما ويحسب للجزائر أنها أول دولة –خارج دول الطوق- افتتحت إذاعة فلسطينية، عملت منذ العام 1970 ووصل بثها إلى دول أفريقيا وأوروبا وأمريكا الشمالية والجنوبية.

وهي الدولة التي استضافت الفلسطينيين بعد خروجهم من بيروت عام 1982، وبعبارة أدق، هم الذين اختاروا اللجوء إليها. وبرمزية مرتبطة بمقدمات الثورة الفلسطينية، أعلن الراحل أبو عمار استقلال دولة فلسطين من على أرضها.

لم يقتصر التأثر الفلسطيني بالثورة الجزائرية على المستوى العسكري، والكفاح المسلح فحسب، بل إن رؤيتهم لإنجازات الثورة الجزائرية شكّلت وعيهم لأهمية “الوحدة” الداخلية، فمنظمة التحرير أو الجبهة الشعبية، قامتا على هذا الأساس، وإن كانت الانقسامات على الساحة حرفت رؤية الفلسطينيين عن ذلك المبدأ، نتيجة لعوامل وظروف داخلية وخارجية، إلّا أنه وحتى اليوم، تتعامل الجزائر مع الفلسطينيين كشعب وقضية، دون أن تخوض أو تتدخل في الشؤون الداخلية الفلسطينية.

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة