الواجهة الرئيسيةترجمات

كير الإخوانية والمجتمع الأمريكي

تاريخ تدفق الجاليات المسلمة إلى أمريكا

كيوبوست

مع صدور قانون الهجرة والجنسية في الولايات المتحدة الأمريكية عام 1965، تدفَّق مئات الآلاف من مسلمي الهند وباكستان وجنوب شرق آسيا والعالم العربي على الولايات المتحدة. وبعد تفعيل هذا القانون وتطبيقه بصورة واسعة عام 1968، بدأ أعضاء جمعية الطلاب المسلمين MSA[1]، يفكرون في الإقامة بالولايات المتحدة، واستقدام أسرهم، بعد تخرجهم وحصول كثير منهم على درجات جامعية عُليا في عديد من العلوم، ونجاحهم في اقتحام سوق العمل بجدارة واقتدار. هنا تحوَّل دور “MSA” والمنظمات المنبثقة عنها، من رعاية مجموعة من المغتربين إلى محاولة تأسيس مجتمع إسلامي في الولايات المتحدة، قادر على التأثير في المجتمع الأمريكي ونخبه؛ لمناصرة القضايا التي تهتم بها جماعة الإخوان في العالم العربي.

ولتحقيق هذه الأهداف نشأت منظمات جديدة وقف وراءها قيادات “MSA” السابقون؛ الذين صاروا يحتلون مواقع متميزة في المجتمع الأمريكي.

اقرأ أيضًا: المنظمات الإسلامية في الولايات المتحدة الأمريكية

كير الإخوانية

وكان من هذه المنظمات منظمات أُنشئت للقيام بدور سياسي؛ سواء لخدمة الأقلية المسلمة في أمريكا أو لخدمة الجماعات التي تمثلها في الشرق أو الاثنين معًا، وقد تبيَّن أن هذه المنظمات لها علاقة وثيقة بالحركات السياسية الإسلامية، وبالتحديد تنظيم الإخوان المسلمين، وأنها تخلط في عملها بين أهداف تتعلق بالداخل الأمريكي، وأخرى ترمي إلى التأثير في السياسة الخارجية طبقًا لما تريده الجماعات الأم.. ويأتي على رأس هذه المنظمات: مجلس العلاقات الإسلامية الأمريكيةCouncil on American-Islamic Relations (CAIR) :، والذي أنشئ في 1994 في منطقة واشنطن العاصمة كجماعة ضغط للتأثير على عملية صنع القرار في العاصمة الأمريكية، وللدفاع عن حقوق المسلمين والعرب، ولمواجهة جرائم العنصرية ضدهم، وقد لعب هذا المجلس دورًا متميزًا في الدفاع عن قضايا الأقلية المسلمة في أمريكا، وكان من أكثر المنظمات الإسلامية السياسية نشاطًا وتأثيرًا وفعالية في مواجهة جرائم العنصرية والكراهية للإسلام والمسلمين؛ مما حشد له دعمًا شعبيًّا بين المسلمين، خصوصًا الشباب منهم، وأصبحت منظمة “CAIR” من أكثر المنظمات حرصًا على تبني قضايا المسلمين الذين يواجهون معاملة غير عادلة، أو اعتداء من المتعصبين الأمريكيين.

ونظرًا لانتماء بعض العناصر الفاعلة في قيادة هذا المجلس إلى تنظيم الإخوان، فقد تم استخدام هذا الرصيد الداخلي من الشرعية المجتمعية لدى المجتمع المسلم في الولايات المتحدة لدعم تنظيم الإخوان في المشرق العربي، والدفاع عنه، ومحاولة ممارسة دور جماعة الضغط للتأثير على السياسة الخارجية في العالم العربي لمصلحة تنظيم الإخوان، وهذا الذي أعطى لمجلس العلاقات الإسلامية الأمريكية دورًا مزدوجًا وجعله منظمةً ذات وجهَين، وتحمل أجندتَين؛ فهي في الداخل الأمريكي تدافع عن المسلمين، وتمثل حائط صدّ لهم أمام كل مظاهر الإسلاموفوبيا، وفي الخارج هي منظمة إخوانية تحمل أجندة الإخوان بكل قوة وصرامة. والحقيقة أن مَن هم في الداخل الأمريكي قد لا يعرفون الوجه الخارجي لمنظمة “CAIR”، ومن هم في الخارج لا يعلمون كثيرًا عن الدور الإيجابي لهذه المنظمة.

وستظل هذه المنظمة تعاني هذه الازدواجية ما ظلّ عناصر الإخوان في قياداتها، والحقيقة أن الأجيال الشابة المنتمية إلى منظمة “CAIR” من المسلمين الأمريكيين من الجيلَين الثاني والثالث، سوف تتخلص قريبًا جدًّا من هذه الازدواجية، وتحافظ على النجاحات الداخلية، وتتخلص من التصادم مع الدول العربية وخلق عداءات غير مبررة معها. وقد بدأت هذه المنظمة خطوات الاندماج في المجتمع الأمريكي فقامت أخيرًا بتعيين يهودي أمريكي مديرًا تنفيذيًّا لأحد أفرعها الرئيسية.

التحولات في الهوية وانعكاساتها السياسية

لتحليل التحولات الداخلية في المنظمات الإسلامية الأمريكية؛ نجد أنفسنا أمام ثلاث لحظات تاريخية فارقة جعلت الإسلام والمسلمين في مركز اهتمام المجتمع الأمريكي، ومن ثَمَّ فرضت تحديات كبرى أحدثت تحولات أساسية في بنية وهيكل وأهداف وطريقة عمل هذه المنظمات، هذه اللحظات الكبرى الفارقة؛ هي:

  1. الثورة الإيرانية عام 1979، وما تبعها من تحولات في المنطقة العربية؛ مثل صعود حركة الصحوة في منطقة الخليج، وما صاحبها من خروج للمؤسسات الإسلامية للعمل في الغرب، وهذا بدوره أدى إلى التدفقات المالية السخية من دول الخليج العربي. وعلى الجانب الآخر، كان من آثار الثورة الإيرانية وأزمة الرهائن الأمريكيين زيادة الاهتمام بالإسلام في الولايات المتحدة، ومن هنا اعتنق الإسلامَ كثيرون من الأمريكيين، ودخلوا في هذه المنظمات الإسلامية الأمريكية؛ مما دفعها تدريجيًّا إلى الاهتمام بالداخل الأمريكي.

اقرأ أيضًا: قطر تمول شركات تابعة للوبي اليهودي في أمريكا

  1. احتلال العراق للكويت وما تبعه من حرب الخليج الثانية 1990، فقد مثَّلَت هذه اللحظة التاريخية زلزالًا عصف بالمنظمات الإسلامية في أمريكا؛ إذ تصادمت المواقف السياسية مع المصالح الاقتصادية، وحدثت انقسامات في المجتمع المسلم الأمريكي، وارتفع صوت أن يكون المسلمون الأمريكيون مواطنين أمريكيين، وليسوا تابعين لأوطانهم السابقة وقيادات جماعاتهم الدينية هناك.
  2. أحداث سبتمبر 2001، والتي مثَّلت لحظة تاريخية فارقة في تطور المنظمات الإسلامية في أمريكا؛ بصورة تجعل ما بعدها مختلفًا جذريًّا عما قبلها؛ فقد جاءت نتائج هذه الأحداث لتدفع كل تلك المنظمات إلى التبرؤ من الانتماء إلى الشرق وجماعاته المختلفة في العلن، فقد حرصت المنظمات الإسلامية كافة في الأرض الأمريكية على أن تؤكد أنها منظمات أمريكية وطنية.

وعلى الرغم من ذلك؛ فإن “CAIR” ظلت محافظة على بعض من أجندتها السابقة اعتمادًا على الموقف الإيجابي من الإدارة الأمريكية تجاه التنظيم العالمي للإخوان.

نهاية الأيديولوجيا وتراجع التأثير الخارجي

على مدى أكثر من نصف قرن، سارت المنظمات الإسلامية الأمريكية في طريق طويل متعرج، أعاقها عن ترسيخ جذورها في المجتمع الأمريكي، وخدمة قضايا المسلمين الأمريكيين؛ بسبب ارتباطات حزبية وسياسية خارجية، حوَّلتها إلى أدوات لخدمة مصالح وأهداف جماعات سياسية في الشرق، وظفتها في صراعاتها السياسية مع الدول التي توجد تلك الجماعات فيها، وقد احتاج الأمر جيلًا كاملًا؛ لتدرك المنظمات الإسلامية الأمريكية أنها وجدت فقط لخدمة مجتمعها الأمريكي المسلم، وليس لخدمة أجندات خارجية.

وعلى الرغم من ذلك؛ فإن “CAIR” ظلت على ارتباط بالخارج؛ لأسباب شخصية تتعلق بارتباط مديرها بتنظيم الإخوان المسلمين، وحركات المقاومة الفلسطينية، والذي استغل نجاحات “CAIR” في الداخل الأمريكي، وسمعتها الطيبة لدى جميع الجاليات المسلمة والعربية؛ لتحقيق مكاسب لجماعة الإخوان من خلال تصريحات يدلي بها إلى وسائل الإعلام العربية؛ خصوصًا قناة “الجزيرة”، ونظرًا لأن التصريحات بـ”العربية” فلم يلتفت إليها أحد من جمهور “CAIR” الأمريكي، وهذا أحدث إرباكًا لصورة المنظمة في العالم العربي، وجرّها إلى المواجهة مع بعض الدول العربية.

وأخيرًا، فإن مواجهة المنظمات التي تخرج عن الدور المحدد لها في نظامها الأساسي، وفي القانون الأمريكي الذي رخَّص لوجودها، والتي تحاول التدخل في الشؤون الداخلية للدول العربية والإسلامية، يجب أن تتم في الداخل الأمريكي، وليس خارجه؛ لأن منظمة CAIR””، على سبيل المثال، استطاعت أن تستفيد من رد الفعل الذي جاء من بعض الدول العربية ضد تدخلاتها لمناصرة تنظيم الإخوان في صراعه على السلطة مع الدولة المصرية، فوظفته على أنه جزء من حملة الإسلاموفوبيا ضدها؛ التي تأتي من اليمين الأمريكي المتطرف، وعزَت ذلك إلى تأثير هذا التيار المحافظ في الإدارة الأمريكية على الدول العربية.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المصدر: عين أوربية على التطرف.

[1] Muslim Students Associati ، هي منظمة تُعد الدارسين في الجامعات الأمريكية من العرب والمسلمين للعودة إلى أوطانهم، ليكونوا أعضاءً فاعلين في تنظيم الإخوان المسلمين كل في بلده.

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة