الواجهة الرئيسيةترجماتتكنولوجياشؤون خليجيةشؤون دولية

كوكبنا يلتحم بالمريخ

يقول مسؤول مخبر الفيزياء الفضائية بجامعة "بولدر" الأمريكية: إن الإمارات العربية المتحدة كانت ترفض رفضاً قطعياً شراء (مسبار الأمل) جاهزاً.. بل حرصت على بنائه من الصفر بسواعد إماراتية

كيوبوست – ترجمات

كامي جيفودون

ترجمة نور الدين التليلي

استضاف المريخ، هذا الأسبوع، ثلاثة مسابير فضائية أُطلقت من الأرض في مهمات علمية واستكشافية للكوكب الأحمر: مسبار “الأمل” الإماراتي ومسبار “العزيمة” الأمريكي، وروبوت “تيانوان-1” الصيني. ولحسن الحظ لا يوجد على سطح المريخ أي كائنات كانت ربما ستنزعج من هذا “الغزو” الخارجي؛ فهذه المسابير الفضائية التي أطلقها الإنسان ستقوم بمهمات سلمية ونبيلة؛ الهدف منها التعرف أكثر على الغلاف الجوي للكوكب الأحمر وعلى مُناخه وطبقاته الصخرية وماضيه.. إلخ. وإذا أمكن ذلك، ربما سيتم زرع عَلَم هذه الدولة أو تلك على سطح هذا الكوكب.

أول مسبار وقع تثبيته هذا الأسبوع في مدار حول المريخ ينتمي إلى دولة الإمارات العربية المتحدة، وهي آخر دولة تنخرط في السباق الفضائي نحو هذا الكوكب، وذلك بواسطة “مسبار الأمل” الذي تم بناؤه في زمنٍ قياسي. وصل المسبار الإماراتي إلى مداره حول المريخ في التاسع من الشهر الجاري، وتبعه الروبوت الصيني الذي له طموحات كبيرة؛ من بينها إنزال مركبة متنقلة على سطح الكوكب الأحمر، ثم المسبار الأمريكي الذي يُعد واحداً من سلسلة من المركبات الفضائية التي أطلقتها وكالة الفضاء الأمريكية “الناسا” اتجاه المريخ.

اقرأ أيضًا: جي وو لـ”كيوبوست”: الإنجاز الإماراتي في مجال الفضاء نجاح للعرب والعالم

إن تزامن وصول هذه المركبات الفضائية إلى سماء المريخ ليس من قبيل الصدفة؛ فعلماء الفضاء يدركون جيداً أنه يجب عليهم التحكم في كميات الوقود التي تستهلكها المحركات التي تدفع هذه المركبات الفضائية إلى مسافات بعيدة جداً عن كوكبنا الأرضي. ولتحقيق هذا الهدف يسعى هؤلاء في كل مرة إلى تحديد المسار الأقل مسافة بين الأرض والمريخ. لذلك ينتهز العلماء اقتراب هذا الكوكب من الأرض مرة كل ستة وعشرين شهراً؛ لكي يبرمجوا إرسال مسبار فضائي هناك. ويشبّه عالم الفضائيات جيمس أودونوك، وهو مقيم بوكالة الفضاء اليابانية، هذه العملية بلاعب كرة قدم يريد تمرير الكرة إلى لاعب آخر من فريقه يتحرك على أرضية الميدان؛ فهذا اللاعب يصوب الكرة ليس في اتجاه زميله بالتحديد، بل في اتجاه المكان الذي سيصله هذا الأخير بعد بضع ثوانٍ من انطلاق الكرة.

لا يجمع بين هذه المسابير الفضائية الثلاثة أي تشابه سوى وصولها المتزامن إلى سماء المريخ؛ فكل منها له طموحات وأهداف علمية مختلفة، كما أن الخلفية السياسية من وراء إرسالها إلى الفضاء الخارجي ليست ذاتها بالنسبة إلى الدول الثلاث المعنية بهذه المغامرة الفضائية الفريدة من نوعها.

الإمارات العربية المتحدة و”أمل” الارتقاء إلى قوة فضائية دولية

المسبار الإماراتي “الأمل” هو بمثابة هدية أرادت دولة الإمارات العربية المتحدة أن تمنحها لنفسها بمناسبة الذكرى الخمسين لعيد ميلادها؛ لكن ما العمل إذا كان على هذه الدولة الفتية البدء من الصفر في مجال غزو الفضاء؟ بالإضافة إلى عزيمتها على النجاح، رصدت أبوظبي اعتمادات مالية ضخمة مكنتها من إقامة شراكات منذ بداية هذه الألفية مع بعض الدول الرائدة في مجال الصناعات الفضائية؛ مثل كوريا الجنوبية وفرنسا، تم بمقتضاها تدريب وتكوين مهندسين إماراتيين في قطاع صناعة الأقمار الصناعية.

 اقرأ أيضًا: واكاتا لـ”كيوبوست”: “مسبار الأمل” يدعم جمع المعلومات عن المريخ

في سنة 2014 تم استحداث وكالة إماراتية مختصة في الفضاء؛ من بين أهدافها الوصول إلى سطح المريخ ومواصلة تطوير برامج فضائية أخرى، وذلك بالاستعانة بالتكنولوجيا الأمريكية المتميزة في هذا المجال. تم بناء مسبار “الأمل” بالتعاون بين وكالة الفضاء الإماراتية، وجامعة مدينة “بولدر” بولاية كولورادو الأمريكية؛ حيث انخرط في عملية إنجاز هذا المسبار فريقان؛ يتكون الأول من مئتي مهندس ومختص أمريكي، والثاني من مئة وخمسين مهندساً ومختصاً إماراتياً.

وكان الفريقان يعملان عن بعد؛ كل من موقعه (الإمارات والولايات المتحدة)، أو عن قرب بمناسبة فترة التدريب التي قام بها أعضاء الفريق الإماراتي في الجامعة الأمريكية سالفة الذكر. ويقول مسؤول مخبر الفيزياء الفضائية بجامعة “بولدر” الأمريكية: إن الإمارات العربية المتحدة كانت ترفض رفضاً قطعياً شراء مسبار “الأمل” جاهزاً؛ بل حرصت على بنائه من الصفر بسواعد إماراتية. أما عملية إرسال هذا المسبار، فأوكلت إلى وكالة الفضاء اليابانية التي تملك صواريخ قادرة على حمله، ودفعه نحو الفضاء الخارجي.

وصل مسبار “الأمل” إلى مداره حول المريخ يوم الثلاثاء التاسع من الشهر الجاري، على الساعة الرابعة وثلاثين دقيقة بعد الظهر، بتوقيت باريس. ومن المنتظر أن يواصل المسبار الإماراتي نفس المهمة التي كان بدأها المسبار الأمريكي “مافن” الذي أطلق سنة 2014؛ حيث سيقضي “مسبار الأمل” هناك سنتين كاملتين يتمكن خلالهما من جمع معلومات تساعد علماء الفضاء على دراسة الغلاف الجوي لهذا الكوكب.

مسبار الأمل الإماراتي – MBRSC

لقد أثبتت الدراسات العلمية الحديثة أن سطح المريخ كان يحتوي في ماضٍ بعيد على كميات كبيرة من المياه السائلة في شكل أنهار وبحيرات؛ لكن العلماء لا يعرفون بعد السبب الذي جعل هذه الكميات من المياه تتبخر كلياً ليصبح المريخ كوكباً قاحلاً وأرضه جرداء. سيسعى إذن “مسبار الأمل” إلى التعرف عن قرب على الغلاف الجوي للكوكب الأحمر، وذلك من خلال القيام بجمع بيانات من زوايا وارتفاعات مختلفة؛ وهو ما لم يقم به أي مسبار آخر من قبل.

فهذا المسبار يُعتبر مفخرة لدولة الإمارات العربية المتحدة وللعالم العربي جميعاً، وهو يقدم وجهاً جديداً لهذه الدولة الخليجية المنفتحة على الثقافات الأخرى والطامحة إلى الارتقاء إلى مصاف الدول المتقدمة تكنولوجياً وعلمياً.

اقرأ أيضًا: من خارج هذا العالم: لماذا تعتبر مهمة الإمارات إلى المريخ انتصاراً جيوسياسياً؟

الصين “تطرح أسئلتها” على سماء كوكب المريخ

بعد إرسال مسبار إلى القمر نجح في النزول على السطح المخفي لهذا الأخير، وبعد إطلاق مركبة فضائية يقودها رواد فضاء صينيون طافوا بكوكبنا، وبعد وضع خطة هي بصدد النجاح تقضي ببناء محطة فضائية تدور في مدار حول الأرض شبيهة بالمحطة الفضائية الدولية “مير”، نجحت وكالة الفضاء الصينية، هذا الأسبوع، في تثبيت مسبار صيني في مدار حول المريخ. فالصين تريد اللحاق بركب الدولتين الرائدتين في هذا المجال (الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي سابقاً) اللتين دشنتا منذ ما يناهز خمسة عقود عهد غزو المريخ. لتحقيق هذا الهدف لم يبق لوكالة الفضاء الصينية سوى إرسال مسبار إلى أقاصي مجرتنا الشمسية وإرسال مسبار آخر إلى سطح المريخ. فحتى الآن لم تنجح سوى دولتين في النزول على سطح الكوكب الأحمر: الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي، مع تفوق كبير للأولى في هذا المجال. فحتى وكالة الفضاء الأوروبية لم تنجح في إنزال مسبارها على سطح هذا الكوكب. أما الصين فهي عازمة على تحقيق ذلك من الوهلة الأولى.

أطلقت وكالة الفضاء الصينية على مركبتها الفضائية التي وصلت هذا الأسبوع إلى سماء المريخ اسم “تيانوان-1” (وهو يعني حرفياً “السماء تُسْأَلُ”)، وذلك تيمناً بقصيدة شعرية عنوانها “أسئلة إلى السماء” كان قد نظمها الشاعر الصيني “كيو يووان” الذي عاش في النصف الثاني من القرن الرابع، وبداية القرن الثالث قبل الميلاد. في هذه القصيدة يطرح هذا الشاعر أسئلة دون إجابة حول السماء والأرض، والطبيعة، والجنس البشري.

انطباع فني عن وصول المركبة الفضائية الصينية “تيانوان 1” إلى المريخ – CNSA

يتكون المسبار الصيني من ثلاثة أجزاء؛ أولها قمر صناعي سيتم تثبيته في مدار حول الكوكب الأحمر (بدأ هذا الأسبوع في إرسال الصور الأولى لسطح هذا الكوكب). أما الجزآن الآخران فيتكونان من مركبة فضائية ستقوم في شهر مايو المقبل بإطلاق مسبار فضائي آخر من سماء المريخ، يزن مئتي كيلوجرام، وتغذيه أربعة ألواح شمسية، ليحط في النهاية مباشرة على سطح هذا الكوكب، وسيظل هناك لمدة تسعين يوماً يقوم خلالها باكتشاف الطبقات الصخرية، ورسم خريطة لتضاريس هذا الكوكب، ودراسة طبقات الجليد المنغمسة في أعماق سطحه الصخري، ودراسة التقلبات الجوية الموجودة في غلافه الجوي، وكذلك التعرف أكثر على الموجات المغناطيسية والارتدادية المنبعثة من أعماقه. وعملية الإنزال هذه محفوفة بمخاطر كبيرة؛ نظراً إلى خصوصية الغلاف الجوي للمريخ الذي يختلف كثيراً عن غلاف كوكبنا الأرضي.

مسبار “العزيمة” الأمريكي والبحث عن آثار حياة سابقة على سطح المريخ

لم تعد وكالة الفضاء الأمريكية “الناسا” تتساءل ما إذا كانت ستنجح في إرسال مركبات فضائية إلى المريخ. فعلى الرغم من أن علماء هذه الوكالة يعيشون في كل مرة “دقائق رعب” حين يتابعون عملية إنزال مسبار على سطح المريخ؛ فإنهم تخطوا مرحلة الشك التي انتابتهم سنة 1996 لما وطأ مسبار “روفر” لأول مرة سطح هذا الكوكب؛ حيث دشنت وكالة الفضاء الأمريكية سنة 2004 جيلاً جديداً من المسابير الفضائية (مثل “كيريوزيتي”) يتم إنزالها على سطح المريخ بواسطة كوابل معدنية يتم ربطها بالمركبة الفضائية التي تحمل المسبار؛ وهو ما يمنع انقلاب هذا الأخير أو تعثره على بعض الصخور هناك، وذلك من جراء شدة الاصطدام الذي يحدثه النزول السريع للمسبار على سطح هذا الكوكب. ويعتبر مسبار “العزيمة” الأمريكي الذي وصل هذا الأسبوع إلى سطح المريخ نسخة طبق الأصل من مسبار “كيريوزيتي”.

انطباع عن المركبة الجوالة التي تدرس صخور المريخ لمهمة وكالة ناسا مارس 2020 – NASA

سيقوم هذا المسبار الجديد بالتحرك على آثار بحيرة كبيرة كانت في الزمن الغابر مصباً للمياه التي كانت تسيل على سطح هذا الكوكب. وتعتبر بقايا هذه البحيرة كنزاً من المعلومات الثمينة حول تاريخ المريخ؛ حيث إنه من المعروف أن مادة الطين تحتفظ بالمواد العضوية لمدة طويلة من الزمن. فهل سيتمكن مسبار “العزيمة” من إيفادنا ببيانات تدل على وجود آثار لحياة سابقة على سطح هذا الكوكب؟ فبفضل كاميرا شديدة الدقة تم تطويرها في مركز الدراسات الفضائية بمدينة تولوز الفرنسية، سيتمكن مسبار “العزيمة” من دراسة المكونات الفيزيائية والكيميائية للطبقات الصخرية لهذا الكوكب، وكذلك جمع كميات صغيرة من التربة، وإرسالها إلى الأرض عن طريق مسبار آخر سيتم بناؤه خصيصاً للقيام بهذه المهمة التي تشرف عليها وكالة الفضاء الأمريكية “الناسا” بالتعاون مع وكالة الفضاء الأوروبية.

كما سيساعد المسبار الأمريكي في التعرف أكثر على تاريخ الطبقات الصخرية لكوكب المريخ التي تشبه كثيراً مثيلاتها الموجودة على كوكبنا الأرضي. فكلاهما نشأ في نفس الفترة تقريباً، وتكاثفت على سطحيهما كميات كبيرة من المياه السائلة. كما سيحاول المسبار الأمريكي صناعة الأكسجين على سطح المريخ؛ وهو ما سيساعد مستقبلياً -إذا نجحت المهمة- في إرسال رواد فضاء هناك.

اقرأ أيضاً: “مسبار الأمل” الإماراتي ينطلق قريباً لاستكشاف المريخ

وسيظل هذا المسبار لسنواتٍ عديدة يقوم بمهمته؛ حيث تم تجهيزه ببطارية نووية قادرة على إنتاج الكميات الضرورية للطاقة التي يحتاج إليها طيلة مدة إقامته على سطح الكوكب الأحمر.

أين أوروبا من كل هذا؟

كان من المفروض أن تشارك وكالة الفضاء الأوروبية في مختلف هذه المهمات الفضائية التي وصلت إلى سماء المريخ هذا الأسبوع؛ لكن بسبب صعوبات تقنية واجهها برنامج الوكالة المخصص لكوكب المريخ، وتردي الأوضاع الصحية الناجم عن تفشي وباء كوفيد-19″ في أوروبا، لم يكن علماء الفضاء الأوروبيون في الموعد من أجل المشاركة في هذه المغامرة الفضائية.

تم إرجاء برنامج إرسال مسبار أوروبي إلى سماء المريخ إلى نهاية سنة 2022، حينما يكون الكوكب الأحمر على مسافة قريبة من كوكبنا.  

المصدر: ليبراسيون

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة