الواجهة الرئيسيةشؤون دولية

كوسوفو وصربيا.. صفحة تاريخ أسود تعود إلى الذاكرة

أزمة بين البلدين قد تتطور إلى ما هو أسوأ إن لم تسارع أطراف دولية للتدخل ومنع تكرار مشاهد الحرب الإثنية في تسعينيات القرن الماضي

كيوبوست- منير بن وبر

وصلت التوترات المتصاعدة بين صربيا وكوسوفو إلى إعلان صربيا وضع جيشها في حالة التأهب القصوى؛ مما أدَّى إلى صب المزيد من الزيت على النار التي لا تلبث أن تخمد حتى تعود للاشتعال من جديد بين الطرفين.

تزعم صربيا أنها تحاول حماية الأقلية الصربية في كوسوفو، بينما تتهمها كوسوفو بمحاولة زعزعة الاستقرار في البلاد، كما وتتهم موسكو بإذكاء الصراع لنشر الفوضى في أنحاء البلقان، وهو اتهام تنفيه موسكو.

اندلعت الأزمة الحالية منذ العاشر من ديسمبر 2022، على خلفية تبادل إطلاق نار في كوسوفو بين قوات الأمن والأقلية الصربية، وذلك بعد أشهر من التوترات بين الحكومة والصرب الذين يرفضون تبديل لوحات سياراتهم الصربية إلى لوحات صادرة عن حكومة كوسوفو.

اقرأ أيضاً: التنافس على الإسلام في البلقان بين السعودية وتركيا وإيران

ليس مستغرباً أن تصل مشكلة تتعلق بتبديل لوحات سيارات إلى حد إعلان حالة التأهب القصوى؛ وذلك بالنظر إلى جذور التوتر بين كوسوفو وصربيا، والذي يساهم في تفاقمه انقسامات عرقية وتحديات لفرض السيادة، وماضٍ متشابك؛ الأمر الذي يدفع إلى القول بعدم وجود نهاية قريبة للنزاع.

محاولة لفرض السيادة

تأتي التوترات الحالية بين بعد أشهر من المشكلات بشأن إصدار لوحات ترخيص السيارات؛ إذ ترغب كوسوفو بأن يقوم حوالي 50,000 صربي ممن يعيشون على أراضيها، في الشمال، بتبديل لوحات ترخيص سياراتهم، التي تحمل لوحات صربية، إلى لوحات صادرة عن بريشتينا، وهو طلب يُبرر برغبة كوسوفو في تأكيد سلطتها على أراضيها.

مطالبات كوسوفو أدَّت إلى استقالة رؤساء البلديات من أصل صربي في المناطق الشمالية، إلى جانب قضاة محليين، وضباط من الشرطة. يرغب صرب كوسوفو في إنشاء اتحاد للبلديات ذات الأغلبية الصربية، والتي يمكنها العمل باستقلالية أكبر. لا تعترف العرقية الصربية في كوسوفو بالحكومة ولا بمؤسسات الدولة، وغالباً ما يظهرون العدائية التي تتم مقاومتها من قبل الحكومة.

إغلاق الطريق من قبل الصرب- AP

تعود مظاهر التحدي هذه بين الحكومة والسكان من العرقية الصربية، والذين يشكلون حوالي 5% من السكان، إلى وضع كوسوفو نفسها. في العام 2008، أعلنت كوسوفو استقلالها على الرغم من كونها أحد المقاطعات الصربية، نتيجة لذلك، اعترف أكثر من مائة دولة، بما في ذلك الولايات المتحدة، والعديد من الدول الغربية، باستقلال كوسوفو. لكن صربيا لم تعترف بكوسوفو قط، وهو موقف يؤيدها فيه كل من روسيا والصين. كما بقيت صربيا تدافع -حسب زعمها- عن السكان من العرقية الصربية الذين ظلوا يعيشون داخل الدولة الجديدة.

تاريخ طويل من التوتر

يُعد الصراع في البوسنة والهرسك، وحرب كوسوفو، خلال تسعينيات القرن الماضي أحد الشواهد الحديثة على التوتر بين العرقية الصربية والعرقية الألبانية في كوسوفو، وهو توتر يعود إلى عدة قرون مضت.

في العصور الوسطى، كانت الإمبراطورية الصربية تسيطر على كوسوفو، لكنها فقدت تلك السيطرة لصالح الإمبراطورية العثمانية؛ ونتيجة لذلك، اعتنق العديد من العرقية الألبانية في كوسوفو الإسلام، بينما ظل الصرب محافظين على المسيحية الأرثوذكسية.

كان ذلك بداية الانقسام الديني والعرقي بين الصرب والألبان، حيث يشكل الألبان في الوقت الحالي أكثر من 90 في المائة من إجمالي سكان كوسوفو.

اقرأ أيضاً: روسيا تلعب بالنار في البلقان كيف تهدد لعبة بوتين أوروبا؟

في عام 1912، ضمت صربيا كوسوفو بعد حرب البلقان الأولى؛ مما أدى إلى استياء واسع النطاق بين السكان الألبان، بسبب السياسات الصربية القاسية. بعد الحرب العالمية الثانية، تأسست يوغوسلافيا كدولة شيوعية، وتم ضم كوسوفو إليها، ومنحها وضع الحكم الذاتي، لكن الألبان استمروا في مواجهة التمييز من الحكومة التي يهيمن عليها الصرب.

التسعينيات… العقد الدموي

أدى تفكك يوغوسلافيا في أوائل التسعينيات إلى زيادة التوترات بين الصرب والألبان، وكانت الحرب في البوسنة والهرسك من أبشع صورها.

استمرت الحرب في البوسنة والهرسك من العام 1992 إلى 1995، وكانت إحدى حالات العنف الرئيسة بين الصرب والألبان، حيث دعم ألبان كوسوفو مسلمي البوسنة ضد صرب البوسنة؛ مما أدى إلى زيادة التوترات بين الطائفتين، وفقدان حوالي 100 ألف شخص لحياتهم.

دمار بسبب حصار سراييفو أثناء حرب البوسنة- أرشيف

بعد الحرب، ظلت كوسوفو إحدى مقاطعات صربيا، مع تمتعها بدرجة من الحكم الذاتي. ومع ذلك، كان الاستقلال الكامل نصب أعين الألبان دائماً، مما تسبب في حربٍ عنيفة في كوسوفو خلال الفترة من 1998 إلى 1999، والتي أودَت بحياة حوالي 10 آلاف شخص، ودفعت إلى تدخل حلف شمال الأطلسي (الناتو) دفاعاً عن ألبان كوسوفو من القوات الصربية المشاركة في حملة تطهير عرقي. منذ ذلك الحين، أصبحت العلاقات متوترة بين صربيا وكوسوفو التي باتت تحت حماية قوات حفظ السلام.

في عام 2008، أعلنت كوسوفو استقلالها عن صربيا. وعلى الرغم من أن معظم الدول قد اعترفت باستقلالها، فإن صربيا لم تكن أحدها، وبقيت تعتبرها جزءاً من أراضيها؛ وهو سبب جوهري للتوتر بين البلدين اليوم.

أما داخل كوسوفو، فإن العلاقة بين الحكومة والأقلية الصربية أصبحت عرضة لضغوط وتحديات فرض السيطرة الحكومية، والمقاومة العرقية.

مستقبل الصراع

نظراً لطول الصراع وتعقيده، فمن غير المرجح رؤية سلام طويل الأجل عمّا قريب بين صربيا وكوسوفو، أو بين حكومة كوسوفو والأقلية الصربية.

اقرأ أيضاً: السفير الألباني لدى الإمارات لـ”كيوبوست”: نقدر جهود أبوظبي في دعم بلادنا بالأوقات الصعبة

يعد تأثير الاختلافات العرقية والدينية على التماسك الاجتماعي والاستقرار داخل الدولة قضية معقدة. الصراع بين فرض السيادة ومقاومتها هو الشغل الشاغل في العديد من المجتمعات. في بعض الحالات، تمكنت الأقليات العرقية والدينية من تشكيل حركات انفصالية ناجحة، بينما في حالات أخرى تم دمج مثل هذه الجماعات بنجاح في النظام السياسي المهيمن. في كل الأحوال، كان ذلك نتيجة نضال طويل من الأطراف المختلفة.

من جانب آخر، تُعد كوسوفو بلد حبيس (لا يوجد بها منفذ بحري) وفقيرة، وتنتشر الجريمة والفساد في مختلف مناطقها. في كثير من الحالات المشابهة، تكون الأقليات الدينية والعرقية عرضة لعدم الاستقرار؛ لأنهم يصبحون هدفاً للعنف من قبل أولئك الذين يشعرون بالتهديد من وجودهم أو يعتقدون أنهم يشكلون تهديداً لسيادة الدولة.

في حالات أخرى، قد تكون الأقليات ضحية من هم في السلطة، الذين يحاولون استخدامهم كوسيلة لصرف الانتباه عن المشكلات الحقيقية داخل الدولة، مما يحد من قدرة مؤسسات الدولة على العمل بفعالية ويؤدي إلى انقساماتٍ بين مواطنيها.

جنود أمريكيون يرافقون مدنياً صربياً بعد العثور على سلاح آلي، 1999- أرشيف

يصبح اقتراح حل ناجع مضمون لنزاعٍ مثل نزاع كوسوفو وصربيا مسألة صعبة في ظل مثل تلك التعقيدات والتداخلات.

ومع ذلك، تشمل الجهود التي يتم تبنيها أو اقتراحها محاولة تعزيز التفاهم والاحترام للمجموعات المختلفة، وتوفير المزيد من الفرص للأقليات للمشاركة في مؤسسات الدولة، وعمليات صنع القرار، ومعالجة الأسباب الجذرية لعدم الاستقرار داخل الدولة.

للمضي قُدماً، ربما يكون إقدام صربيا على تصعيدٍ عسكري ملموس في كوسوفو سبباً في تدخل قوات الناتو المتواجدة لحفظ السلام، وهو أمر ينبغي تجنبه. على المدى الطويل، يتعين على كوسوفو وصربيا التوصل إلى حل وسط يتيح لكوسوفو الحصول على عضوية الأمم المتحدة، ويتيح للبلدين الانضمام إلى عضوية الاتحاد الأوروبي.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

منير بن وبر

باحث في العلاقات الدولية وشؤون اليمن والخليج