الواجهة الرئيسيةشؤون دوليةمقالات

“كورونا” والحرب الباردة الجديدة.. صراع المصالح والنفوذ

يوسف جمعة الحداد

مقدمة

رغم أن مفهوم “الحرب الباردة الجديدة” يعود إلى سنواتٍ قليلة مضت؛ فإنه اكتسب زخماً كبيراً مع ظهور وباء كورونا المستجد “كوفيد-19” في ديسمبر من عام 2019، الذي شكل مرحلة فاصلة في تاريخ العالم، بالنظر لما أحدثه، ولا يزال، من تغييرات في المجالات كافة؛ خصوصاً مع محاولات “تسييس” هذا الوباء، وإقحامه ضمن أدوات الصراع الأمريكي- الصيني، والتنافس على إعادة صياغة وتشكيل النظام الدولي؛ فالولايات المتحدة تسعى إلى الحفاظ على مكانتها في قمة هذا النظام، باعتبارها لا تزال “القوة العظمى” الوحيدة المهيمنة على تفاعلاته، وترفض ما يطرحه البعض عن تراجع مكانتها بسبب القصور في إدارتها لأزمة كورونا، بينما تطمح الصين إلى تعزيز مكانتها في عالم ما بعد “كورونا”، بدعوى نجاحها في إدارة هذه الأزمة، وتقديمها نموذجاً يحتذى به في هذا الشأن. فهل ستؤسس جائحة كورونا لمرحلة جديدة في الحرب الباردة الجديدة؟ وما مؤشرات هذه الحرب؟ وما أوجه الاختلاف التي تميزها عن الحرب الباردة القديمة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي “السابق”؟ وما تداعيات هذه الحرب الجديدة على الأمن والسلم الدوليين؟

“كورونا” وتصاعد الحديث عن الحرب الباردة الجديدة

يشير مصطلح الحرب الباردة الجديدة إلى تجدد التوتر والصراع بين القوى الدولية والإقليمية الفاعلة في النظام الدولي حول المصالح والنفوذ؛ خصوصاً بين كل من روسيا والصين من جانب، والولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي من جانب آخر. وهناك اختلاف بين الخبراء حول بداية الحرب الباردة الجديدة، فالبعض يشير إلى أنها اشتعلت مع أزمة أوكرانيا عام 2013 والتي دشنت لتجدد الصراع بين حلف شمال الأطلسي وروسيا، والبعض يرجعها إلى الحرب التجارية بين واشنطن وبكين عام 2018، وهناك فريق ثالث يرى أن حالة الانقسام وتباين الرؤى بين القوى الكبرى حول قضايا وأزمات منطقة الشرق الأوسط، خلال السنوات القليلة الماضية، أسهمت في عودة أجواء الحرب الباردة إلى الواجهة؛ خصوصاً في ظل تدخل روسيا عسكرياً في الأزمة السورية، هذا فضلاً عن تجدد سباق التسلح العالمي بين القوى الكبرى واحتدام التنافس في ما بينها على التفوق في مجال التكنولوجيا؛ خصوصاً تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي.

صورة تعبيرية عن توتر العلاقات بين الولايات المتحدة والصين- “جلوبال تايمز”

في ظلِّ هذه التطورات والمعطيات تصاعدت التحذيرات من نشوب حرب باردة جديدة؛ خصوصاً منذ وصول إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، إلى السلطة في يناير من عام 2017، وتبنيها سياسة خارجية جديدة تستهدف تأكيد قوة الولايات المتحدة، وتعزيز تفوقها في المجالات كافة.

وبالفعل، فإن المتتبع للسياسة الأمريكية منذ ذلك التاريخ يدرك بوضوح طبيعة التحول الذي طرأ على هذه السياسة، ليس فقط مع الصين وروسيا، وإنما مع الاتحاد الأوروبي الذي يرتبط بعلاقات تعاونية ودفاعية وطيدة وشراكة وثيقة مع الولايات المتحدة عبر حلف شمال الأطلسي (الناتو)؛ حيث بدأت إدارة ترامب تثير العديد من القضايا التجارية والدفاعية والتكنولوجية مع هذه القوى خلال السنوات الماضية، وظهرت مصطلحات جديدة؛ مثل الحروب التجارية والتكنولوجية وحروب الجيل الخامس، فضلاً عن انسحاب الولايات المتحدة من العديد من الاتفاقيات الدولية والمنظمات الأممية، في مؤشر واضح على رفضها الأطر المؤسسية والتنظيمية الحاكمة للنظام الدولي الراهن، وسعيها إلى تغييرها بما يواكب أهداف السياسة الأمريكية الجديدة.

سوق ووهان في الصين حيث يعتقد أنه المصدر الأول لنشأة الفيروس – رويترز

وحينما ظهر فيروس كورونا المستجد “كوفيد-19” في مدينة ووهان الصينية، في ديسمبر من عام 2019، تصاعدت وتيرة التوترات بين بكين من ناحية، والولايات المتحدة وبعض حلفائها الأوروبيين من ناحية ثانية، حول منشأ هذا الفيروس، حينما وجهت واشنطن اتهامات إلى الصين بأنها السبب في انتشار وباء “كورونا”، بينما استمرت القضايا الخلافية الأخرى التجارية والاقتصادية والأمنية، وذلك في مؤشر واضح على سيطرة الطابع الصراعي على هذه العلاقات؛ بل إن إدارة ترامب أصدرت في شهر مايو 2020 تقريراً بعنوان “النهج الاستراتيجي الأمريكي في التعامل مع جمهورية الصين الشعبية”، تضمن معلومات تفيد أن الصين تسعى إلى تغيير النظام الدولي بما يتماشى مع مصالح وأيديولوجية الحزب الشيوعي الصيني.

وفي المقابل، فإن مسؤولين صينيين حذروا من مغبة اندلاع حرب باردة جديدة مع الولايات المتحدة؛ فقد أعلن وانغ يي وزير الخارجية الصيني، في مؤتمر صحفي، في شهر مايو 2020، أن “بلاده والولايات المتحدة على حافة حرب باردة جديدة”، قائلاً: إن الولايات المتحدة أصيبت “بفيروس سياسي” يجبر المسؤولين هناك على مهاجمة الصين باستمرار، وذلك في إشارة إلى الانتقادات التي وجهها الرئيس دونالد ترامب، إلى كيفية تعامل الصين مع الوباء.

رجل يضع كمامة للوقاية من فيروس كورونا في روما- رويترز.

وبدا واضحاً أن فيروس كورونا المستجد “كوفيد-19” أعاد الصراع بين الولايات المتحدة وحلفائها من ناحية، والصين من ناحية ثانية، إلى الواجهة؛ خصوصاً مع توجه الأخيرة إلى توظيفه سياسياً في تعزيز مكانتها، والترويج لنموذجها التنموي والسياسي في العديد من المناطق حول العالم، كأوروبا الشرقية وإفريقيا، وتحرك الولايات المتحدة إلى احتواء التحركات الصينية والحيلولة دون اكتسابها مناطق نفوذ جديدة في العالم.

اقرأ أيضاً: بعد أزمة كورونا.. هل يتنبه حلف الأطلسي للتهديد الصيني؟

ماذا وراء تصاعد الحديث عن الحرب الباردة الجديدة؟

رغم أن جائحة كورونا، وما ارتبط بها من محاولات لتسييس هذا الوباء، تعد السبب الرئيسي وراء تصاعد الحديث في الآونة الأخيرة عن الحرب الباردة الجديدة؛ فإن هناك العديد من العوامل والمعطيات الأخرى تقف وراء ذلك، لعل أهمها:

1- الصراع على إعادة تشكيل النظام الدولي بين القوى الكبرى؛ خصوصاً الولايات المتحدة وروسيا والصين، فواشنطن تريد تأكيد هيمنتها على النظام الدولي، والحيلولة دون ظهور قوى دولية منافسة لها، بينما يرفض كل من موسكو وبكين استمرار الهيمنة الأمريكية على النظام الدولي، وتسعيان إلى بناء نظام دولي متعدد الأقطاب، تشاركان بفاعلية في تفاعلاته المختلفة، وهذا الصراع ينعكس بدوره على العلاقات بين هذه القوى، ويجعلها أقرب إلى التوتر منها إلى التعاون.

اقرأ أيضاً: “هواوي” ضحية حرب ملوك التجارة في العالم

2- التنافس على المصالح والنفوذ بين القوى الكبرى في العديد من المناطق حول العالم؛ فعلى سبيل المثال تتنافس الصين والولايات المتحدة على التمدد داخل القارة الإفريقية، من بوابة تقديم المساعدات لمواجهة وباء كورونا. كما يظهر التنافس بين الدولتَين أيضاً حول بحر الصين الجنوبي الذي تمر من خلاله 5,6 تريليون دولار، تمثل أكثر من 40% من التجارة العالمية، فبينما تشترك دول عديدة في السيادة على هذا البحر كالصين وفيتنام والفلبين وماليزيا وبروناي وسنغافورة، إلا أن بكين تطالب تقريباً بنحو ثلاثة أرباعه، مستندة إلى ما تقول إنها وثائق تاريخية، وهذا ما ترفضه الولايات المتحدة التي تعتبر محاولات الصين السيطرة على الموارد في المياه المتنازع عليها في بحر الصين الجنوبي أمراً “غير مشروع”، ولهذا تلوح بين الحين والآخر باستخدام القوة لردع الصين عن ذلك، وكان آخرها في شهر أغسطس 2020، حينما أجرت مجموعة سفن قتالية أمريكية بقيادة حاملة طائرات، عمليات دفاع جوي بحرية في بحر الصين الجنوبي. هذا وتراقب الولايات المتحدة باهتمامٍ بالغ الخطوات التي اتخذتها بكين لتعزيز وجودها في بحر الصين الجنوبي، خلال الأشهر القليلة الماضية، مع انشغال العالم بمواجهة وباء “كورونا”؛ خصوصاً بعد أن قامت بإنشاء محطات أبحاث ونشرت طائرات عسكرية خاصة في البحر المتنازع عليه، وهو ما دفع الولايات المتحدة إلى التحفظ على هذه التحركات، ومطالبة الصين بالتوقف عنها.

ميركيل وترامب خلال قمة الدول السبع الكبار  عام 2018

3- الاستمرار في سباق التسلح العالمي بين القوى الكبرى، التي تدرك أن القوة العسكرية بمجالاتها المختلفة لا تزال تشكل أهم معايير قياس القوة والنفوذ في النظام الدولي، ولهذا تتنافس في ما بينها على إنتاج أحدث منظومات الأسلحة في المجالات كافة؛ ولعل من المؤشرات على ذلك إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في شهر مايو 2020 أنه أعطى موافقته لتطوير صاروخ جديد تفوق سرعته سرعة الصوت، بينما أعلنت روسيا، على لسان الرئيس فلاديمير بوتين، في شهر مايو 2020 أنها تمكنت من تصميم أسلحة عالية التقنية لا نظير لها في أية دولة أخرى في العالم، وذلك بفضل مستوى العلوم وكوادر الهندسة في روسيا. كما يستمر التنافس بين القوى الكبرى في مجال عسكرة الفضاء على النحو الذي جسدته بوضوح استراتيجية الفضاء الأمريكية الجديدة التي أعلنتها وزارة الدفاع في شهر يونيو 2020، والتي تؤكد أن الولايات المتحدة ستسعى للمحافظة على تفوقها في الفضاء، في الوقتِ الذي اعتبرت فيه هذه الاستراتيجية كلاً من الصين وروسيا التهديد الاستراتيجي الأكبر؛ نظراً لتطويرهما واختبارهما ونشرهما قدرات فضائية مضادة.

مقاتل ليبي يحمل السلاح – رويترز

مظاهر الحرب الباردة الجديدة

تتنوع مظاهر الحرب الباردة الجديدة التي يعيشها العالم اليوم، والتي تتضمن ما يلي:

  • تشكيك الولايات المتحدة في عمل العديد من المنظمات الدولية بل والانسحاب منها؛ بدعوى عدم قيامها بالمهام المنوطة بها أو نتيجة الخلافات معها حول تفسير بعض القضايا، وكان آخرها في شهر يوليو 2020 حينما انسحبت من منظمة الصحة العالمية، بدعوى تأخرها في التحرك للتصدي لفيروس كورونا المستجد، وهذه الخطوة وإن كانت ترتبط بأزمة وباء كورونا، إلا أنها لا تنفصل عن التوجه العام الذي تتبناه إدارة ترامب منذ وصولها إلى السلطة عام 2017 بالانسحاب من المعاهدات والاتفاقيات الدولية.
تعرضت منظمة الصحة العالمية لانتقادات حادة من دول عدة
  • تصاعد حدة الصراع بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين على خلفية العديد من القضايا، والتي تتضمن المجالات التجارية والاقتصادية والسياسية والعسكرية والتكنولوجية، فضلاً عن قضايا حقوق الإنسان؛ ولعل من أهم مؤشرات ذلك توقيع الرئيس دونالد ترامب في شهر يونيو 2020 تشريعاً يسمح بفرض عقوبات على مسؤولين صينيين يحملهم مسؤولية اضطهاد الأقلية المسلمة في ولاية زينجيانغ، كما تستهدف إدارة ترامب شركات صينية؛ خصوصاً عملاق تكنولوجيا الاتصالات “هواوي”، بدعوى أنها متورطة في مساعدة بكين في ممارسات تجسس على العملاء، وهو ما تنفيه السلطات الصينية.

في الوقت ذاته، فإن هناك توتراً متصاعداً في علاقات الصين ببعض القوى الإقليمية؛ خصوصاً مع الهند حول الحدود، والتي تصاعدت بصورةٍ لافتة في شهري مايو ويونيو 2020، وتطورت إلى مناوشات عسكرية أسفرت عن مقتل 20 جندياً هندياً على الأقل في أسوأ صدام بين البلدين في نحو نصف قرن. وهذه التوترات، وإن كانت بسبب الخلافات الحدودية بين الدولتين، فإنها لا تنفصل عن صراع النفوذ بين بكين ونيودلهي في المنطقة بوجه عام؛ حيث تمول الصين مشروعات اقتصادية في العديد من دول المنطقة، مثل باكستان وميانمار وسريلانكا؛ وهو الأمر الذي يثير مخاوف الهند، خصوصاً أن هذه الدول قريبة جغرافياً لها.

اقرأ أيضًا: هل تنجح الصين وأمريكا في الإفلات من “فخ ثيوسيديديز”؟

  • الخلافات بين ضفتي الأطلسي حول العديد من القضايا الدفاعية والأمنية والتجارية والاقتصادية؛ حيث تطالب الولايات المتحدة حلفاءها الأوروبيين بزيادة إنفاقها الدفاعي؛ فالرئيس ترامب كثيراً ما انتقد ألمانيا لإنفاقها نسبة أقل بكثير من اقتصادها على الدفاع مقارنة بالولايات المتحدة. وقال خلال محادثات مع رئيس الحلف ينس ستولتنبرغ، قبل انطلاق قمة الناتو في لندن في ديسمبر 2019، “هذا ليس عدلاً، ليس من الصواب أن يتم استغلالنا من حلف الناتو، ثم في التجارة، لا يمكننا أن ندع هذا يحدث”. وتريد الولايات المتحدة من وراء هذه الضغوط تخفيف الأعباء المادية المفروضة عليها؛ حيث تنفق أكثر من 649 مليار دولار من ميزانية الحلف التي تقدر بنحو 1036 مليار دولار أمريكي؛ بهدف تحقيق الأمن والاستقرار والدفاع المشترك، وبالفعل أعلن العديد من دول الحلف في الآونة الأخيرة زيادة ميزانيات الدفاع؛ لتقترب من الهدف المحدد للناتو برفع هذه النسبة إلى 2%.
الرئيس الروسي خلال اجتماع مع قادة الجيش بعد توسعات انتشار قوات الناتو في منطقة البحر الأسود.. 2019- “رويترز”
  • عودة سياسة التحالفات إلى الواجهة: لعل من أهم مظاهر الحرب الباردة الجديدة هو عودة الاستقطابات في العلاقات الدولية؛ فالصين تسعى إلى تعزيز تحالفاتها الدولية على حساب الولايات المتحدة، واستغلت أزمة وباء كورونا في ذلك، حينما توجهت إلى تقديم مساعدات عسكرية للعديد من الدول الأوروبية التي تضررت بشدة جراء هذا الوباء؛ خصوصاً إيطاليا وإسبانيا وبعض دول أوروبا الشرقية. وعلى الجانب الآخر، فإن الولايات المتحدة تسعى إلى تعزيز علاقاتها مع اليابان وكوريا الجنوبية؛ لاحتواء النفوذ الصيني المتصاعد في آسيا، بل إنها توظف علاقاتها مع تايوان كورقة ضغط مستمرة ضد الصين؛ خصوصاً في ظل رغبة تايوان في الانفصال عن بكين. روسيا هي الأخرى تعمل على تعزيز تحالفاتها الاقتصادية، وتركز بشكل رئيسي على منظمة شنغهاي أمام مجموعة بريكس، كما تواصل تطوير قدراتها العسكرية.
  • التنافس على الوجود العسكري في الخارج: كانت الولايات المتحدة هي القوة الرئيسية التي تحتفظ بوجود عسكري كبير لها في الخارج منذ نهاية الحرب الباردة القديمة، وحتى وقتنا الراهن لا تزال تحتفظ بالعديد من القواعد العسكرية، باعتباره ذلك يشكل أهم العوامل التي تضمن لها الحفاظ على مصالحها ونفوذها في الخارج؛ ولكن منذ سنواتٍ قليلة بدأت العديد من القوى الدولية تعمل على تعزيز وجودها العسكري في الخارج؛ فالصين على سبيل المثال بدأت تهتم بإنشاء قواعد عسكرية في إفريقيا، وأنشأت في عام 2017 أولى قواعدها العسكرية في جيبوتي، كما أن روسيا هي الأخرى بدأت تعمل على إنشاء قواعد عسكرية في الخارج، وتحديداً في سوريا؛ من منطلق أن ذلك من ضرورات الحفاظ على أمنها القومي ومصالحها الاستراتيجية في الخارج، حيث تمتلك روسيا في سوريا قاعدتين عسكريتين، جوية وبحرية؛ فقاعدة حميميم الواقعة في اللاذقية كانت مخصصة للطيران المروحي، واستخدمتها موسكو لقواتها سنة 2015، علماً بأن استعمالها هذه المنشأة غير مشروط. أما قاعدة طرطوس فهي بحرية، وتعد الوحيدة لروسيا في البحر الأبيض المتوسط، وقد أُعيد استخدامها من قِبل موسكو ضمن اتفاق وقع عام 2017، يقضي بتعزيز الوجود العسكري الروسي جوياً وبحرياً في سوريا.
حاملة الطائرات الأمريكية إبراهام لينكولن التي تحركت إلى منطقة الخليج في مايو الماضي لردع التهديدات الإيرانية

أهم سمات الحرب الباردة الجديدة

 هناك العديد من المظاهر التي تميز الحرب الباردة الجديدة، عن الحرب الباردة القديمة؛ لعل أبرزها:

  • تعدد الأطراف المشاركة فيها: كانت الحرب الباردة القديمة تقتصر فقط على الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي السابق، أما الحرب الباردة الجديدة فتضم العديد من الأطراف؛ كالولايات المتحدة والصين وروسيا والاتحاد الأوروبي وبعض القوى الإقليمية الصاعدة، التي تطمح إلى تعزيز مكانتها والاعتراف بدورها في أي تحولات مستقبلية في النظام الدولي؛ فروسيا في ظل قيادة الرئيس فلاديمير بوتين، تطمح إلى استعادة موقع الدولة العظمى التي كان يحتلها الاتحاد السوفييتي “السابق”، باعتبارها “الوريث” الشرعي له، ولهذا بدأت منذ سنوات تتحدى الهيمنة الأمريكية، وتسعى إلى فرض رؤيتها في العديد من الملفات والقضايا الدولية، كما هو حاصل في الأزمتَين السورية والأوكرانية. والصين هي الأخرى في ظل قيادة الرئيس شي جين بينغ، تسعى إلى تحويل قوتها اقتصادية إلى دور سياسي مؤثر في تفاعلات النظام الدولي، وترجمت ذلك في إحياء مشروع طريق الحرير، والسيطرة على بحر الصين الجنوبي رغم المعارضة الدولية، وتعزيز وجودها في القارة الإفريقية والآسيوية عن طريق ضخ مليارات الدولارات في العديد من المشروعات.
  • تراجع الوزن النسبي لدور حلف شمال الأطلسي وهذا يعد تطوراً بالغ الأهمية؛ خصوصاً إذا ما تم الأخذ في الاعتبار حقيقة أن الحلف الذي طالما عُرف بتماسكه ووحدته في مواجهة الاتحاد السوفييتي السابق إبان حقبة الحرب الباردة القديمة، يشهد الآن العديد من الخلافات بين أعضائه، كما سبق الإشارة، هذا فضلاً عن وجود توجهات أوروبية يقودها كل من فرنسا وألمانيا لتأسيس جيش أوروبي موحد؛ بهدف استقلال السياسة الأوروبية في المجالين الدفاعي والأمني عن الولايات المتحدة الأمريكية.

اقرأ أيضاً: فيروس كورونا يفرض تحدياً جديداً أمام العلاقات الصينية- الأمريكية

  • لا تقتصر الحرب الباردة الجديدة فقط على سباق التسلح أو امتلاك الصواريخ فرط الصوتية العابرة للقارات، وإنما تتضمن أدوات جديدة، اقتصادية وتجارية وتكنولوجية ورقمية وصحية؛ ولهذا فإنها تعد أكثر تعقيداً من الحرب الباردة القديمة التي ارتكزت بالأساس على سباق التسلح والتنافس على النفوذ بين القطبَين العظميَين حول العديد من المناطق في العالم.
  • الصراع بين النموذجين الأمريكي والصيني: إذا كانت الحرب الباردة القديمة شكلت صراعاً بين النموذج الرأسمالي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية والنموذج الاشتراكي بقيادة الاتحاد السوفييتي السابق، فإن الحرب الباردة الجديدة الآن هي أقرب أيضاً إلى صراع أو تنافس بين النموذج الأمريكي الليبرالي والنموذج الصيني الشرقي الذي تسعى بكين إلى الترويج له عالمياً؛ خصوصاً بعد نجاحها في إدارة أزمة وباء كورونا، وهذا ما عبر عنه بوضوح الرئيس الصيني بقوله عام 2017: “إن الصين تقدم خياراً جديداً للدول والأمم الأخرى التي تريد تسريع تنميتها مع الحفاظ على استقلالها”.

خاتمة

لا شك أن الحرب الباردة الجديدة، وفقاً لمعطياتها ومؤشراتها السابقة، تشكل تهديداً للأمن والسلم الدوليين، بالنظر إلى العاملَين التاليَين؛ الأول تصاعد حدة التنافس بين القوى الدولية والإقليمية حول المصالح والنفوذ، قد يؤدي إلى مناوشات عسكرية، كما حدث بين الصين والهند حول الخلافات الحدودية، وبين الصين والولايات المتحدة في بحر الصين الجنوبي، وهذا من شأنه أن يعقد من البيئة الأمنية على الصعيدَين الإقليمي والدولي. أما العامل الثاني؛ فيرتبط بالأساس بالصراع بين هذه القوى الدولية والإقليمية على إعادة تشكيل النظام الدولي وفقاً لمصالحها الخاصة، هذا فضلاً عن غياب التوافق في ما بينها حول كيفية حل الصراعات التي يشهدها العديد من مناطق العالم؛ خصوصاً في منطقة الشرق الأوسط التي تشهد منذ سنوات مجموعة معقدة من النزاعات والصراعات المسلحة، ولا تلوح في الأفق أي مؤشرات على حلها، وهذا بالطبع يمثل تهديداً للأمن والسلم الدوليَّين.

المصدر: درع الوطن

لقراءة المقال على صفحات درع الوطن اضغط هنا

 اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة