الواجهة الرئيسيةشؤون دوليةصحةمقالات

“كورونا” في إيطاليا.. هل ما زلنا قادرين على التضحية؟

كيوبوست – خاص

لا يتعامل الإيطاليون انطلاقًا من شعور واحد إزاء انتشار وباء كورونا المستجد، فبينما يبذل الإخصائيون الطبيون قصارى جهدهم، ويشاركهم ملايين المواطنين في التصرف بمسؤولية تجاه ما يحدث، نجد آلافًا آخرين يتصرفون بسلبية شديدة ولا يبدون استعدادًا لتقديم التضحيات. وهكذا تبدو إيطاليا منغمسة في حالة من الازدواجية، بإمكاننا تشبيهها بشخص يحمل روحَين متنافرتَين أو بمريض بجنون ثنائي القطب؛ وهي على هذه الحال منذ انقضاء الحرب العالمية الثانية، تحاول أن تخرج إلى النور من تلك المنطقة الظلمة؛ لكنها لا تنجح حتى الآن.

شاهد: فيديوغراف: ”كورونا” يواصل حصد الأرواح ولا علاج حتى الآن

في مدينة سيجريت التي تبعد نحو 10 كم عن ميلانو، بدأت عربات الشرطة تتجوَّل في المدينة حاملةً مكبرات الصوت، بينما قام رجال الشرطة المنوط بهم تنفيذ تلك المهمة بتوجيه رسالة عبر المذياع إلى سكان المدينة؛ مفادها أن يلتزم الجميع بالبقاء في المنازل باستثناء حالات الطوارئ، وأن على كل فرد احترام المسافة الشخصية الموصى بها، والتي تبلغ مترًا واحدًا عن بقية الأفراد، فضلًا عن تجنب الزحام، وهكذا بدا الأمر كما لو كان مشهدًا في فيلم عن نهاية العالم.

لقد أصبح الوضع كارثيًّا في إيطاليا؛ فبحلول يوم الثاني عشر من مارس كان عدد الحالات المصابة قد بلغ نحو 12000 حالة، بينما وصل تعداد الضحايا إلى نحو 800 حالة وفاة، ومنذ يومَين فقط، قام رئيس الوزراء الإيطالي جوزيبي كونتي، بتوقيع مرسوم حكومي مفاده ضرورة الالتزام بالبقاء في المنازل، وهو ما يعد أكثر التدابير الحكومية صرامةً حتى الآن، وذلك على أمل احتواء الوباء قبل فوات الأوان.

شاهد: فيديوغراف.. “كورونا” يعطِّل الشعائر الدينية عالميًّا

وهكذا دخلت إيطاليا حالة من الاحتجاز الذاتي الكامل؛ وهي الخطوة الأولى من نوعها منذ عقود التي تتخذها دولة توصف بكونها بلدًا صناعيًّا، حيث حرَّم المرسوم الحكومي أية تحركات خارج المنازل إلا في حالات الطوارئ؛ أي أن أولئك الذين يمتلكون وثيقة رسمية تثبت حالة الاستثناء هم المصرح لهم وحدهم بالخروج، ومن ثَمَّ بدأ رجال الشرطة في توقيف المارة ومطالبتهم بإظهار تلك الوثائق. وعلاوة على ذلك، تضمَّن المرسوم إلزامًا بعدم الوجود في تجمعات دون اتخاذ مسافة المتر الواحد القانونية عن الأفراد المحيطين.

أحد رجال الشرطة يفحص وثيقة الطوارئ للخروج من المنزل- ميلانو مارس 2020

وفي ليلة الحادي عشر من مارس، كان قد تم اتخاذ تدابير وقائية جديدة من شأنها إغلاق المتاجر والمطاعم والمقاهي والبارات، وتم الاكتفاء بالسماح لمتاجر البقالة والصيدليات فقط بمتابعة أعمالها، وذلك بشرط عدم السماح بدخول الزبائن إلا في أعداد قليلة تجنبًا للزحام؛ أي أنه عليك الانتظار خارج الأبواب حتى يحين دورك، كما تم تعليق الشعائر الدينية التي تقتضي وجود الناس في جماعات مزدحمة كصلاة الجمعة لدى المسلمين، وذلك مع السماح بزيارة دور العبادة شريطة الالتزام بمسافة المتر الواحد القانونية؛ وهو ما يعني أن المواطنين الذين سيتعرضون إلى الوفاة لن يتمتعوا بطقوس دفن لائقة؛ فساعتها لن يتمكن أقاربهم من حضور مراسم الجنازة.

غير قادرين على التضحية

وعلى الرغم من صرامة تلك التدابير؛ فإنها ليست كافية لمنع انتشار المرض، حيث يرجع ذلك إلى سببَين رئيسيَّين؛ أولهما ما يمتاز به فيروس (كوفيد 19) المستجد من قدرة على الانتشار السريع بسهولة بالغة، كما أن ملايين الناس ما زالوا يقومون بالذهاب لأداء أعمالهم؛ وهو ما يعني إمكانية حدوث العدوى من شخص لآخر. بينما يعود السبب الثاني إلى بعض المشكلات التي ينبغي علاجها اجتماعيًّا، وهو عدم قدرة كثيرين على تقديم التضحية بأي مكتسبات ولو بالقليل منها، ولدينا بعض الأمثلة التي تعضد ذلك.

اقرأ أيضًا: “كورونا” يخلِّف آثارًا عميقة على الاقتصاد وخطوط الطيران

في عشية الثامن من مارس الجاري، كان يتم التخطيط لإصدار المرسوم الرئاسي، وهكذا بدأت وسائل الإعلام تتحدث قبل ذلك بساعات حول إمكانية منع السفر من وإلى لومباردي، وهي المدينة التي سجَّلت أكبر تعدادٍ في حالات الإصابة؛ ما قاد آلاف الأشخاص المنتمين إلى الجنوب الإيطالي ويعيشون في مدينة ميلانو، إلى الإسراع إلى محطة القطار في جماعات كبيرة، وفي مشهد عبثي ازدحموا لاتخاذ آخر قطار متجه إلى الجنوب؛ على أمل العودة إلى ديارهم قبل تنفيذ القرار. ولا شك أن تصرفًا كذاك لم يخلُ من عدم تحمُّل للمسؤولية؛ فبتبنِّي سلوك كهذا تم إفساد المنافع التي كان سيجلبها قرار منع السفر، مع الأخذ في الاعتبار أن هؤلاء الناس لم يفكروا في أنهم سوف يتسببون في الضرر لأهاليهم في الجنوب.

محطة سكة حديد تورينو بورتا فارغة- تورينو- إيطاليا 10 مارس 2020

ولعل ما زاد الأمور سوءًا هو ما حدث مؤخرًا في السجون؛ فإيطاليا تختبر الآن حالة من تفشِّي أعمال الشغب في نحو 27 سجنًا منتشرة حول البلاد؛ وهو ما تسبب في مقتل 12 سجينًا، كما تمكن نحو 50 آخرين من الهرب في سجن فودجا بمدينة بوليا؛ لكن الشرطة نجحت في استعادتهم سريعًا.. يحدث ذلك على خلفية فرض تدابير الطوارئ على السجون؛ كتعليق الزيارات العائلية للمساجين بغرض الحد من انتقال المرض إلى داخل أسوار السجن.

اقرأ أيضًا: تفشِّي “كورونا” يرافقه صعود في كراهية الأجانب والعنصرية ضد الآسيويين

وعلى المساجين أن يظهروا الآن قبل أي وقت لاحق استعدادهم لتقديم بعض التضحيات على غرار ما يقوم به المواطنون في الخارج؛ فعدم قدرة المساجين بشكلٍ مؤقت على رؤية ذويهم ليس إلا أمرًا هينًا في سبيل الحفاظ على السلامة العامة، لكنَّ كثيرين منهم لا يرغبون في إظهار أي استعداد للتعاون؛ حيث تفاقم الأمر بقيام كثير من أُسرهم بالتجمع في الشوارع لمساندة أعمال الشغب.

هنالك الآلاف من الناس ممن لم يعوا بعد خطورة الموقف، ولم يتفهموا بعد أن الالتزام بالمنازل ليس إلا وسيلةً للحد من تداعيات الوباء؛ فباحترام ذلك القرار سنسمح للمستشفيات بمباشرة أعمالها على نحو صحيح، ولا شك أن تقليص احتمالات الإصابة بين الناس سيتيح من الوقت والمساحة للمستشفيات لمساعدة هؤلاء الذين يحتاجون إلى المساعدة. والملاهي الليلية هي الأخرى ما زالت تكتظ بالبشر، بينما لا يتأخر الشباب عن إظهار اعتراضهم على محاولات الحكومة تقييد رغبتهم في الحصول على المتعة.

سجناء يحملون لافتة كُتب عليها “العفو” على سطح سجن سان فيتوري- إيطاليا مارس 2020

وهناك إجراءات ربما لا يعلم بها كثيرون قد تتخذها المستشفيات في حالة كهذه؛ ففي حالة اكتظاظ وحدات الرعاية المركزة بالمصابين يتم اللجوء إلى الاختيار من بين الحالات الوافدة، حيث يتم انتقاء الحالات الأكثر قابليةً لأن تعيش مع رفض الحالات الأخرى، ويُدعى ذلك بـ(علاج الأزمات الكبرى)، وهو الإجراء الذي ربما لم يعهده الإيطاليون من قبل؛ وهو لا يعني أي شيء إلا أن الأطباء في هذه الحالة سيضطرون إلى رفض استقبال كبار السن والأفراد الذين يحملون تاريخًا مرضيًّا سابقًا؛ لإفساح مكان للحالات الأخطر.

اقرأ أيضًا: إيطاليا.. فيروس كورونا وتجربة الاستمتاع بالخوف

إن التداعيات الأخلاقية والنفسية لأمرٍ من هذا القبيل لم يحدث مثلها في البلاد من قبل، والدولة التي تلجأ إلى الاختيار من بين الناس على أساس مَن منهم يستحق الرعاية الطبية أكثر من البقية هي دولة فاشلة، وهو الأمر القابل للتحقق لسببٍ واحد، وهو الأنانية التي يتصرف بها بعض الناس.

الجانب النبيل في الإيطاليين

وكما هي الحال في فترات الأزمات والمصائب الكبرى، يُظهر وباء كورونا أسوأ ما في الناس، وكذلك أفضل ما فيهم؛ فهناك على الجانب الآخر مَن يعملون بلا هوادة من الأطباء والممرضين وكل أفراد الفريق الطبي حول البلاد، وهكذا يضطر كلٌّ منهم إلى العمل في دوام يصل إلى 12 ساعة، مع الأخذ في الاعتبار بالاحتمالية القائمة على الدوام لتعرضهم إلى الإصابة بالمرض. وكما يفعل الأطباء هكذا يبدي بعض أصحاب الأعمال استعدادًا كبيرًا للتضحية؛ حيث قام المئات منهم بإغلاق متاجرهم ومطاعمهم ومقاهيهم حتى قبل أن يصدر قرار الإغلاق، وهكذا فضَّل هؤلاء المصلحة العامة على كسب بعض النقود.

أحد المواطنين يلتزم بالمسافة المقررة بين الأشخاص في منفذ بيع بمحطة قطار ميلانو- 2020

وأخيرًا، قرر ملايين المواطنين البقاء في منازلهم بقدر المستطاع، وكل هؤلاء الرجال والنساء الذين تبنوا هذا السلوك النبيل يعلمون أن قرار البقاء في المنزل ليس إلا كلفة بسيطة لما هو أكبر؛ حيث فضلوا الاستغناء عن ارتياد البارات والمطاعم ودور السينما وعدم الوجود في تجمعات بشكل مؤقت، وهو الأمر الذي دفع منظمة الصحة العالمية إلى الثناء على تضحيات الإيطاليين؛ لكن الأمر لا ينطبق على البعض ممن لا يرغبون في اللحاق بقطار المصلحة العامة.

التضحية الحقيقية

يرجع أصل كلمة تضحية في الإنجليزية إلى جذر لاتيني يعني “القيام بالفعل”؛ وهو ما يعني الإقدام على فعل روحي وأخلاقي قَيِّم يجلب الاحترام على صاحبه، لكن ليس جميع الناس مستعدين للقيام بالتضحيات من دون التفكير عشرات المرات. وقد يعود ذلك الأمر إلى أسباب عدة. فقد أصبح البشر شيئًا فشيئًا يميلون إلى عدم الاعتداد بالأهداف بعيدة المدى؛ لذلك يرى كثيرون أن النتائج إذا لم تكن لحظية وقابلة للتحقق الآن فهي غير ذات قيمة، ولكي نحصل على ثمار التضحيات المتعلقة باحتواء الوباء قد يحتاج الأمر إلى عدة أسابيع؛ وهو ما تحقق بالفعل في إقليم ووهان بالصين، لكن البعض يرى أن تلك مدة طويلة مقارنة بما يمكن تحقيقه بشكل لحظي.

الجيش في ساحة الدومو في ميلانو بعد أن فرضت الحكومة الحجر الصحي على شمال البلاد- 8 مارس 2020

ويرجع السبب الثاني إلى بعض المفاهيم الخاطئة عن فيروس (كوفيد 19)؛ منها المفهوم الغريب والخاطئ الذي أصبح شائعًا في الغرب، والذي ينص على أن كبار السن وحدهم هم المعرضون للوفاة على إثر الإصابة بالفيروس. وعلى الرغم مما يكتنف تلك الفكرة من بعض الصحة؛ فإن كبار السن معرضون بالفعل إلى الوفاة من جراء الفيروس بنسبة تصل إلى 14.8%، إلا أنه لا يمكننا اعتبار (كوفيد 19) نوعًا من الإنفلونزا العادية بأية حال. والأمر لا يتوقف على كبار السن؛ فكل الأفراد الذين يحملون حالات مرضية كضعف المناعة والسكري والأمراض المتعلقة بالأوعية الدموية والقلب معرضون كذلك إلى مخاطر أكبر من نظرائهم، وهو الأمر الذي يصعب توقعه كما يستحيل حصره على كبار السن.

شاهد: فيديوغراف.. الحجر الصحي والمفاهيم الخاطئة عن “كورونا”

أخيرًا، يمكننا تذكر كلمات غاندي: “الأوغاد هم الذين لا يمتلكون المقدرة على إظهار الحب، وهو الأمر الذي يمكنك من خلاله التحقق من الشخص الشجاع والشخص الجبان”. وقد حان الوقت بالنسبة إلى الإيطاليين والبشر في أي مكان على سطح الكوكب لإظهار حبهم للإنسانية والشجاعة والحكمة، وقبل أن نلجأ إلى السفسطة التي لا تشبع ولا تغني من جوع، ويمكننا أن نشير إلى أن دور الحكام هو إدارة الأمور في ظل حالات التشكك وغياب اليقين، لكن ما دور المواطنين؟ إنه تحمل المسؤولية أكثر من أي شيء آخر.

  • مديرة تحرير موقع “عين أوروبية على التطرف”

لمطالعة نسخة PDF من الدراسة: اضغط هنا

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة