الواجهة الرئيسيةشؤون دولية

“كورونا”.. تكاليف اقتصادية وسياسية ترهق الصين

التأثيرات الاقتصادية المباشرة السابقة لأزمة "كورونا" قد ينتج عنها تأثير غير مباشر على مستقبل "القوة الناعمة" الصينية، والتي أولتها الحكومة الصينية اهتمامًا كبيرًا خلال العقدَين الأخيرَين. وتعتمد الصين في تعزيز قوتها الناعمة على سياسات عدة؛ أبرزها تكثيف التفاعل المباشر بين الشعب الصيني ومختلف الشعوب والحضارات الأخرى.

كيوبوست 

لا يوجد حتى الآن لدى دارسي العلاقات الدولية أو المهتمِّين بالدراسات الصينية، اهتمامٌ كافٍ بأشكال محددة من التهديدات غير التقليدية ذات المنشأ الصيني؛ وعلى رأسها الفيروسات المعدية والقابلة للانتشار على نطاق واسع مثل فيروس “كورونا”.

وتأتي أهمية إثارة هذا القصور من ثلاثة معطيات أساسية:

الأول: أن هذه ليست المرة الأولى التي تشهد فيها الصين ظهور مثل هذا النوع من الفيروسات الوبائية القاتلة والقابلة للانتشار.

اقرأ أيضًا: فيروس كورونا يفرض تحديًا جديدًا أمام العلاقات الصينية- الأمريكية

الثاني: انتشار ظاهرة توطُّن بعض الفيروسات في أقاليم أو دول بعينها.

الثالث: موقع الصين داخل بنية الاقتصاد العالمي؛ خصوصًا في ظل الاعتماد المتبادل الكثيف بين الاقتصاد الصيني وعديد من الأقاليم العالمية؛ مما يفسح مجالًا كبيرًا لنقل أية مشكلات أو ظواهر مرضية أو “وبائية” من الصين إلى العالم.

تسييس “كورونا”

على الرغم مما يمثله “كورونا” من تهديد آني مهم واحتمال تحوّله إلى تهديد عالمي؛ نظرًا لمركزية الاقتصاد الصيني داخل الاقتصاد العالمي، فقد خضعت أزمة تفشِّي المرض لدرجة عالية من التسييس.

ومن بين أهم أنماط التسييس التي كشفت عنها الأزمة، أربعة أنماط:

اقرأ أيضًا: سباق مع الزمن لتطوير مصل مضاد لوباء الصين الجديد

الأول: أن النسخة الحالية من فيروس “كورونا” ليست سوى أحد الفيروسات المخلَّقة معمليًّا بواسطة إحدى الجهات الصينية، ضمن خطة متكررة وعمدية؛ الهدف منها إجبار الشركات الغربية والأجنبية على بيع أصولها وأسهمها والخروج من الصين. ويشير أصحاب وجهة النظر هذه إلى أن الحكومة الصينية استطاعت خلال هذه الأزمة شراء أصول وأسهم عدد كبير من الشركات الأجنبية بأسعار منخفضة.

الثاني: وفاة الطبيب الصيني “لي وينليانغ” Li Wenliang (طبيب العيون بمستشفى يوهان المركزي) في السابع من فبراير الجاري 2020. وأنصار هذا الاتجاه يذهبون إلى أن “وينليانغ” قُتِل عمدًا؛ لمنع كشف حقيقة “المؤامرة” الصينية. ويذهب بعض الروايات الأخرى ضمن الاتجاه ذاته إلى أن تخليق الفيروس كان بغرض استخدامه خارج الصين؛ لكن بسبب خطأ ما انتشر الفيروس داخل الصين.

صورة مرسومة للطبيب الصيني “لي وينليانغ”

الثالث: عودة الهجوم الإعلامي والسياسي المتبادل بين الصين والولايات المتحدة على خلفية أزمة الفيروس، بعد أن تراجعت نسبيًّا عقب توقيع البلدَين على الاتفاق التجاري في يناير 2020.

الرابع: على الرغم من الاهتمام الكبير الذي أبداه علماء أمريكيون ومعاهد أمريكية متخصصة؛ فإنه لم يتم الإعلان عن تنسيق معها من قِبَل نظيرتها الصينية. وفي المقابل، نشأ تعاون علمي صيني- روسي سريع.

التكاليف الاقتصادية والسياسية للأزمة.. كشف حساب أوَّلي

رغم وضوح التكلفة البشرية العالية للنسخة الحالية من فيروس كورونا؛ فإن تأثيرات أزمة الفيروس ليست مقتصرة على هذا الجانب، فثمة تكاليف اقتصادية باهظة أخذت في الظهور تباعًا، كما يُمكِن الحديث عن تكاليف سياسية متوقعة للأزمة.

شاهد: مخاوف في “هوبي” من التضحية بالسكان بسبب “كورونا”

1. التأثيرات الاقتصادية:

سيتركز التأثير الأكبر لأزمة “كورونا” على قطاعات التجارة العالمية والسياحة والنقلَين الجوي والبحري وأسواق الأسهم والعملات. والتأثير الأكبر سيتركز في الاقتصاد الصيني؛ خصوصًا في قطاعات السياحة، والنقل والمواصلات، والتجارة، وصناعة السيارات، والتجارة الداخلية؛ بسبب مركزية هذه القطاعات من ناحية، وبسبب القيود الضخمة التي تم فرضها على حركة النقل والتنقل الداخلي من ناحية أخرى، وهو ما سيؤثر على حجم الطلب الداخلي ذي الصلة بهذه القطاعات، وبالتالي تراجع معدل النمو الاقتصادي.

وقد اتخذت الحكومة الصينية عددًا من الإجراءات؛ بهدف احتواء تأثيرات الأزمة، كان أبرزها إعلان البنك المركز في أوائل فبراير ضخ 300 بليون يوان (نحو 43 بليون دولار أمريكي) إلى البنوك الصينية لتسهيل الدعم الائتماني للشركات والقطاعات الاقتصادية المتضررة، إلا أنه مع استمرار الأزمة وتعمُّقها فإن هذه الآلية ستظل محدودة التأثير وغير كافية؛ بسبب التراجع الضخم في حجم الطلب المحلي.

شاهد: فيديوغراف.. سرقة غريبة بسبب مخاوف تفشِّي “كورونا”

إن التأثير الأهم للأزمة سيكون من خلال تراجع الطلب الصيني على عدد من السلع الأساسية؛ وعلى رأسها النفط والمعادن، فتراجع الطلب الصيني على النفط سيقود بالضرورة إلى تراجع في متوسط أسعار النفط، ومن ثَمَّ التأثير في حجم إيرادات الدول المصدِّرة للسلعة، وعلى حجم نمو الاقتصاد العالمي ككل.

من ناحية ثانية، اضطر عديد من الشركات العالمية العاملة داخل الصين إلى تعليق أنشطتها في هذا البلد؛ ومن أهمها شركة “تويوتا” اليابانية العملاقة لصناعة السيارات، وشركة “آبل” الأمريكية للإلكترونيات.

اقرأ أيضًا: الحرب البيولوجية منذ عصر اليونان حتى “كورونا”

ومن ناحية ثالثة، لا يمكن تجاهل التأثير المتوقع للأزمة في قدرة الصين على تنفيذ مبادرة الحزام والطريق المعنونة “رؤية وخطط البناء المشترك للحزام الاقتصادي لطريق الحرير وطريق الحرير البحري للقرن الحادي والعشرين”، خلال عام 2020، وفي أكثر من وجه؛ خصوصًا قدرة الحكومة الصينية على الوفاء بالمخصصات المالية الموجهة إلى المبادرة، وقدرتها على زيادة حجم العمالة الصينية العاملة في بعض المشروعات خارج الصين.

وبشكل عام، سيتفاوت تأثير أزمة “كورونا” على الاقتصادات الدولية المختلفة تبعًا لدرجة ارتباطها بالاقتصاد الصيني.

جهود صينية طبية متواصلة – وكالات

2. التأثير في القوة الناعمة للصين:

التأثيرات الاقتصادية المباشرة السابقة لأزمة “كورونا” قد ينتج عنها تأثير غير مباشر على مستقبل “القوة الناعمة” الصينية، والتي أولتها الحكومة الصينية اهتمامًا كبيرًا خلال العقدَين الأخيرَين. وتعتمد الصين في تعزيز قوتها الناعمة على سياسات عدة؛ أبرزها تكثيف التفاعل المباشر بين الشعب الصيني ومختلف الشعوب والحضارات الأخرى، كما حددتها إحدى الوثائق المهمة حول مبادرة الحزام والطريق المعنونة “رؤية وخطط البناء المشترك للحزام الاقتصادي لطريق الحرير وطريق الحرير البحري للقرن الحادي والعشرين”، الصادرة في 25 مارس 2015 عن لجنة التنمية والإصلاح القومية، والتي تمثل واحدة من أهم الوثائق الصينية التي قدَّمت شرحًا أكثر تفصيلًا لرؤية الحكومة للمبادرة.

لقد كان واضحًا التأثير المباشر لأزمة “كورونا” على أشكال التفاعل والتواصل البشري المباشر؛ سواء داخل الصين أو خارجها. وليس من المتوقع أن ينتهي هذا التأثير بشكل سريع في ظل الإجراءات والضوابط التحوطية التي اتخذها عديد من دول العالم لقطع الطريق على انتشار الفيروس خارج الصين.

شاهد: فيديوغراف.. قفزة في وفيات “كورونا”

وهكذا، فإن هذه الأنماط من التأثيرات ستُلقي بظلالها على مصادر وأدوات تعزيز القوة الناعمة الصينية؛ الأمر الذي يفرض تحديات ضخمة على الحكومة الصينية لمحاولة تجاوز هذه الأزمة ومعالجتها، وتوصيل رسائل ذات ثقة بصعوبة تكرار أزمات كهذه مستقبلًا.

3-التأثيرات السياسية

سيظل بعض التأثيرات السياسية للأزمة مستمرًّا؛ ولعل أبرزه الطريقة التي تعاملت بها الشرطة الصينية في مدينة “ووهان” مع الطبيب “وينليانغ”، والتي أدَّت إلى تطوير جدل عام وواسع على مواقع التواصل الاجتماعي داخل الصين حول قضايا عدة؛ بدءًا من كفاءة التعامل مع تحذيرات ذات طبيعة مهنية وتتعلق بموضوع خطير مثل “كورونا”، وانتهاءً بإثارة مسألة الحريات العامة في بلد كبير كالصين.

ولا شك أن هذا الجدل سوف يترك تأثيره على درجة الثقة في بعض المؤسسات الصينية، وطريقة التعامل مع التحذيرات ذات الطبيعة المهنية، فضلًا عن الربط الذي سيتم بين ضعف الحريات العامة في الصين وكفاءة إدارة أزمات ذات طبيعة مهنية.

هكذا يبدو معظم شوارع “ووهان” الصينية – وكالات

وماذا بعد؟

من المتوقع أن تُعيد أزمة “كورونا” الراهنة طرح سؤال مركزي على الحكومة الصينية، أخذ في التردُّد مؤخرًا؛ وهو: “إلى متى ستظل الصين بيئة مواتية لنشأة الفيروسات القاتلة ذات الطبيعة الوبائية أو شبه الوبائية؟”، وهذا النوع من التساؤلات، بغض النظر عن مدى دقته أو وجاهته، سيفرض على السلطات الصينية مجموعة من الاستحقاقات والمراجعات المهمة خلال الفترة المقبلة، تطول في الأساس المبادئ والسياسات الصينية الاقتصادية الأساسية في المرحلة الراهنة؛ وعلى رأسها الالتزام الصيني بسياسة الانفتاح الاقتصادي، وسياسة العولمة المالية والاقتصادية، وتسريع عمليات الدمج والتكامل بين الاقتصاد الصيني ومختلف الأقاليم عبر مبادرة الحزام والطريق بمكونَيها البري والبحري.

للمزيد يرجى مراجعة: الصين وأزمة “كورونا”.. كشف حساب أوَّلي للتكاليف الاقتصادية والسياسية

المصدر: مركز الإمارات للسياسات

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة