الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفة

“كناشة النوادر”.. ظواهر وعادات اليوم تعود إلى الماضي

الباروكة عرفها الفنان ابن سريج في القرن الثالث الهجري بعد إصابته بالصلع.. وأول عملية لشفط الدهون كانت للصحابي المقداد بن الأسود الذي مات بسببها

كيوبوست

في كتابه «كُنّاشَة النوادر»، يستعرض محقق التراث الراحل عبدالسلام هارون، عادات وأدوات ومصطلحات من المفترض أنها معاصرة، إلا أن جذرها يضرب عميقاً في التراث العربي؛ فمثلاً من المعتقد أن الباروكة هي أداة حديثة مستوردة من الغرب، لكن في الحقيقة أن العرب ارتدوها قديماً، وكانت تسمى “الجُمَّة”، وأول مَن ارتداها كان مغنياً عزف على العود في مكة، يُدعى ابن سريج، عندما أُصيب بالصلع- ص 34.

قبل استعراض باقي الأمثلة، من المهم تفسير معنى كلمة “كُنّاشَة”؛ وهي الأصل الذي تتشعب منه الفروع، أو مجموعة أوراق تستعمل كالدفتر، واختار الكاتب اسم كتابه، بعد أن أمضى نصف قرن يبحث في التراث، جامعاً أكثر من ثلاثة آلاف مذكرة- ص7.

عبدالسلام هارون شاباً

عمليات تجميلية

 وبدأ هارون الجزء الأول من كناشته بما يراه أوليات حضارية. لقد باتت عمليات التجميل والحقن هوسَ نساء العصر، وتتعرض تلك العمليات إلى الانتقاد؛ على اعتبار أنها ظاهرة حديثة حوَّلت النساء إلى نسخٍ متشابهة، لكن في الكتاب المذكور، يشير هارون إلى أن أول عملية تجميل كانت تلك التي خضع لها الصحابي المقداد بن الأسود، الذي عُرف ببطنه الكبير، فاقترح عليه غلامه الرومي أن يشق بطنه ليخرج منها الدهون فيصبح رشيقاً.. إلا أن النتيجة لم تكن موفقة؛ إذ توفي المقداد بعد العملية وهرب الغلام، كما جاء في كتاب «الإصابة في أخبار الصحابة».

لم يقتصر التجميل على الشكل؛ بل إنه شمل تجميل العقل أيضاً، فقد عرف العرب محو الأمية في العهد الأموي؛ حيث كانوا يجبرون مَن أفلت من قيد التعليم صغيراً على أن يرجع إلى الكتَّاب كبيراً؛ ومنهم خالد بن عبدالله بن عمرو بن عثمان بن عفان، الذي حُمل إلى الكتَّاب لتعلم القرآن مع الصبيان؛ الأمر الذي أشعره بالانزعاج وتسبب في اكتئابه فمات كمداً، حسب وصف ابن حزم في كتابه «جمهرة أنساب العرب».

غلاف كتاب «كناشة النوادر»

بين الاحتفال والحداد

يثار جدل متواصل حول شرعية أعياد الميلاد؛ إذ تعتبرها فئة من المسلمين بدعة لا يجوز إقامتها، إلا أن كتاب «كناشة النوادر» ينقل عن عالم اللغة “المبرِّد” في كتابه «الكامل في اللغة والأدب»، أن المسلمين كانوا يحتفلون بأعياد ميلادهم؛ لكن بطريقة مختلفة، فمثلاً عند حلول يوم ميلاده، كان سعيد بن سلْم يعتق عبداً، ويتصدق بعشرة آلاف درهم.

والأكثر إثارة للجدل اليوم، هو احتفال المسلمين مع المسيحين بميلاد المسيح والتقاط الصور بجانب شجرة الميلاد؛ إلا أنه نقلاً عن كتاب «التحف والهدايا» للخالديين، أبي بكر وأبي عثمان الخالدي، اللذين توفيا في أواخر القرن الرابع الهجري؛ فقد كتب الحسين بن الضحاك أبيات شعر لأحمد بن يوسف، وزير الخليفة المأمون، يستهديه فيها شمعاً- ص10.

وفي سياق مناقض لموضوع الاحتفال، فإن غير المسلمين، من اليهود والمسيحين والمجوس، شاركوهم بالحداد على رابع الأئمة أحمد بن حنبل، وكان هناك أربعة مآتم؛ كل أصحاب دين لهم مأتم. أما جنازته فقد شاركت فيها آلاف النساء إلى جانب الرجال، فوصف هارون تلك المشاركة بأضخم مسيرة للنساء في التاريخ الإسلامي؛ حيث شيَّع أحمد في جنازته ثمانون ألف رجل وستون ألف امرأة. يقول هارون: “فأي حضارة هذه، وأي ضخامة تلك، وأي تنسيق وأي نظام؟”.

اقرأ أيضاً: أفضل 100 كتاب في القرن الحادي والعشرين

ظواهر حداثية

من الأمور التي تُقاس من خلالها درجة تحضُّر الشعوب، الالتزام بالطابور، وهذا ما فرضه حجَّام (محترف الحِجامة) يُدعى فرج، وفقاً لما جاء في الكتاب نقلاً عن الجاحظ في الجزء السابع من كتاب “الحيوان”، فقد نظَّم فرج زبائنه عبر طابور، دون الانحياز لمَن يدفع أكثر. ولهذا كان أهل المربد يقولون: “لا نرى الإنصاف في حانوت فرج الحجام”.

يعتقد هارون في كتابه أن العرب عرفوا السينما أو (خيال الظل) قبل 8 قرون، مستنداً بذلك إلى بيتي شعر لابن الجوزي:

رأيت خيال الظل أعظم عبرة    لمن كان في أوج الحقيقة راقي

شخوص وأشكال تمر وتنقضي   وتفنى جميعا والمحرك باقي

ومن الموضوعات التي تطرق إليها هارون في كتابه، التحذيرات الصحية على علب السجائر، قد تبدو الفكرة بنت اليوم، إلا أن التحذيرات من التدخين لها أصل تاريخي يعود إلى القرن السادس عشر الميلادي، العاشر الهجري في مصر؛ حيث يستشهد الكاتب بقول محمد بن عبد المعطي الإسحاقي، في كتابه «أخبار الأول فيمن تصرف في مصر من أرباب الدول»، عن التدخين: “وفي زمنه ظهر الدخّان، المضر بالأبدان اليابس الطباع المبطل لحركة الجماع، المسود للأسنان المهرب ملائكة الرحمن…”.

إلى جانب العادات والظواهر، يشير الكاتب إلى مصطلحات مستخدمة اليوم لها أصل في اللغة؛ فمثلاً كلمة “بطاقة” كانت تطلق على الورق، يرتكز بذلك على قول ابن عباس لمرأة استفتته في أمر، اكتبيها في بطاقة، أي رقعة صغيرة.

الإعفاء من الجندية

 ويذكر هارون في صفحة 70 أن الإعفاء من الخدمة العسكرية تختلف نُظمة وقوانينه باختلاف البلاد وأنظمتها في الوقت الحاضر. ويقول: “ومن غرائب ما سجلته كتب التراث ما أورده باقوت الحموي في معجم البلدان عند ذكر صقلية وقصبتها مدينة بلرم (أي باليرمو عاصمة صقلية): عن ابن حوقل قال: والغالب على أهل المدينة المعلمون؛ فكان في بلرم ثلاثمئة معلم، فسألت عن ذلك فقالوا: “إن المعلم لا يكلف الخروج إلى الجهاد عند صدمة العدو”.

ويقول هارون “التاريخ هو التاريخ”.

اتبعنا على تويتر من هنا

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات