الواجهة الرئيسيةشؤون دوليةشؤون عربية

كمال الحيدري وجدلية الدين والسياسية

كيوبوست

عاد الحديث مجدداً على وسائل التواصل الاجتماعي حول ما يتعرض إليه عالم الدين الشيعي المثير للجدل كمال الحيدري، والذي تضعه المخابرات الإيرانية تحت الإقامة الجبرية منذ عام 2021. وحسب مغردين، قامت السلطات الإيرانية مؤخراً بتجريد الحيدري من جواز سفره، ومنعه من السفر، وذلك بعد أن تم منعه فعلياً من إلقاء الدروس مسبقاً.

يُنظر إلى كمال الحيدري كعالم دين شيعي مستنير؛ بفضل نقده التقاليد الشيعية، والمرجعيات الدينية، ومسألة التكفير، وولاية الفقيه.. وغيرها من نصوص التراث الشيعي. من جانب آخر، يرى المعارضون للحيدري أن نقده النصوص والمبادئ الأساسية فيه فساد واعوجاج وتلاعب يخدم أعداء الدين والمذهب. كما يرى مراقبون أن أفكار الحيدري فيها تهديد واضح للسلطة الدينية والسياسية الإيرانية؛ لأنها تقوض شرعيتها في نظر الجمهور، وتبرر ما تمر به البلاد من أزمة تستوجب إجراء تعديلات دينية وسياسية جذرية لتخطيها.

اقرأ أيضاً: الثورة في إيران لن تنجح لكن التغيير قادم

وُلد كمال الحيدري في كربلاء بالعراق، ثم غادر إلى إيران لأسباب سياسية. يهتم الحيدري بفكرة الشمولية في العلوم الدينية، وفحص أفكار المذهبَين، الشيعي والسُّني؛ وهو ما يبدو واضحاً في اهتماماته التي تشمل مجالات متعددة، مثل التفسير والحديث والفقه والأصول والتصوف والفلسفة واللاهوت والأخلاق. ويمكن رؤية ذلك الاهتمام في محاضراته ومؤلفاته التي بلغت 130 عملاً. لا شك أن إعمال العقل بالنصوص الدينية وإخضاعها للمنطق هو أحد أكثر الأشياء إثارة للجدل على مر التاريخ؛ الأمر الذي يبرر الجدل الدائر حول كمال الحيدري في الوقت الراهن.

الدين والسياسة

وُلد كمال الحيدري في العراق سنة 1957. أظهر اهتماماً بتعلم أصول الفقه في فترة مبكرة، كما شارك في العديد من الأنشطة الاجتماعية والسياسية التي أدت في نهاية المطاف إلى اعتقاله من قِبل النظام العراقي، آنذاك.

نجا الحيدري من الموت الذي طال إخوته الثلاثة على يد النظام العراقي، وفرّ إلى مدينة قم الإيرانية؛ حيث استقر إلى الآن. درس الحيدري علوماً دينية متنوعة في قم، كما عمل على نقل الكثير من المعارف الشيعية إلى العالم العربي بفضل تمكنه من اللغة العربية.

بمرور الوقت، نال الحيدري مكانة وشهرة؛ حيث ظهر في برامج ولقاءات تليفزيونية عدة. كما عمل في مجال تدريس طلاب الدراسات العليا. تناول الحيدري العديد من القضايا الحساسة في الفكر الشيعي؛ من أهمها نظرية الأعلمية، والتي تُعد إحدى ركائز الفكر السياسي الشيعي في إيران.

احتجاجات في إيران ضد الحكومة.. أكتوبر 2022-  EPA-EFE/CLEMENS BILAN

يقصد بـ”الأعلمية” الشخص أو الفقيه الأكثر علماً بأمور الدين، والأقدر على الاستنباط. يتم الحُكم على الشخص أو الفقيه بأنه “الأعلم” بعدة طرق؛ منها الشيوع، أي شهرته في أوساط الجمهور، وكذلك شهادة أهل الخبرة له بالعلم. وفي حين أن معارف الأعلمية يحصرها بعض الشيعة في ما يتعلق بالحلال والحرام فقط؛ فإن آخرين يجعلونها أكثر شمولاً، أي وجوب معرفته العميقة بجميع علوم الدين، وليس الفقه فحسب. تأتي أهمية هذه النظرية من كونها أساسية لتحديد المرجعية الأعلى للشيعة، والذي تؤول قيادة الدولة الإيرانية إليه.

يُعد كمال الحيدري أحد العلماء الذين ينتقدون نظرية الأعلمية، ويصنفها ضمن الأشياء المُختلف عليها. يرى الحيدري أن الشياع؛ أي ذيوع وانتشار وشهرة شخص بـ”الأعلمية” ليست حجة كافية تستدعي أهليته بتلك المرتبة أو المكانة. كما ينتقد الحيدري شهادة أهل الخبرة بـ”الأعلمية” على اعتبار أن أهل الخبرة أساساً يجب أن يكون لديهم إلمام بكل جوانب الدين. يعتقد الحيدري أن الفقيه لا يمكن اعتباره مجتهداً، فضلاً عن اعتباره أعلم؛ وهي مرتبة أعلى، ما لم يكن ملماً بعلوم الدين.

اقرأ أيضاً: إحباط هجوم ألمانيا الكيميائي… هل من دورٍ للنظام الإيراني؟

اعتبرت وجهات نظر كمال الحيدري تشيكياً، ليس فقط في المراجع الدينية لدى الشيعة، وفي النصوص المتوارثة؛ بل أيضاً في شرعية النظام الحاكم ذاته. يعتقد المتبنيون لآراء الحيدري أن النظام الحاكم استغل المرجعية الدينية كأساس لتبرير شرعيته؛ حيث برر منح الخميني المرجعية العليا وقيادة الدولة بزعم شعبيته الواسعة، وذلك على الرغم من وجود مَن هم أعلى منه مرتبة. أما بعد وفاته، فقد آلت القيادة إلى خامنئي فقط؛ لكونه مقرباً من قائد الثورة. وهكذا، يُزعم أن النظام الإيراني بعد الثورة استغل نظرية “الأعلمية” وكيَّفها لصالحه دون وجه حق، ثم قفز عليها.

الأديان والتكفير والمذاهب

أثارت تصريحات كمال الحيدري غضب رجال الدين الشيعة؛ خصوصاً المقربين من نظام الحكم. لكن المسألة لا تقتصر على شرعية وأحقية الحصول على المراتب العلمية فحسب؛ بل امتد نقد الحيدري إلى موضوعات حساسة أخرى، مثل “التكفير”؛ الأمر الذي أثار جدلاً واسعاً.

يجادل كمال الحيدري بعدم منطقية إطلاق تهمة “الكفر” على الآخرين بمجرد الاختلاف في الدين أو المذهب. وفقاً للحيدري، فإن الشيعة يكفِّرون غيرهم، بما في ذلك السُّنة، بناء على هذا المنطق، والسُّنة يفعلون ذلك بناء على ذات المنطق، وكل صاحب دين يبني على هذا المنطق. وحتى داخل المذهب الديني الواحد يتم البناء على هذا المنطق واستغلاله؛ حيث يُقال في المذهب الشيعي -مثلاً- إن مَن لا يؤمنون بـ”ولاية الفقيه” ليسوا على شيء، بينما يقول مَن ينكر “ولاية الفقيه” إن مَن يؤمن بهذه الولاية “ليس على شيء”.

علي الخامنئي المرشد الأعلى للثورة الإيرانية- AP

وهكذا، كما يُفهم من خطاب الحيدري، ينخرط العالم -بتأييد من المؤسسة الدينية- في قضايا التكفير وخطاب الكراهية الذي لا يؤدي إلا إلى المزيد من إراقة الدماء وعدم الاستقرار. تم اعتبار هذه الآراء مغلوطة، وأن فيها تضليلاً وتدليساً، واستهدافاً واضحاً للنظام الإيراني والمرجعية الدينية والتراث الشيعي؛ بل عدّ بعضهم أن الحيدري ربما يروج لـ”دين جديد” ويخدم أجندة وأهدافاً خارجية.

روابط وقراءات

لطالما كانت الروابط بين الدين والفلسفة والسياسة مثار جدل على مر العصور. يقدم الفلاسفة -إلى الآن- العديد من وجهات النظر المختلفة حول تلك الروابط وآثارها على المجتمع، وربما لا يعدو الحيدري كونه أحد الفلاسفة الذين منحته آراء سابقيه ومعاصريه الإلهامَ والعزمَ على خوض غمار جدلية الدين والسياسة والفلسفة؛ حيث ألَّف الحيدري العديد من الكتب الفلسفية والعقائدية والدينية، مثل كتاب “فلسفة الدين” وكتاب “السلطة وصناعة الوضع والتأويل” و”مدخل إلى منهاج المعرفة عند الإسلاميين” وعشرات الكتب الأخرى.

اقرأ أيضاً: المغرب يفضح إيران.. تُشعل النيران وتقوِّض الأمان

يُوصف الحيدري بأنه قارئ نهم لفلاسفة مثل بيركلي ودوكينز وديكارت وفوكو وكانط ونيتشه وراسل وفيتجنشتاين.. وغيرهم. لدى كل واحد من أولئك آراء مختلفة في العلاقات التي تربط الدين والسياسية والفلسفة؛ كثير من تلك الآراء مثير للاهتمام، إلا أنها لا تقدم إجابة قاطعة واحدة؛ وهذا ما يمنحها إثارتها وجدليتها.

يرى دوكينز -على سبيل المثال- أن الدين هو شكل من أشكال السيطرة السياسية، ويعتقد فوكو أن السلطة هي الشغل الشاغل لكل من الدين والسياسة، وينتقد نيتشه كلاً من الدين والسياسة ويراهما شكلَين للسيطرة والقمع. أما كانط فيرى أن الدين مسألة خاصة لا ينبغي تسييسها، كما يرى ديكارت أن الفلسفة يجب أن تكون لها الأسبقية على الإيمان الديني.

وبينما يعطي الفيلسوف راسل نظرة أكثر إيجابية لدور الدين في الحياة العامة، يجادل فيتجنشتاين بأن المعتقد الديني لا يمكن تبريره منطقياً، إلا أن له نوعاً خاصاً من الشرعية. كما يؤكد كل من نيتشه وفوكو أن المؤسسات الدينية تدعم هياكل السلطة التي تضر في النهاية بالأفراد. بناء على ذلك، على ما يبدو، يقدم كمال الحيدري وجهة نظره الداعية إلى النظر إلى النصوص الدينية المتوارثة من خلال إعمال العقل والمنطق، ويقترح مقاربات ومبادئ مختلفة لا تسلم من التعارض مع الاعتقاد السائد لدى العلماء، أو الاعتقاد الذي ترغب المؤسسة الدينية والسياسية أن يعتنقه الآخرون.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة