شؤون عربية

كل ما يلزمك معرفته عن ثاني أقدم أسرة حاكمة في العالم

تاريخ العائلة الملكية من القرن الـ13 حتى اليوم

كيو بوست – كتب رشيد العزوزي

تعد العائلة التي ينتمي إليها محمد السادس، الملك الثالث والعشرون للسلالة العلوية، ثاني أقدم أسرة حاكمة في العالم، بعد عرش الإمبراطور الياباني، ما يجعل من فلسفة حكمها تنطلق من اعتبارات تتجاوز المنطوق الدستوري إلى جوانب مستمدة من الثقافة السياسية السائدة، اعتمادًا على شرعية تقليدية حديثة.

 

جذور الأسرة الحاكمة في المغرب

تمتد جذور الأسرة العلوية الحاكمة حاليًا في المغرب إلى علي بن أبي طالب، إذ هاجر أجدادهم خلال القرن الـ13 من “منطقة ينبع” في الحجاز في المملكة العربية السعودية الحالية، واستقروا في الجنوب الشرقي للمغرب.

عرفوا بأسرة الشرفاء السجلماسيين؛ نسبة إلى مدينة (سجلماسة) التي أسست عام 757 ميلادية، وكانت عاصمة لإقليم تافيلالت، قبل أن تتحول قاعدة الإقليم إلى مدينة الريصاني. وقد أكسبهم نسبهم الشريف احترام السكان، كما استفادوا من الأهمية التجارية للمنطقة باعتبارها من الطرق الرئيسة للتجارة الصحراوية وقتها.

وتحدثنا المصادر التاريخية بأن جدّ العلويين، الحسن بن القاسم بن محمد، “الحسن الداخل”، قد نزل بسجلماسة عام 664 هجرية (1265 م) خلال حكم الدولة المرينية، واستقر فيها، إلى أن وافته المنية بأرضها عام 676 هـ (1277 م).

وحسب وثائق تاريخية عدة، فإن سبب قدوم الحسن بن القاسم بن محمد إلى المغرب راجع بالأساس إلى رغبة وطلب وفد حجي سجلماسي وجود شخصية من آل البيت النبوي في سجلماسة للتبرك به، فاتصل الوفد بشريف “ينبع النخل”، المولى قاسم بن محمد، أحد كبار شرفاء الحجاز دينًا ووجاهة، وطلبوا منه أن يرسل معهم أحد أولاده الثمانية إلى بلادهم تكريمًا وتشريفًا لهم، فاستجاب الشيخ الشريف لطلب الوفد، واختار من أولاده الحسن الداخل، بصفته الأقدر على تمثيل الأخلاق النبوية والأريحية الهاشمية، في المغرب الأقصى المعروف بحب وتمجيد آل البيت، رضي الله عنهم.

 

من السلطنة إلى الملكية

النسب الشريف كان في البداية هبة دينية، لكن سرعان ما أصبح شيئًا مقدسًا، فنظام سياسي سيتحول فيما بعد إلى سلطنة استمرت بهذا الشكل في الحكم حتى مطلع القرن الـ20، معولة في ذلك على الجند والإداريين ورجال الدين لقمع حركات التمرد الداخلية، وتحصين نفوذها من جهة، ومن أخرى صد استفزازات الجيران الأوروبيين للحفاظ على استقلال البلاد وخدمة العباد، كشرط من شروط البيعة في تاريخ المغرب باعتبارها “دستورًا” لتأسيس الدولة.

والبيعة بتعريف ابن خلدون هي “العهد على الطاعة، كأن المبايع يعاهد أميره على أنه يسلم له النظر في أمر نفسه وأمور المسلمين، لا ينازعه في شيء من ذلك، ويطيعه فيما يكلفه به من الأمر على المنشط والمكره”.

وبفعل الاتصال المباشر للمغرب مع أوروبا، خصوصًا فرنسا وإسبانيا وإنجلترا، تأثرت بنى النظام الاجتماعية والثقافية خلال القرن الـ19، إلا أن البناء السياسي ظل عصيًا على التحديث، بل إن الأوروبيين الذين كانوا يخدمون السلطان عبد العزيز واصلوا تقليد المغاربة في الركوع له، كما كان مختلف المقيمين العامين يلبسون لباسًا مخزنيًا، وينادون السلطان بـ”سيدنا” تقليدًا للمغاربة، لدرجة استغرب هو نفسه (السلطان)، كيف للأوربيين أن يحيوه بهذه الطريقة الغريبة عن ثقافتهم السياسية.

سيكون لهذه الثقافة (الغربية) بالغ الأثر في تحديث الإدارة والمؤسسة المخزنية، مع رجوع البعثات التعليمية المغربية التي أرسلها السلطان الحسن الأول (1873-1894) إلى بلدان أوروبا الغربية، ومن خلال فرض الحماية الفرنسية عام 1912، التي تحدث بندها الأول عن إصلاح وعصرنة المجالات القضائية والتعليمية والمالية والعسكرية، دون أن يتعارض ذلك مع تقليد احترام سيادة السلطان والحفاظ على العقيدة الإسلامية.

وكان أهل الحل والعقد من بورجوازية فاسية وقادة وعلماء ووجهاء وشيوخ قبائل وزايا قد لعبوا أدوارًا سياسية مهمة في حكم البلاد وخدمة الرعية، تسهيلًا لمهمة السلطان في الحكم. وستشهد عشرينيات القرن الماضي بزوغ جماعات وتنظيمات سياسية، بعد عقد على دخول فرنسا المغرب، ومن رحمها ستولد أحزاب سياسية حديثة شبيهة بما عرفه الغرب.

نشأت الأحزاب السياسية المغربية كرد فعل على السياسات المنتهجة من قبل سلطات الحماية؛ سواء كانت فرنسية أو إسبانية، لذلك شكلت منذ البداية الإطار التنظيمي للحركة الوطنية المغربية، وهو ما يمكن اعتباره تحولًا كبيرًا في فكر وممارسة النخبة الحضرية؛ بتأسيس إطار أقرب ما يكون إلى الحزب تحت اسم “كتلة العمل الوطني” عام 1934، إضافة إلى أحزاب أخرى أهمها حزب الاستقلال الذي تأسس عام 1944، وقدم حينها وثيقة المطالبة بالاستقلال، بعدما كان سقف المطالب لا يتجاوز الإصلاح.

أحزاب أعادت للسلطان هبته السياسية والدينية لتجاوز الأمر الواقع الذي فرضه الاحتلال، من خلال قمع وتعذيب وتنكيل بالشرفاء، ومحاولة خلق شرخ وهوة بين العرش والشعب بنفي محمد الخامس خارج الوطن عام 1953، وإحداث فراغ مؤسساتي لم يتعود عليه المغاربة، الذين ألفوا مفهوم الدولة وقيمة النظام منذ الأدارسة 171 هـ (788 م)، لإرباك الوطنيين في علاقتهم بقواعدهم وبالسلطان الرمز الجامع للأمة.

كان ذلك مسعىً فشلت فيه سلطات الحماية الفرنسية والإسبانية، فالسلطان محمد الخامس عاد أقوى من قبل، وحظى بعطف الشعب المغربي كله، ليشرع في إرساء اللبنات الأولى لمستقبل البلاد سياسيًا، وتحقيق نقلة نوعية تمثلت في أول دستور للمغرب عام 1962، سيتحدث عن “الملكية” للمرة الأولى.

وحسب المفكر المغربي سعيد بن سعيد: “النقلة الكبرى من «سلطان المغرب» -الذي لم يكن بالضرورة في صلة التحام مع «الشعب» المغربي- إلى «ملك المغرب» الذي يجسد السيادة الوطنية ويمثل الأمة المغربية… تعني الانتقال من تصور سياسي للسلطة والدولة والحكم، هو ذاك الذي كان الشأن عليه ليلة استعمار المغرب، وكان الحال عليه في عهود متصلة يسِمُها العصر الوسيط بميسمه، إلى وجود سياسي معاصر تتحدد فيه للسلطة السياسية وظائف واضحة يكون المجتمع فيها تعاقدًا اجتماعيًا واضحًا دقيقًا، وتكون في الملكية نظام ملكية دستورية واضحة الأركان دقيقة الملامح”.

 

ملامح الملكية ووزنها في النظام السياسي المغربي

يعتبر نظام الحكم في المغرب ملكية دستورية، ديمقراطية، برلمانية، اجتماعية، تقوم على أساس فصل السلطات، وتوازنها وتعاونها، وعلى الديمقراطية المواطِنة والتشاركية، مع ربط المسؤولية بالمحاسبة، ضمن إطار عام يمزج بين الدين والتاريخ ومواكبة روح العصر.

وقد دسترت هذه الاعتبارات في الفصلين 41 و42 من دستور 2011: “الملك أمير المؤمنين وحامي حمى الملة والدين، والضامن لحرية ممارسة الشؤون الدينية… الملك رئيس الدولة وممثلها الأسمى، ورمز وحدة الأمة، وضامن دوام الدولة واستمرارها، والحكم الأسمى بين مؤسساتها، يسهر على احترام الدستور، وحسن سير المؤسسات الدستورية. الملك هو ضامن استقلال البلاد وحوزة المملكة في دائرتها الحقة”.

ويجسد ملك المغرب، حسب المفكر محمد نور الدين أفاية، 3 وظائف اجتماعية وسياسية: “فهو شريف” سليل نبي الإسلام، و”خليفة” أي “أمير المؤمنين” مع ما يفترضه ذلك من احتكار للإنتاج الرمزي على صعيد المجال العمومي، ومن “استجابة” من طرف المؤمن. علاوة على ذلك، هو سلطان يرأس مؤسسة “المخزن” ويحكم الناس، ويترك إدارة أمورهم للجهاز البيروقراطي. ويقدَّم الملك، بصفته “الأب الأسمى” الحريص على مصالح وتطلعات أبنائه، القادر على تأديبهم ومعاقبتهم عند الاقتضاء. وقد كان الملك الحسن الثاني حريصًا، في كل مناسبة، على تأكيد وصايته “الأبوية” على كل المغاربة. ولم يكن يتردد أبدًا في الإصرار على المحافظة على هذا الدور.

ومع ذلك، فإن ثقل المشروعية التاريخية ورمزيتها في هندسة السلطة السياسية في المغرب لا يحول دون وجود حداثة سياسية، لأن البلاد اعتمدت مجموعة من الأفكار الحداثية، وسلسلة من التدابير التحديثية، لعل أهمها اعتماد آلية دستورية في الحكم منذ عام 1962، عدلت سنوات 1970، و1972، و1992، و1996، و2011 كدليل على حيوية الأحزاب السياسية خلال السنوات الماضية، وحركية المجتمع المدني، وتفاعل المؤسسة الملكية مع القواعد، خصوصًا أنها استندت جميعها إلى مبدأ فصل السلطات، واعترفت منذ عام 1992 بحقوق الإنسان كما هو متعارف عليها دوليًا.

هذا الإرث التاريخي وهذا المسار التحديثي للملكية في المغرب جعل لها مكانة خاصة في النظام السياسي، وشعبية جارفة في قلب المغاربة، ما جعل سقف مطالب قوى يسارية -يصفها البعض بالراديكالية- هو “الملكية البرلمانية”، لأنها تعي الأدوار التي لعبتها مؤسسة إمارة المؤمنين في تاريخ المغرب، والأدوار التي تلعبها الملكية حاليًا، القادرة على لعبها في المستقبل تحت شعار التغيير في إطار الاستمرارية.

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة