الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفة

كلينت إيستوود.. الشاب الذي ولد بعد السبعين

كيوبوست-  أندرو محسن

إن كنت من مواليد الخمسينيات، فعلى الأرجح كان كلينت إيستوود أحد نجوم مرحلة مراهقتك، أما إن كنت من مواليد الألفية الجديدة، ففي الغالب كان اسم كلينت إيستوود يتردد كثيراً على مسامعك قبل أن تشاهد عملاً أو عدة أعمال له، ليصبح أحد الوجوه التي لا تستطيع نسيانها.

إذا كنت من عشاق الأفلام التجارية، فكلينت إيستوود سيكون حاضراً كأحد أشهر رموز مرحلة أفلام رعاة البقر (Cowboy). أما إن كنت متخصصاً في الأفلام الفنية (Art-house)، فبالتأكيد لن تخلو قائمة أفلامك المفضلة من فيلم أو أكثر للمخرج المميز كلينت إيستوود. وإن كنت من محبي موسيقى الأفلام، فإحدى أشهر المقطوعات الموسيقية في تاريخ السينما مرتبطة بفيلم من بطولته وهو “The Good, The Bad and the Ugly” (الطيب والشرس والقبيح) (1966)، للمخرج سيرجيو ليون، ووضع له الموسيقى إنيو موريكوني.

اقرأ أيضًا:  أفضل 25 ممثلا في القرن الـ21

باختصار غير مخل، إن كنت متابعاً لفن السينما فأنت تعرف مَن هو كلينت إيستوود.

العبارة السابقة يمكن أن نطلقها على عدد قليل جداً من الأسماء في تاريخ السينما؛ فالأمر ليست له علاقة بالموهبة والقيمة فقط، بل بالشهرة أيضاً، وليست الشهرة وحدها كذلك؛ بل الاستمرارية في إثارة حالة من الحماس عند معرفة أن هناك فيلماً جديداً له، سواء كممثل أو مخرج. قبل أن ننسى نحن نتحدث عن رجل عمره 92 سنة.

في الحقيقة يمكن كتابة الكثير جداً عنه؛ حتى إنه يبدو من الصعب اختيار سياق واحد للمقال، ولهذا فضلنا التركيز على مسيرته كمخرج في السطور التالية.

The Good, The Bad and the Ugly

لاعب نجم.. مدرب نجم

هناك مقولة شهيرة في عالم كرة القدم، إنه من الصعب أن يصبح اللاعب النجم مدربًا نجماً؛ بمعنى آخر أن مَن يتألق كلاعب من الصعب أن يواصل التألق نفسه عندما يصبح مدرباً، ليس من الضرورة أن يصبح مدرباً سيئاً؛ لكنه لن يكون بنفس مستوى تميزه كلاعب.. يمكن أن تمتد هذه المقولة إلى السينما.

هل يمكنك -عزيزي القارئ- أن تتذكر اسم فنان مارسَ الإخراج والتمثيل بالتوازي وحقق نفس الاحتفاء في كليهما؟ على الأرجح لن تجد. بعض المخرجين يلعبون أدواراً فقط في الأفلام التي يُخرجونها، والتي عادة ما ترتبط بهم كمخرجين وليس كممثلين؛ حتى لو نال أداؤهم إشادة، مثل المصري يوسف شاهين، الذي مثَّل أدواراً قليلة في بعض أفلامه، أو الفرنسي جاك تاتي، الذي كان بطلاً لأفلامه.

اقرأ أيضًا: محاكمة متهمي شيكاغو السبعة… The Trial of the Chicago 7

ربما كان الاستثناء الأبرز من نصيب تشارلي شابلن، الذي استمر مخرجاً وممثلاً في أغلب مسيرته، وصنع أفلاماً تلقت الإشادة في الجانبَين، وإن كان منذ بدأ مبكراً في إخراج أفلامه بنفسه، توقف عن الظهور كممثل في أفلام من إخراج آخرين، وهو ما لم يفعله إيستوود.

في حوار معه في مهرجان كان في دورته السبعين، ذكر إيستوود أنه عندما وافق المنتج على أن يُخرج أول أفلامه “Play Misty for Me” (شغَّل لي مقطوعة ميستي) (1971)، أخبره وكيله بأنه -المنتج- لن يدفع له أجراً إضافياً نظير الإخراج، بينما علَّق هو بأنه كان على وشك أن يدفع للمنتج مالاً لأنه منحه فرصة الإخراج للمرة الأولى. ربما لم يكن أحد يتوقع من هذا الممثل الوسيم النجم أن يصبح مخرجاً ذا شأن.

إيستوود الخارج من ثوب أفلام الغرب الأمريكي ورعاة البقر، يختار عملاً بعيداً عن هذا النوع الذي اشتهر به، ليخوض تجربته الإخراجية الأولى؛ إذ ينتمي “ميستي” إلى نوع التشويق. رغم أنهما لم يعملا معاً قط، فإننا بسهولة سنجد تأثراً كبيراً بأسلوب المخرج الكبير ألفريد هيتشكوك، الذي كان يُطلَق عليه “أستاذ التشويق”.

Play Misty for Me

حقق الفيلم نجاحاً جيداً عند عرضه، على مستويي الجمهور والنقاد، وهذا رغم أن إيستوود يكسر خلاله صورته النمطية كبطل يحمل مسدساً طوال الوقت ويطيح بجميع الرجال الآخرين، على العكس نراه هنا مهدداً في الكثير من المشاهد، ولا يملك زمام الأمور كما هي العادة، والشخصية الشريرة أمامه هي امرأة، عكس المعتاد أيضاً في أفلام الغرب الأمريكي. باختصار؛ نجح إيستوود، صاحب الـ41 عاماً آنذاك، في كسر عدة قواعد في هذا الفيلم. قدم عملاً أول جيداً له كمخرج، واتخذ خطوة مختلفة كممثل.

منذ ذلك الوقت وحتى الآن، استمر إيستوود في القيام بالدورَين بنجاحٍ لافت.

ينجز فيلمَين وأكثر

توجد مقولة لأحد المخرجين “من الصعب على المخرج أن ينجز فيلمَين”، والمقصود هنا ليس الكم؛ ولكن الأفكار والتنوع، فعادة ما يكون المخرج صاحب هم أو فكرة ما تظهر بشكل مختلف خلال أعماله. بالتأكيد يمكننا أن نلاحظ بعض الأمور والهموم المتكررة في أفلام إيستوود؛ لكننا في الآن ذاته لن نستطيع تجاهل حجم التنوع الكبير على مستوع الكم والنوع في أعماله.

اقرأ أيضًا:  وثائقي “نقطة التحوُّل: هجمات 11 سبتمبر والحرب على الإرهاب”

خلال مسيرته الممتدة أنجز إيستوود 39 فيلماً طويلاً كمخرج؛ أولها عام 1971 كما ذكرنا، وأحدثها هو “Cry Macho” (بكاء الرجل القوي) عام 2021، ورغم أن عدد الأفلام الشهيرة التي قدمها قبل بداية الألفية الجديدة أقل من تلك التي قدمها بعدها، فإن الأولى لا تقل -إن لم تفُق- أهمية عن أفلامه الأحدث.

لكننا لن نتحدث عن هذا الكم الكبير من الأفلام؛ بل عن التنوع النادر فيها. بينما كان فيلمه الأول من نوع التشويق كما ذكرنا، فإنه لم يتوقف عند هذا النوع؛ بل مر على الكثير جداً من الأنواع السينمائية. بالطبع قدم النوع الذي صنع شهرته كممثل، رعاة البقر، في عدة أفلام؛ أبرزها بالتأكيد “Unforgiven” (لا يُغتفر) (1992)، وقدم الرومانسية في “The Bridges of Madison County” (جسور مقاطعة كاونتي) (1995)، وأفلام الحرب في (Flags of Our Fathers) (رايات آبائنا) (2006)، والمأساة في “Million Dollar Baby” (طفلة المليون دولار) (2004)، وهذه العناوين على سبيل الأمثلة فقط.

Million Dollar Baby

اللافت هنا ليس الغزارة وحدها؛ بل أمران آخران في غاية الأهمية:

الأول هو قدرته على تفهم كل نوع بشكل منفصل، وإحساس عاشق حقيقي للسينما، شاهَد الكثير من الأفلام وأدرك قواعدها فأصبح بإمكانه أن يطور ويجدد في الأنواع التي يقدمها ويتحرك فيها بسلاسة نادرة. ليست لديه مشكلة أن يقدم فيلماً تدور الكثير من أحداثه في أماكن محدودة؛ مثل “جسور مقاطعة كاونتي” أو تقديم فيلم حربي تاريخي ذي ميزانية ضخمة؛ مثل “رايات آبائنا”، في كلا الفيلمَين سنشاهد كيف يوظف الكاميرا لخدمة النوع الذي يقدمه.

ربما يمكننا أن نشعر بهذا الإحساس والدقة في تقديم النوع في فيلمه الشهير “طفلة المليون دولار”، هذا الفيلم مأساوي بامتياز؛ لكنه في الآن ذاته من الأفلام الرياضية، ولا يخلو من مشاهد مباريات الملاكمة. مَن يشاهد مشاهد التدريبات والملاكمة في الفيلم فعلى الأرجح سيستمتع بها كما يستمتع بها في سلسلة أفلام “روكي”؛ لكن إيستوود لا يريد لفيلمه أن يكون فيلماً تقليدياً عن صعود وهبوط بطل رياضي، ولهذا يمنح قيمة أكبر للمشاهد التي لا تدور في أروقة صالة الرياضة، بالذات في الفصل الأخير من الفيلم، ويختار أن تكون صورة الفيلم أشبه بأفلام النوار القديمة، مستغلاً حالة الصراع الداخلي المستمرة في داخل البطل ليعكسها بشكل أكبر من خلال الإضاءة. هذا المزج المتزن بين أنواع وأشكال سينمائية مختلفة لا يأتي إلا من مخرج يدرك جماليات وتفرد كل نوع على حدة.

اقرأ أيضًا: محاكمة متهمي شيكاغو السبعة… The Trial of the Chicago 7

الأمر الآخر والأخير الذي نود الإشارة إليه هو الروح الشابة الدائمة لدى هذا الرجل. بنظرة سريعة على تاريخه، سنجد أنه أنجز مجموعة من أبرز أفلامه بعدما تجاوز السبعين بالفعل! أفلام مثل “Mystic River” (النهر الغامض) (2003)، و”طفلة المليون دولار” و”Letters from Iwo Jima” (رسائل من إيو جيما) (2006)، جميعها جاءت بعدما تجاوز السبعين من عمره؛ ومنها أعمال قد يمضي مخرجون مسيرتهم بالكامل ولا يصنعون مثلها. وكانت نتيجة هذا الإبداع أن ترشح أيضاً بعد السبعين لـ8 جوائز أوسكار في فئات مختلفة، حصل على اثنتين منها بالفعل.

كما ذكرنا في البداية، مقال واحد لا يكفي بالتأكيد للحديث عن هذا الرجل؛ فما سبق يمكن أن يكون بمثابة مقدمة فقط للكثير الذي يمكن أن يُكتب عنه. تجدر الإشارة -بما أننا تطرقنا إلى جزئية السن- إلى أن فنانين آخرين يتقاعدون أو يقل إبداعهم مع التقدم في السن، بينما يمكننا القول إن كلينت إيستوود ولد مجدداً بعمر السبعين.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات