الواجهة الرئيسيةشؤون دولية

كليانثيث كيرياكيديس لـ”كيوبوست”: تركيا تخالف مجلس الأمن وتسعى لتغيير الأنظمة بالقوة

في مقابلةٍ مع "كيوبوست" تحدث مدير برنامج ماجستير العلوم الدبلوماسية بكلية الأمن والدراسات العالمية في الجامعة الأمريكية بالإمارات عن التحركات التركية الأخيرة في قبرص وتداعياتها على استقرار المنطقة

كيوبوست

كليانثيث كيرياكيديس

قال د.كليانثيث كيرياكيديس؛ أستاذ الدراسات الأمنية والاستراتيجية، إن التحركات التركية في قبرص تهدد استمرار الوحدة الأوروبية، في ظلِّ استمرار الانتهاكات التي تقوم بها أنقرة دون القدرة على اتخاذ موقف صارم ضدها.

وأضاف كيرياكيديس، الذي يشغل منصب مدير برنامج ماجستير العلوم الدبلوماسية، بكلية الأمن والدراسات العالمية في الجامعة الأمريكية بالإمارات، أن تركيا تحت حكم أردوغان تحولت إلى دولة عدوانية تسعى لتغيير الأنظمة، وتخالف قرارات مجلس الأمن، وتحاول فقط إيجاد مبررات لانتهاكاتها.. وإلى نص الحوار..

* كيف تنظر إلى التحركات التركية في قبرص؟

– لا تختلف تحركات تركيا في قبرص عن تحركاتها في شرق المتوسط؛ فتركيا تحت حكم أردوغان هي دولة عدوانية تسعى لتغيير الأنظمة، وتتجاهل القانون الدولي بشكلٍ كامل، والأهم من ذلك، كما رأينا في سوريا والعراق وقطر وليبيا وناغورنو كاراباخ.. وغيرها، فإن تركيا تريد التدخل في كل مكان، وتريد أن تصبح القوة المهيمنة حتى ولو كان تدخلها غير قانوني أو مخالفاً لنصيحة حلفائها في حلف شمال الأطلسي. وعلاوة على ذلك، كان خطاب أردوغان تجاه القادة الذين حاولوا منعه من القيام بتحركات غير قانونية في قبرص، خطاباً متعجرفاً ومثيراً للسخرية. المثير في الأمر هو أن تركيا تعرف أنها تنتهك قرارات مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، وتحاول فقط إيجاد مبررات لهذه الانتهاكات!

قبرص تقول إن تنقيب تركيا عن الغاز في شرقي المتوسط يثبت طموحاتها التوسعية- “تايمز أوف إسرائيل”

* كيف يمكن لقبرص واليونان مواجهة هذه التحركات؟

– قبرص واليونان قادرتان على مواجهة التحركات التركية بمساعدة الأصدقاء والحلفاء الذين هم أيضاً ضحايا السلوك التركي أو على الأقل منزعجون منه؛ يمكن لأثينا أن تبدأ بإغلاق القنصلية التركية في تراقيا الغربية، وصولاً إلى قطع العلاقات الدبلوماسية مع الدولة التركية المنبوذة. ويجب على الاتحاد الأوروبي -في نهاية المطاف- فرض عقوبات شديدة على تركيا؛ فأنقرة لن تعيد تقييم تحركاتها إلا إذا تألمت بشدة سياسياً واقتصادياً، ويمكن لمقاطعة البضائع التركية أن تكون خطوة أولى، ويمكن تصعيد الضغط إلى حد منع المواطنين الأتراك من دخول الاتحاد الأوروبي من خلال تشديد إجراءات حصولهم على تأشيرة الدخول الأوروبية.

في الوقت الراهن، ليس من الحكمة استخدام القوة العسكرية؛ ولكن الاتحاد الأوروبي مع شركائه الاستراتيجيين -الإمارات العربية المتحدة، ومصر، والمملكة العربية السعودية- يمكنهم إنشاء قوة بحرية دائمة في البحر المتوسط؛ لحماية مصالحهم من الانتهاكات التركية للقانون الدولي.

اقرأ أيضاً: لماذا يبحث أردوغان عن إحياء الصراع في قبرص؟

* هل تعتقد أن التحركات الدبلوماسية ستكون كافية؟

– تركيا قررت أن تتصرف بتلك الطريقة؛ لأنها أكثر الدول تنمراً في الساحة الدولية، واختبرت ردود أفعال القوى الإقليمية وحتى القوى العظمى على أفعالها ووجدت أنها كانت معتدلة؛ بل إنني أقول إنها كانت خطوات استرضاء. فعندما تطلق تركيا النار على طائرة روسية، وتدعم الإخوان المسلمين، وتنتهك باستمرار المجال الجوي اليوناني من دون أي رد فعل عسكري من قِبل اليونان، وعندما تهدد أثينا بالحرب في حال مارست حقوقها وفقاً للقانون الدولي -توسيع مياهها الدولية إلى 12 ميلاً- وعندما تشتري صواريخ “إس-400″، وهي عضو في حلف شمال الأطلسي، من دون أية عواقب، فإنها سوف تفترض أنه سيكون هنالك مجال للتسوية مع بقية الدول التي تريد تجنب المواجهة، وعندئذ يجب أن تكون الخطوات الدبلوماسية متبوعة بالضغط الاقتصادي، وإذا لم يكن ذلك مجدياً فبالضغط العسكري.

* برأيك، لماذا قررت تركيا التحرك الآن وما تأثير ذلك على العلاقات المتوترة أصلاً معها؟

– إن توقيت تحركها غير مهم؛ فتركيا تقوم بخطوة عدوانية تلو الأخرى، وتحاول تدريجياً تغيير الوضع الدولي الراهن. ويجب ملاحظة أن الداعمين الرئيسيين لتحركات أنقرة في الجزيرة هم ليسوا القبارصة الأتراك؛ ولكنْ المستوطنون الأتراك الذين يشكلون غالبية السكان في الأراضي المحتلة في شمال قبرص.

العلاقات اليونانية- التركية عملياً غير موجودة؛ فهنالك أنقرة العدوانية القوية التي دائماً ما تطالب اليونان بتقديم التنازلات، وبالمقابل هناك اليونان التي ترغب في تجنب الحرب، وتحاول أن تواجه عن طريق الدبلوماسية، لا يمكنك أن تقيم علاقات جيدة مع جار يتنمر عليك طوال الوقت، ويريد أن يسرق نصف ممتلكاتك! علاوة على ذلك، فتركيا تلعب بالنار منذ أن مارست أثينا ضبط النفس طوال عقود من الزمن.

مظاهرات في شمالي قبرص- أرشيف

وبالتالي، فأنا لا أرى أي متسع لأي تدهور إضافي في العلاقات، وذلك ببساطة لأنه في الواقع لا توجد علاقات بينهما، ووضع كهذا لا يمكن أن يتدهور أكثر على الأرض حتى لو قطعت العلاقات الدبلوماسية بين البلدَين، وأنا لا أرى أي جدوى في الوقت الراهن من وجود علاقات دبلوماسية مع تركيا.

ومع ذلك، فقد يقول البعض إن هذا الوضع ربما يؤدي إلى الحرب؛ ولكني أعتقد أن كلا البلدَين يدرك أن هذا الأمر لن يكون في مصلحتهما، كما أن العديد من الأطراف المعنية الأخرى -مثل دول حلف شمال الأطلسي- سوف تحاول منع مثل هذا التطور بكل تأكيد.

اقرأ أيضاً: أردوغان في مهب العقوبات الأوروبية بسبب قبرص

* ما الدور الذي يمكن أن يلعبه الاتحاد الأوروبي؟ وما تأثير الإجراءات التركية على الاتحاد الأوروبي؟

– لقد كانت سياسات الاتحاد الأوروبي مخيبة للأمل، وباستثناء دول منفردة -أبرزها فرنسا- لا يوجد تضامن مع اليونان أو قبرص؛ وهذا خطأ ربما يؤدي في نهاية المطاف إلى زوال الاتحاد الأوروبي الذي ولد من حلم إنشاء أوروبا الموحدة، التضامن والسياسات المبنية على القيم المشتركة هي حجر الزاوية في الاتحاد الأوروبي. وبذلك فإن فشل الاتحاد الأوروبي في تقديم الدعم الكامل إلى اثنتين من الدول الأعضاء فيه -قبرص واليونان- في مواجهة حالة واضحة لانتهاك القانون الدولي من قِبل دولة ثالثة سيكون أمراً في غاية الخطورة.

يمكن للاتحاد الأوروبي أن يمارس ضغوطاً كبيرة على أنقرة؛ لا سيما في ظل اقتصادها الضعيف. ولسوء الحظ لا توجد سياسة العصا والجزرة مع تركيا حتى الآن؛ بل سياسة الجزرة والمزيد من الجزر. وهذا ما يزيد من غرور أردوغان وتحدياته؛ ولذلك فإن السياسات الأوروبية يجب أن تتغير على الفور.

فرنسا انتقدت استفزازات أردوغان بعد تصريحات قبرص بشأن الدولتين- “فرانس 24”

* ما السبب في رأيك وراء كون فرنسا أكثر الدول تفاعلاً؟ وما سبب صمت ألمانيا؟ هل الأمر مرتبط بالانتخابات؟

– لطالما كانت فرنسا الدولة التي ترغب في الاندماج السياسي الكامل للاتحاد الأوروبي، ووجود سياسة خارجية ودفاعية مشتركة، ومع ذلك فإن موقف فرنسا الصريح إلى جانب اليونان وقبرص ليس مسألة مبدأ فقط؛ فعلاقاتها مع مصر والتحركات التركية العدوانية في ليبيا، والهجمات اللفظية الشخصية من أردوغان على الرئيس ماكرون، هي من بين العوامل التي قادت إلى هذه النتيجة. الانتخابات تلعب دوراً؛ ولكني أعتقد أن فرنسا كانت لتفعل الشيء نفسه حتى بعد الانتخابات مباشرة.

بالنسبة إلى ألمانيا، وفي ظلِّ وجود نحو ثلاثة ملايين مواطن من أصل تركي، فالوضع مختلف؛ فهم قادرون على لعب دور حاسم في الانتخابات، وفي جميع الأحوال فإن جميع القادة الألمان يريدون السلام في الداخل، ولذلك فهم لا يرغبون في استفزاز هؤلاء المواطنين الذين لطالما كان ولاؤهم لأنقرة وليس لبرلين، وأعتقد جازماً أن مستقبل الاتحاد الأوروبي بعد خروج بريطانيا منه يعتمد على محور برلين- باريس، وأنا أرى أنهم غير قادرين على التوصل إلى اتفاق حول ما يجب فعله مع أردوغان وتحركاته العدوانية.

اقرأ أيضاً: رئيس قبرص: تركيا تستفيد من توتر العلاقات بين الناتو وروسيا

* ما الموقف الأمريكي تجاه التحركات التركية؟ وهل ستقف واشنطن مع اليونان وقبرص؟

– واشنطن تريد الاستقرار في المنطقة، وفي وجود قضايا عالقة في بحر جنوب الصين، وبالطبع في منطقة الخليج والشرق الأوسط بشكل عام، فإن آخر ما تريده واشنطن هو أن ترى مواجهة بين اثنين من أقوى حلفائها في حلف شمال الأطلسي في جنوب أوروبا، ومع ذلك فإن هذه هي المرة الأولى في التاريخ التي يعتبر فيها الحياد الأمريكي حياداً إيجابياً تجاه اليونان، وذلك لأسبابٍ عديدة؛ منها صفقة صواريخ “إس 400” والدعم التركي المعلن للإخوان المسلمين، مما يجعل واشنطن أكثر ميلاً تجاه أثينا.

علاوة على ذلك، اتخذ الرئيس الأمريكي جو بايدن، مبادرات تتعلق بقبرص؛ خصوصاً فاماغوستا -مدينة تقع على الساحل الشرقي لقبرص، تعتبر بمثابة منطقة عازلة بين شطري قبرص- عندما كان نائباً للرئيس، وكانت أفكاره معاكسة تماماً للتحركات التركية، ولذلك يمكن التعويل على دعم واشنطن الشفهي والإدانة الشفهية لتركيا؛ ولكن لا أعتقد أن الولايات المتحدة ستكون راغبة في الانخراط أكثر في النزاع بين اليونان وقبرص وتركيا.

فاماغوستا.. المنطقة العازلة بين شطرَي قبرص- أرشيف

* هل ستكون هناك أية مساومات حول الوضع في البحر المتوسط؟

– الدبلوماسية في جوهرها هي مساومة كبيرة، وتركيا جيدة جداً في ذلك. وربما ستستخدم قضية فاماغوستا كورقة للمساومة لتحسين موقفها، سواء في ما يتعلق بالقضية القبرصية أو أية قضية أخرى. الأمريكيون والأوروبيون حريصون بالقدر نفسه على تخفيف حدة التوتر والمساومة في ما يتعلق بالقضايا الأكثر أهمية بالنسبة إليهم -اللاجئين، وقضية الهجرة غير النظامية، والعلاقات التركية/ الروسية، وغيرها- لعبة الطاقة الكبيرة وآليات الاستكشاف هي في جميع الأحوال المشكلة الأهم التي يجب حلها؛ لذلك ربما سنشهد تحركات غير متوقعة في المستقبل والتي قد تبدو غير منطقية، ولكن قد تكون نتيجة جهود دبلوماسية سرية، وصفقات من خلف الكواليس.

اقرأ أيضاً: تركيا تستهدف قبرص واليونان بهجمات إلكترونية واسعة

*ما موقف مصر وإسرائيل وحلفاء قبرص واليونان العرب؟ هل يمكن أن يشكلوا أداة ضغط قوية وفعالة؟

– هنالك شراكة استراتيجية مع اليونان وقبرص، تبدأ بمبادئ مكافحة الإرهاب وعدم التدخل في شؤون الدول الأخرى التي لا تتسامح مع السلوك التركي؛ خصوصاً دعم الإخوان المسلمين، كما توجد مصالح مشتركة أخرى بينها في ليبيا، وهي لن تقبل بأن تكون تركيا “قوة إقليمية كبرى”، وقد دعمت هذه الدول بالفعل قبرص واليونان دبلوماسياً وعسكرياً واقتصادياً.

بصراحة، لقد كانت الدول العربية أكثر دعماً وثباتاً في سلوكها من دول الاتحاد الأوروبي، ومصر كانت الدولة التي وقعت اتفاقية المنطقة الاقتصادية الخالصة مع اليونان، والتي ألغت بحكم الأمر الواقع اتفاقية السراج- أردوغان المشابهة وغير القانونية. أما بالنسبة إلى إسرائيل فالوضع مختلف؛ فاليونان كانت على الدوام في طليعة الداعمين لفلسطين، ولديها علاقات دبلوماسية رمزية، ولم يكن هنالك تبادل للزيارات الرسمية عالية المستوى قبل عام 2010. بالإضافة إلى أن تركيا لديها شراكة استراتيجية مع تل أبيب.

في العقد الأخير، تحسنت العلاقة اليونانية- الإسرائيلية بشكل كبير، بينما تدهورت العلاقات التركية- الإسرائيلية. وتل أبيب ملتزمة بدعم اليونان وقبرص في هذه الأزمة أو أية مشكلة أخرى قد تنشأ بين هذه الدول، وتركيا في المستقبل المنظور، وبالتالي فإن الدول المذكورة أعلاه يمكن أن تكون أداة ضغط قوية على الدولة التركية التوسعية والعدوانية.

اقرأ أيضاً: لقاء سري بين قطر وإسرائيل في قبرص

* هل يسعى أردوغان إلى كسب المزيد من أصوات الناخبين من خلال تحركاته العدوانية تجاه قبرص؟

– تركيا دولة تعاني انقساماتٍ كبيرة وتوترات، وأي تحرك في قبرص أو ضد اليونان سوف يؤدي إلى تجميع المزيد من الدعم والقبول بسبب المشاعر القومية المتطرفة عند جزء كبير من الأتراك؛ خصوصاً بين الكماليين -أعداء أردوغان التقليديين- وعلى كل حال فلا ينبغي المبالغة في تقييم تأثير الدعم السياسي الداخلي على سلوك أردوغان؛ لأنه كان عدوانياً وغير متسق منذ أن كان مسيطراً على المشهد السياسي التركي، ولم يكن فيه بحاجة إلى أي “تصويت على الثقة”.

لقراءة الأصل الإنكليزي: Kyriakidis for Q-posts

 اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

كيو بوست

صحفي، عضو نقابة الصحفيين المصريين، ومعد تليفزيوني. خريج كلية الإعلام جامعة القاهرة، حاصل على دبلوم في الدراسات الإسرائيلية من كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة، ودبلوم في الدراسات الإفريقية من كلية الدراسات الإفريقية العليا. وباحث ماجستير في العلاقات الدولية. عمل في العديد من المواقع والصحف العربية؛ منها: (المصري اليوم)، (الشروق)، (إيلاف)، بالإضافة إلى قنوات تليفزيونية منها mbc، وcbc.

مقالات ذات صلة