ترجماتثقافة ومعرفةمجتمع

طبيب أمراض قلب: كذبة كبرى غيرت مفهوم الموت

الموت ليس حقيقة بيولوجية، بل خيار اجتماعي!

ترجمة كيو بوست عن نيو يورك تايمز

بقلم طبيب أمراض القلب سانديب جوهر.

كيف يمكن تعريف الموت؟ تأمل الفلاسفة والأطباء هذا السؤال كثيرًا، ومع ذلك لم يجدوا إجابة شافية على الإطلاق.

في معظم فترات التاريخ الإنساني، كان الموت مرادفًا لتوقف القلب عن النبض. مع ذلك، هناك الكثير من المرضى الذين تنبض قلوبهم لكنهم يبدون كالموتى، فهل يمكن أن نسمي هؤلاء موتى؟

اقرأ أيضًا: أحدث الأبحاث العلمية تجيب: هل ثبت وجود حياة ما بعد الموت؟

قبل 50 سنة، حاولت لجنة من جامعة هارفارد أن تجد إجابة مقنعة لهذا السؤال. قائد اللجنة، هينري بيشر، الخبير البيولوجي، كان مدفوعًا بالرغبة في حل ألغاز المرضى غير الواعين “الموت السريري”، الذين تزايدت أعدادهم بشكل واضح، بحسب ما كتب.

وكتبت لجنة د. بيشر في تقريرها المعنون “تعريف الغيبوبة بدون رجعة” حول تعريف حالة جديدة من الموت هي “موت الدماغ”، التي يصبح فيها المريض غير واع، ولا يستجيب للألم، ولا يستطيع التنفس بدون مساعدة خارجية، ولا توجد لديه أي نوع من ردات الفعل (مثل تفاعل بؤبؤ العين مع الضوء وغيره).

كانت هذه الظروف تشير إلى وجود خلل في جذع الدماغ لا يمكن الشفاء منه. وقالت اللجنة إن هؤلاء المرضى متوفون فعليًا، ويجوز للأطباء أن يعلنوا ذلك صراحة.

وكان التشخيص يشتمل على استخدام اختبارات إضافية مثل المسح المسطح للموجات الدماغية أو تصوير الأوعية الدموية التي تظهر عدم وجود تدفق للدم إلى الدماغ.

اقرأ أيضًا: علميًا: أين يذهب الإنسانُ بعد الوفاة؟

وقد جرى قبول مفهوم اللجنة حول الموت الدماغي على نطاق واسع في الولايات المتحدة والبلدان الأخرى، وكان يعلن عن الوفاة بسبب توقف القلب عن النبض أو بسبب توقف الأدمغة عن العمل، حتى لو كان الدم لا يزال يتدفق في الأوعية الدموية في الجسد.

وعلى إثر ذلك، رفع الأطباء الأجهزة عن مرضى الموت الدماغي، وأعلنوا وفاتهم بشكل رسمي، خصوصًا أن عدم تضرر باقي أعضاء الجسد بفعل تدفق الدم ساهم في إعادة زراعتها والاستفادة منها في عمليات علاج حالات أخرى عبر زراعة الأعضاء السليمة لهم.

يعتقد بعض الأطباء بأن زراعة الأعضاء كانت الهدف الحقيقي وراء تقرير لجنة هارفارد؛ فقد كتبت اللجنة في مسودة التقرير النهائي: “هناك حاجة للحصول على أنسجة المتوفين دماغيًا وأعضائهم من أجل زراعتها في أجساد الآخرين الذين يمكن إنقاذ حياتهم”. ورغم أن هذه الجملة لم تظهر في التقرير النهائي، إلا أن التقرير كان السبب الرئيس في بداية توسع عمليات زراعة الكبد والرئة والقلب.

اقرأ أيضًا: كيف نظرت الثقافات القديمة إلى الموت؟

بعد تقرير اللجنة، ازداد عدد الأعضاء المزروعة حول العالم بشكل كبير جدًا، ما أسهم في إنقاذ حياة الكثير من المرضى، فيما يقدم الأفراد الموتى دماغيًا معظم الأعضاء المزروعة في الولايات المتحدة.

على كل حال، ظل مفهوم الموت الدماغي مثيرًا للجدل في كثير من الأحيان؛ فقد رفضت مجموعة من الطوائف والأديان الأمر لأسباب دينية أو ثقافية. ولكن بغض النظر عن ذلك، يظل هذا الأمر غير مقنع تمامًا لأن بعض أولئك الذين لم تجرِ إزالة الأجهزة عنهم عاشوا بعد أشهر أو سنوات، ونجوا من “الموت الدماغي”. وأثبتت التجارب أن هؤلاء يستمرون في الوظائف الجسدية؛ إذ تستمر بشرتهم بالدفء فترة طويلة، وقد يستمرون في النمو أو الحيض أو حتى الولادة.

وهكذا، قد يختلف تعريف الموت بحسب ما نقرر نحن، وهذا من شأنه أن يذكرنا بأن تعريف الموت هو من صنع الإنسان بالكامل؛ فقد وضعنا عتبة بين الأحياء والأموات، وقمنا بذلك بناء على تغييرات بيولوجية وأخلاقية.

كل ذلك يوصلنا إلى حقيقة واحدة هي: الموت ليس حقيقة بيولوجية بسيطة، بقدر ما هو خيار اجتماعي!

اقرأ أيضًا: تجربة الاقتراب من الموت: العلماء يفسرون ما وراء هذه الظاهرة المحيرة

 

المصدر: نيو يورك تايمز

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة