الواجهة الرئيسيةشؤون عربية

كتاب مترجم: هكذا جنّدت المخابرات البريطانية جماعات الإسلام السياسي

قراءة في كتاب: "العلاقات السرية-التحالف البريطاني مع الإسلام السلفي"

قراءة- كيو بست

تعتبر حركة الإخوان المسلمين تنظيماً عابراً لفكرة “الوطن”، وأن جهدها منصب في خدمة مشروعها الخاص، ولذلك تنقلّت منذ نشأتها، وغيرت تحالفاتها بما يخدم ذلك المشروع. ففي كتاب الصحفي البريطاني مارك كيتس “العلاقات السرية- التحالف البريطاني مع الإسلام السلفي”، أوضح ومن خلال وثائق المخابرات البريطانية أن الإخوان منذ بداية 1942 تلقوا تمويلاً مادياً من المخابرات البريطانية، لمواجهة أعدائهم من الحركات الشيوعية والوطنية داخل مصر، والتي ناهضت الاستعمار البريطاني. ويستخدم “كيتس” في كتابه مصطلح “لندن ستان” كتوصيف لتحوّل العاصمة البريطانية منذ بداية التسعينيات إلى مقر دائم للإسلاميين المتطرفيين، إذ رخصّت لهم فضائيات وجمعيات دعوية، فيما تستخدمهم بريطانيا في ضرب أعداءهم، وتوجيههم في مهاجمة الأنظمة التي تحاول الخروج عن سياق السياسة البريطانية.

الوجود البريطاني الطويل في المنطقة العربية جعلها أكثر خبرة في التعامل مع الأقليات، والأحزاب العربية، وحتى عندما غادرت المنطقة العربية، فقد تركت وراءها وطناً عربياً مقسّماً إلى دويلات، بحدود متنازع عليها، حتى تضمن استمرار الخلافات العربية، تطبيقًا لاستراتيجيتها “فرّق تسد”، التي انتهجتها منذ أن كانت الشمس لا تغيب عن أرض الأمبروطورية العظمى.

في كتاب مارك كورتيس الصادر بالانجليزية في 2010، يذكر الكاتب اقتباسات من الوثائق البريطانية، عن مدى الدعم البريطاني للإخوان المسلمين أثناء احتلال مصر في الإربعينات، وأنه “سيتم دفع الإعانات لجماعة الإخوان المسلمين سراً من جانب الحكومة المصرية، فيما يطلبون بعض المساعدات المالية في هذا الشأن من السفارة البريطانية”. ويرجع الكاتب أسباب هذا الدعم، إلى محاولة خلق منافسين للقوى الشيوعية والوطنية على الساحة المصرية، والذين كانت مطالبهم واضحة في مناهضة الاستعمار البريطاني.

وبعد نجاح ثورة الضباط الأحرار بقيادة جمال عبد الناصر، تحالف الإخوان مع النظام الجديد، أملاً منهم في تسلّم السلطة، إلّا أن اختلافهم مع عبد الناصر، وقيام النظام الجمهوري بإجراء سلسلة من عمليات التأميم ودعم حركات التحرر، والمد القومي، وإجلاء الجيش البريطاني عن قناة السويس وتأميمها، جعلت بريطانيا تنظر للإخوان على أنهم معارضة مفيدة لها ضد النظام الحاكم الذي له طموحات قومية، وكثّف مسؤولوها اجتماعاتهم مع قيادة الإخوان. والتي كان يقودها “ترفيور إيفانز” المسؤول بالسفارة البريطانية في القاهرة.

وبحسب مارك كورتيس، فقد كانت بريطانيا ترى بأن الحركات السلفية والأصولية أقرب لمشروعها الاستعماري من النظام القومي، فقد استخدمتهم أداة لضرب النظام الناصري، وحتى بعد وفاة عبد الناصر، وتولي أنور السادات الحكم، فقد استخدمهم الأخير أيضاً في ضرب الحركات العلمانية والقومية والوطنية داخل مصر، لتثبيت أركان حكمه، مع وعودات منه بأن يحقق أحلامهم القديمة بإشراكهم في الحكم.

 

“لندن ستان” ما أشبه اليوم بالبارحة

استخدم الكاتب وصف “لندن ستان” على منوال  “أفغانستان” التي سيطرت عليها الحركات السلفية؛ وحولتها لبؤرة إرهابية ومستنقع من الاقتتال والفوضى.

تسامحت بريطانيا منذ التسعينيات مع إقامة المتطرفين على أرضيها، إلى درجة إقامة مساعدين لابن لادن فيها، ومن خلالها نشروا بيانات القاعدة إلى كافة أنحاء العالم. كما تعاملت بريطانيا مع المتشددين القادمين من العالم العربي، لاستخدامهم في مهاجمة الأنظمة التي تعاديها، فقد تواصلت مع متشددين عراقيين وليبيين وسوريين ومصريين، من منطلق أن الإسلام المتطرف كان ولا يزال مفيداً لبريطانيا، لأنه وبحسب الكاتب، قائم على “زواج مصالح” مفيد للمخططين البريطانيين، بداية من دعم ما سميّ بالجهاد المقدّس ضد السوفييت في أفغانستان، إلى أن تحولت لندن في التسعينيات إلى مقر الجهاد العالمي.

ويمضي الكاتب إلى أن اعتماد بريطانيا على الإسلاميين المتطرفين يرجع إلى الماضي، عندما كانت تريد السيطرة على موارد وثروات الدول، أو إلى ضرب وقلب الأنظمة القومية فيها.

ويستشهد بأمثلة معاصرة من “زواج المصالح” بين بريطانيا والإسلاميين من كافة مذاهبهم، فأثناء احتلال العراق، تولّت القوات البريطانية السيطرة على الجنوب العراقي، حيث تكثر حركات الإسلام السياسي من المذهب الشيعي، وذلك لمقدرتها الفذّة وخبرتها في اختراق الأصوليين، وخرجت بريطانيا من هناك، بأقل الخسائر، ولكنها تركت المنطقة لـ”المجلس الإسلامي الأعلى”.

وبالعودة لمنتصف القرن الماضي، وفي الفترة التي سبقت العدوان الثلاثي على مصر بثلاث سنوات، والتي كانت ضد تأميم قناة السويس، خاضت القوى الاستعمارية الغربية حرباً مشابهة ضد حكومة “محمد مصدّق” في إيران، الذي قام بتأميم صناعة النفط في بلده، مما سبب ضرراً كبيراً لشركات النفط البريطانية والأمريكية، فقامت المخابرات الغربية بدعم احتجاجات شعبية ضده، وشملت هذه العملية استخدام جماعة آية الله سيد قاشاني مؤسس حركة أنصار الإسلام، وهي حركة أصولية مسلّحة، وقامت الدول الغربية المتضررة من التأميم بتمويل المظاهرات ضد حكومة مصدّق، حتى الإطاحة به في نفس العام، ووضعه تحت الإقامة الجبرية، بل أن بريطانيا، وبحسب الكاتب، ناقشت في ذلك الوقت احتمال اختيار قاشاني كقائد بديل للبلاد.

ولا يفصل الكاتب بين تلك المؤامرات القديمة، التي استخدم فيها متطرفون لخدمة بريطانيا، وغيرها مما يحدث حديثاً في الشرق الأوسط، وأضاف “تكشف ملفات حكومية نزعت عنها صفة السرية عن أن مخططين بريطانيين أدركوا أن المتعاونين معهم من الإسلاميين ورغم أنهم معادون للغرب، إلا أنهم دخلوا فيما هو أشبه بزواج مصالح لتحقيق أهداف قصيرة الأجل”، وكل ذلك مرتبط بخدمة مصالح السياسة الخارجية البريطانية.

ويطرح الكاتب تساؤلاً عن مغزى دخول بريطانيا في “تحالف عالمي ضد الإرهاب” بعد أحداث 11 سبتمبر، وهي تستضيف وترعى كوادره وقيادته لمصالحها، إذ يقول: “الحرب ضد الإرهاب” كانت ضد “أهداف معينة” تحددها بريطانيا وأمريكا، وتسير بما يتماشى مع مصالحهما!

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة