الواجهة الرئيسيةشؤون دولية

كتاب «انقلاب تركيا».. قصة الديمقراطية والاستبداد في أرض مقسمة

عن صعود وسقوط عدنان مندريس المثل الأعلى لأردوغان

كيوبوست 

في ربيع عام 2016، ذهب كاتب الرحلات جيريمي سيل، إلى تركيا؛ للتحقيق في أكثر الأحداث دراماتيكية وكشفاً في تاريخ البلاد؛ وهو الانقلاب “الأصلي” عام 1960، والذي أطاح برئيس الوزراء عدنان مندريس؛ حيث نجد قصة مندريس، من مؤيديه المناصرين إلى أعدائه اللدودين، ضارباً في قلب العداء الذي لا يزال يحتدم بين الطموحات الغربية والعلمانية لنخبة الأقلية، والغرائز الدينية والمحافظة للأغلبية.

ويعد كتاب «انقلاب تركيا.. قصة الديمقراطية والاستبداد في أرض مقسّمة» سرداً مثيراً للأحداث التي أدت إلى المحاكمات والإعدامات التي أعقبت ذلك؛ وهي قصة سلسلة من الحيل السياسية وتصفية الحسابات ودراما قاعات المحاكم وإعدام الدولة والتعصب الاستبدادي والانقسام الأيديولوجي. وقد سافر سيل عبر تركيا التي يقودها الرئيس أردوغان، يتتبع روايات شهود العيان من الناجين من حقبة مندريس في إسطنبول المدينة التاريخية، وفي أنقرة العاصمة الجديدة. وبينما يرشدنا بخبرة عبر هذه القصة غير العادية، فإن أوجه الشبه بين الماضي والحاضر تصبح واضحة بشكلٍ مذهل.

ويتمركز الكتاب حول سيرة زعيم تركي شعبوي يقوم باستغلال الدين، ويتسم بقدرٍ متزايد من التعصب، ويواجه تمرداً من قِـبل قواته المسلحة رغم أنه أول رئيس وزراء تركي منتخب بحرية. إلا أن أوجه الشبه اليوم مع الزعيم الحالي رجب طيب أردوغان، واضحة للغاية. ولم يكن مندريس، الذي حكم تركيا من 1950 إلى 1960، معروفاً خارج البلاد؛ لكنه يُعد مثلاً أعلى للرئيس أردوغان ومؤيديه. وقد وصفه أردوغان بـ”البطل”، في خطابه، العام الماضي، في الجزيرة التي أُعدم فيها مندريس بعد انقلابٍ عسكري.

غلاف كتاب «انقلاب تركيا.. قصة الديمقراطية والاستبداد في أرض مقسّمة»

وكان مندريس عضواً في حزب الشعب الجمهوري، الذي أسسه مصطفى كمال أتاتورك، الأب المؤسس المبجل لتركيا. ويكتب سيل أن الحزب الحاكم “لم يبدِ اهتماماً كبيراً بإخراج القرويين في تركيا من فقرهم التاريخي”. ولدى سيل وجهة نظر ثاقبة لقصةٍ جيدة؛ حيث يسلط الضوء على قصة اقتراب مندريس من الموت في حادث تحطم طائرة جاتويك واستقباله الصاخب في محطة قطار أنقرة من قِبل أنصاره الذين أحضروا الأغنام لذبحها عند قدمَيه.

اقرأ أيضاً: جامعة مرموقة في إسطنبول تقاوم نفوذ أردوغان

فمندريس، هو مزارع قطن سابق طُرد من حزب الشعب الجمهوري بعد تحريضه على إجراء إصلاحاتٍ جذرية، وقدم نفسه على أنه رجل الشعب. وقد تمت مكافأة حزبه الديمقراطي الذي تم تشكيله حديثاً بانتصار ساحق في أول انتخابات ديمقراطية في البلاد، والتي أجريت عام 1950. وشرع رئيس الوزراء في سلسلةٍ من مشروعات البنية التحتية، وشق الطرق، وتوفير المياه عبر الأنابيب إلى المناطق الريفية. كما ألغى القيود التي فرضها أتاتورك العلماني المخلص على الإسلام، وقام ببناء المساجد، وإعادة فتح المدارس الدينية.

وأدى قانون الصحافة التعسفي الذي اعتُمد في العام التالي إلى اعتقال صبي يوزع الصحف بسبب ندائه بأحد العناوين الرئيسية، ووصل السخط بين الطلاب والمثقفين والجيش إلى ذروته في مايو 1960 عندما استولت القوات المسلحة على السلطة. وبعد محاكمة، أُرسل رئيس الوزراء السابق -مع اثنين من وزرائه- إلى المشنقة.

أردوغان يزور ضريح عدنان مندريس ويوصي بتجديده- أرشيف

ويحمل كتاب «انقلاب تركيا» تذكيراً بأن أردوغان هو أحد أعراض وسبب المشكلات الحالية التي تعانيها البلاد؛ فهو عبارة عن سردٍ مقنع لصعود وسقوط مندريس، وجزء من سيرة ذاتية، وكذلك جزء من حكاية رحلة مُحب لتركيا هو جيريمي سيل، الذي نشر كتابَين سابقَين عن البلاد. وفي بعض الأحيان يُشعرك الكاتب بأنه أفرط في الاعتماد على عدد من المصادر التاريخية الأجنبية؛ مثل أرشيف صحيفة “التايمز” ووزارة الخارجية البريطانية، إلا أنها تتميز أيضاً بمقابلاتٍ تفاعلية مع شخصيات من عصر مندريس؛ بما في ذلك ضابط عسكري شاب، أصبح الآن رجلاً عجوزاً، وهو الذي قام بتصوير الزعيم السابق في أضعف حالاته بينما كان يحرس زنزانته في السجن.

اقرأ أيضاً: نوايا أردوغان السلطوية تقف خلف المطالبة بـ”دستور جديد”

وتكمُن أعظم نقاط القوة التي يتمتع بها الكتاب في كونه شهادة على عمق بؤرة الاستبداد التي تمتد عبر تاريخ تركيا؛ وهو تذكير بأن أردوغان يشكل أحد أعراض المشكلات الحالية للبلاد، فضلاً عن كونه سبباً فيها. ويجادل سيل بأن انقلاب عام 1960 شكل سابقة “كارثية” كانت هي الأولى من بين أربعة انقلابات ناجحة، والعديد من المحاولات الفاشلة الأخرى؛ بما في ذلك محاولة دموية في يوليو 2016 للإطاحة بأردوغان نفسه.

ويشير جيرمي سيل إلى أن الرئيس التركي يستعير بشكل مباشر من مثله الأعلى سياسياً حين يتذرع، بشكلٍ يومي، بإرادة الشعب؛ لتبرير معاملته القاسية لمن يعارضونه. وفي معرض مناقشة استخدام مندريس هذا المصطلح، يستشهد سيل بالسفير البريطاني في ذلك الوقت، الذي أعرب عن أسفه لأن الكثيرين في تركيا “وجدوا أنه من الطبيعي أن تستخدم السلطة السياسية التي تم الفوز بها في الانتخابات لحرمان الآخرين من ممارسة الحقوق الديمقراطية”. وربما تجاوز عمر هذه الملاحظة ستين عاماً؛ لكن من الممكن أن نقول بكل سهولة إنها ما زالت حقيقة ظاهرة اليوم.

بطاقة الكتاب:

  • كتاب: «انقلاب تركيا.. قصة الديمقراطية والاستبداد والانتقام في أرض مقسمة»
  • المؤلف: جيريمي سيل
  • دار النشر: فينتاج ديجيتال
  • تاريخ النشر: فبراير 2021
  • عدد الصفحات: 345 صفحة

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة