اسرائيلياتترجماتشؤون عربيةفلسطينيات

كاتب بريطاني: السيطرة الإسرائيلية على القدس الشرقية تدخل مرحلة الحسم

حرب الاستنزاف الإسرائيلية ضد القدس تنتقل من التدرج إلى العمل الفوري

ترجمة كيو بوست عن مجلة “غلوبال رسيرتش” الكندية

بقلم الكاتب البريطاني البارز جوناثان كوك

منح الرئيس التشيكي ميلوس زيمان حكومة بنيامين نتنياهو دفعة قوية خلال زيارته لإسرائيل الأسبوع المنصرم، عبر افتتاح مركز ثقافي وتجاري خارج أسوار القدس القديمة. خلال الافتتاح، أعرب “زيمان” عن أمله أن يكون ذلك تمهيدًا لنقل السفارة التشيكية من تل أبيب إلى القدس، ما يعني أن الجمهورية التشيكية ستصبح أول دولة أوروبية تتبع خطوات الرئيس دونالد ترامب في الشأن الفلسطيني – الإسرائيلي.

فكيف يمكن قراءة ما وراء هذا الخبر، لا سيما عند الحديث عن البلدة القديمة في مدينة القدس؟

اقرأ أيضًا: مجلة نيوز ويك: إسرائيل تسير بخطوات متسارعة لضم الضفة الغربية كاملة

بكل بساطة، هذا النوع من “التأييد” ليس إلا تشجيعًا لحكومة نتنياهو، والمحاكم الإسرائيلية، والمنظمات الاستيطانية، على تصعيد هجوم مشترك ضد الفلسطينيين القاطنين في البلدة القديمة بالقدس، في إطار خطة إسرائيلية قديمة جديدة، باتت معالمها تتكشف شيئًا فشيئًا. هذه الخطة تهدف إلى إفراغ مناطق القدس الشرقية من الفلسطينيين، التي من المفترض أن تكون جزءًا رئيسًا من الدولة الفلسطينية المستقبلية، في تزامن مع خطوات دبلوماسية غربية تهدف إلى تنسيب القدس بأسرها لدولة إسرائيل، تمامًا مثلما فعلت الولايات المتحدة.

لم تخف إسرائيل أبدًا طموحاتها في السيطرة على القدس الشرقية برغم أحاديثها السابقة عن دولة فلسطينية حيوية قابلة للحياة. لقد شرعت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة ببناء قوس من المستوطنات اليهودية في الجهة الشرقية من القدس، بغرض إبعاد سكان الجهة الشرقية من القدس عن الطيف السياسي في الضفة الغربية، وفي الوقت ذاته التمهيد لإبعادهم عن مدينة القدس بأكملها فيما بعد.

 

خطة قديمة – جديدة

في الحقيقة، لم تبدأ هذه الخطة بشكل مفاجئ، وهي ليست وليدة اللحظة؛ فقبل أكثر من عقد من الزمان، عززت إسرائيل هيمنتها عبر جدار إسمنتي ضخم يقطع شرقي القدس عن غربها، وعن الضفة الغربية كذلك. لم يكن الهدف من الجدار سوى إغلاق المناطق الفلسطينية ذات الكثافة السكانية العالية، بغرض جعل المناطق الأكثر قيمة -البلدة القديمة والمناطق المحيطة بها- سهلة المنال من أجل استعمارها أو تهويدها بشكل تدريجي، وهذا ما حصل بالفعل منذ إقامة الجدار حتى هذا اليوم. وعندما نذكر البلدة القديمة، فإننا نتحدث عن قلب القدس، حيث توجد الأماكن المقدسة الرائعة مثل المسجد الأقصى وكنيسة القيامة.

اقرأ أيضًا: الخليل: حقائق عن تغلغل المستوطنين في أكبر مدن فلسطين

وعندما نرجع للوراء أكثر، سنجد أن إسرائيل استغلت غطاء حرب 1967 لتنفيذ تطهير عرقي ضد مئات الفلسطينيين الذي سكنوا بالقرب من الجدار الغربي المحاذي للمسجد الأقصى. ويمكن القول إن هذا التاريخ شهد خطة مدروسة من أجل السيطرة على مجمع المسجد الأقصى، تحت ذريعة “وجود اثنين من المعابد اليهودية أسفل المكان”.

وقد أجبرت إسرائيل السلطات المسلمة في مجمع الأقصى على السماح لليهود بزيارة المكان بأعداد قياسية، غالبيتهم يطالبون برؤية المسجد الأقصى معبدًا يهوديًا ثالثًا. وفي المقابل، منعت إسرائيل الفلسطينيين، القاطنين في الضفة الغربية -على سبيل المثال لا الحصر- من الوصول إلى هذا الموقع الإسلامي المقدس. وبكلمات أخرى، تسمح إسرائيل للإسرائيليين بدخول المسجد الأقصى الذي من المفترض أن يكون جزءًا من الدولة الفلسطينية المستقبلية، وتمنع الفلسطينيين أنفسهم من الوصول إلى منطقة من مناطق دولتهم المستقبلية. هذا التناقض المثير للسخرية يشير بوضوح إلى أن إسرائيل شرعت فعلًا بالكشف عن هدفها النهائي المتمثل في شرعنة سيطرتها على القدس الشرقية.

 

خطوات تدريجية.. لماذا؟

لقد تحركت إسرائيل في القدس الشرقية بخطوات تدريجية من أجل عدم المخاطرة بتأجيج العالم العربي، وتجنب رؤية ردود فعل قوية في الشارعين العربي والإسلامي. ويمكن القول إن هذا التدرج في الإجراءات بدأ في الستينيات، وانتهى في 6 ديسمبر/كانون الأول 2017، عندما أعلن ترامب القدس عاصمة لإسرائيل. بعد هذا التاريخ، تحولت إسرائيل من التدرج إلى الخطوات الفورية الملموسة، بعد أن اكتسبت ثقة أكبر بفعل قرار الرئيس الأمريكي.

اقرأ أيضًا: كيف تستغل إسرائيل تنظيم “شبيبة التلال” الإرهابي لتحقيق مشاريعها بالضفة؟

 

ما بعد 6 ديسمبر/كانون الأول 2017 – الدخول في مرحلة جديدة

بعد أن حصلت إسرائيل على مرادها من الرئيس ترامب، أظهرت الحكومة الإسرائيلية مزاجًا جديدًا حازمًا لا يقوم على التدرج. وقد باشرت إسرائيل مع بداية 2018 بتكثيف جهودها لطرد الفلسطينيين من منازلهم في البلدة القديمة وخارج أسوارها التاريخية، بمساعدة محاكم إسرائيلية، بغرض إضفاء الشرعية على القرارات السياسية.

وبالفعل، أصدرت المحكمة الإسرائيلية العليا في نوفمبر/تشرين الثاني 2018 حكمًا بطرد 700 فلسطيني من حي سلوان القريب من المسجد الأقصى، بينما تستعد منظمة “عتيرت كوهانيم” الاستيطانية للسيطرة على مركز سلوان بدعم من حراس مسلحين مدعومين رسميًا من الحكومة. هذا القرار المفاجئ يجسد إعلانًا شبه رسمي بشأن خطوات إسرائيلية مباشرة لإفراغ ضواحي القدس الشرقية من الفلسطينيين، مقابل تسليمها لسيطرة منظمات يهودية.

يعني هذا القرار كذلك تواجد المزيد من الشرطة والجنود الإسرائيليين بغرض “حماية السكان المستوطنين” في المنطقة، وكذلك المزيد من المسؤولين الإسرائيليين لفرض أوامر “قضائية” ضارة ضد الفلسطينيين في سلوان. وبالطبع، يدرك الإسرائيليون أن هذا “التواجد” سيثير احتجاجات سكان سلوان، ما يعطي مبررًا للمحاكم الإسرائيلية بإصدار أحكام طرد جديدة، وهذه هي الطريقة التي تعمل بها سياسة التطهير العرقي البيروقراطي.

علاوة على ذلك، رفضت المحكمة العليا استئنافًا ضد طرد أسرة فلسطينية من حي الشيخ جراح، بالقرب من المدينة القديمة، ما يفتح الطريق أمام “تشريع” طرد العشرات من العائلات الفلسطينية.

وقد وصفت منظمة “بيتسيلم” الحقوقية هذه الأحكام بـ”سياسة طرد ممنهجة، تشابه الطرد الذي حصل عام 1967، لكن بأوامر قضائية هذه المرة”، ما يعني “شرعنة الطرد” من أجل تبرير الممارسات أمام القانون والمجتمع الدوليين.

وفي الوقت ذاته، وافق البرلمان الإسرائيلي على قانون جديد للإسراع في السيطرة الاستيطانية على مناطق القدس الشرقية؛ فعلى سبيل المثال، أنشأت الحكومة سلسلة من متنزهات وطنية حول المدينة القديمة بحجة “الحفاظ على المناطق الخضراء”. بعض هذه المنشآت الجديدة أقيمت على حدود الأحياء الفلسطينية في القدس بغرض وقف توسعها، وبعضها الآخر أقيم داخل الأحياء وعلى أراض تحوي منازل فلسطينية بغرض طرد ساكنيها. لكن المثير في الأمر هو أن القانون الجديد يسمح لليهود فقط ببناء منازل جديدة في تلك المناطق، وليس للفلسطينيين.

هذا القانون الاستيطاني الجديد، الذي يحمل اسم “إلعاد”، يهدف إلى تعزيز وجود المستوطنين في سلوان وغيرها من الأحياء الفلسطينية بالقدس. لكن إسرائيل لم تكتفِ بإصدار هذا القانون؛ فقد كلفت أحد علماء الآثار بمهمة “إثبات أن المنطقة كان يحكمها الملك داوود”، في الوقت الذي يجري فيه مسح آلاف السنين من الوجود والتاريخ الفلسطينييْن بالقدس. ومن الجدير ذكره أن مهمة عالم الآثار تشمل التنقيب تحت المنازل الفلسطينية، بحسب ما ينص عليه القانون الجديد.

بالإضافة إلى ذلك، أنشأت الحكومة الإسرائيلية مركز زوار يهوديًا ضخمًا على مدخل سلوان، بتكلفة 55 مليار دولار، مخصص لتنقل اليهود عبر الأحياء، ما جعل السكان الفلسطينيين غير مرئيين في تلك المنطقة.

الإجراءات الإسرائيلية لم تتوقف عند هذا الحد، بل قام مستوطنون بتزوير وثائق للاستيلاء على المنازل الفلسطينية بالقرب من المسجد الأقصى، بالتواطؤ مع السلطات. وهذا من شأنه أن يساعد المحاكم الإسرائيلية في المضي بقرارات الطرد، التي بدورها تساعد المستوى السياسي في شرعنة الاستيلاء على مدينة المقدس بكاملها.

وبدورها، وقفت السلطة الفلسطينية عاجزة أمام هذا النهب بعد أن أقرت إسرائيل عام 1995 قانونًا يحرمها من أي دور في القدس. كما أن السلطات الإسرائيلية بدأت بإجراءات قمعية علنية ضد المسؤولين الفلسطينيين في القدس؛ فقد اعتقلت محافظ القدس عدنان غيث للمرة الثانية من سلوان، ومنعته من إجراء أي لقاء مع مسؤولي السلطة الفلسطينية. علاوة على ذلك، منعت إسرائيل وزير شؤون القدس عدنان الحسيني من دخول المدينة لمدة 6 أشهر، كما اعتقلت عشرات الفلسطينيين في القدس بتهمة “التعامل” مع السلطة الفلسطينية.

 

الخلاصة

يمكن القول إن معركة الحكومة الإسرائيلية من أجل السيطرة على القدس الشرقية، وإفراغ الفلسطينيين منها، قد دخلت مرحلة الحسم بالفعل. إنها حرب استنزاف هادئة، لن تتوقف قبل أن يحصل تحرك دبلوماسي يردع إجراءات خلق الوقائع على الأرض.

 

المصدر: مجلة “غلوبال رسيرتش” الكندية

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة