الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون دوليةغير مصنف

كابوس بيولا ماي دونالد أصبح تحدياً لأمريكا

كيوبوست- ترجمات

إريكا آرمسترونغ دونبار♦

في مساء العشرين من مارس 1981 كان الصقيع يلف مدينة موبيل في ولاية ألاباما؛ لم يكن برد الربيع غريباً على ذلك الميناء الجنوبي، ولكن في تلك الليلة وصلت درجة الحرارة إلى 34 درجة مئوية تحت الصفر.

لطالما اقتحم الصقيع بيوت أولئك الذين يعيشون في مجمعات السكن الشعبي أو في بيوت غير معزولة بشكل جيد من خلال النوافذ غير المحكمة، والأرضيات المتشققة والأبواب التي لم تكن مؤهلة لتقوم بواجبها في حماية هذه البيوت. كانت طبقات البطانيات والأغطية وملابس النوم الدافئة التي تحفظ حرارة الجسم هي ما يحارب هذا الدخيل المتسلل؛ ولكن مهما تمسك المرء بدفء السرير، فسيضطر إلى أن يواجه الصقيع عاجلاً أم آجلاً.

اقرأ أيضاً: تفشِّي “كورونا يرافقه صعود في كراهية الأجانب والعنصرية ضد الآسيويين

لكن البرد لم يكن سبب أرق بيولا ماي دونالد؛ بل الأمومة التي غالباً ما تكون وراء سهر الليالي. ولا يقتصر ذلك على الأطفال الرضع عندما يعانون المغص، أو مشاكسات المراهقين؛ بل لأن الأمومة تطلق الأفكار في مليون اتجاه مختلف. فالأمهات يخططن ويصلين ويحلمن بمستقبل أطفالهن. وكأم لسبعة أطفال لا شك في أن السيدة دونالد كانت تحلم باستمرار.

بيولا ماي دونبار في جنازة ابنها مايكل عام 1981- “سي إن إن”

لكن في بعض الأحيان تتحول هذه الأحلام إلى كوابيس. في نحو الساعة الثانية من فجر يوم 21 مارس عاشت السيدة دونالد لحظات ستقول عنها لاحقاً إنها كانت “رؤيا”. كابوس بصورة رجل أسمر البشرة يرقد في نعش رمادي؛ لم تتمكن من معرفة مَن هو هذا الشخص، ولكن الكابوس كان مرعباً بما يكفي لإيقاظها.

ربما كان ذلك حدس الأم، أو رؤيا من ربها؛ ولكن مهما كان ذلك فهي كانت تعلم أن خطباً ما قد وقع، وازداد قلقها عندما لاحظت أن ابنها مايكل، البالغ من العمر 19 عاماً، لم يكن في سريره. وما حدث بعد ذلك كان كابوساً حقيقياً سيغير مجرى حياة بيولا ماي دونالد، وسيضمها إلى مجتمع الأمهات السود اللاتي واجهن تلك المهمة الصعبة في الانتصار على صدماتهن.

اقرأ أيضاً: ما حقيقة العلاقة بين العنصرية والتطرف؟

بعد كابوس الرجل في النعش علمت السيدة دونالد أن أصغر أولادها لن يعود إلى المنزل مرة أخرى؛ فقد قُتل بأكثر الطرق وحشية، فقد اختطف أعضاء من جماعة “كوكلوكس كلان” مايكل دونالد، وضربوه بوحشية فظيعة، ثم قاموا بذبحه وعلقوه على شجرة في منطقة سكنية مقابل منزل الرجل الذي يحتل المرتبة الثانية في الجماعة بالولاية.

مايكل دونالد قُتل على يد متطرفين بيض من جماعة “كوكلوكس كلان” في مارس 1981- “سي إن إن”

 عندما تصدَّر خبر الجريمة عناوين الأخبار في وسائل الإعلام الوطنية، تساءل الكثير من الأمريكيين كيف يمكن لأمر كهذا أن يحدث؛ ولكن بالنسبة إلى السيدة بيولا ماي دونالد، وكثير غيرها من الأمريكيين السود في ألاباما، وفي سائر أنحاء البلاد، كان هذا العنف الشنيع مجرد تعبير آخر عن الإرهاب المحلي للعنصريين البيض الذي ابتلي به السود على مدى قرون. لم يكن قد مضى أكثر من ثمانية عشر عاماً على مقتل أربع فتيات صغيرات في تفجير كنيسة في بيرمنغهام. لم يكن العنف العنصري أمراً من الماضي؛ بل كان واقعاً حياً وملموساً، ليس فقط في البلدات الجنوبية، بل أيضاً في المدن الشمالية، ومجتمعات الغرب الأوسط. وهذا العنف يتغذى على جهل العنصرية، ويزداد في حجمه ونطاقه.

اقرأ أيضاً: التكنولوجيا سلاح اليمين المتطرف في ألمانيا

في استجابتها للحادثة، سارت بيولا ماي دونالد على خطى مَن سبقنها، فهي ستحزن على خسارة ابنها الفظيعة، وستتمكن بطريقة أو بأخرى من البحث عميقاً في خزان قوتها لتمضي قدماً، وتسعى لتحقيق العدالة لابنها. لقد عرفت بنات جلدتها اللواتي كنّ يعملن في حقول سكان ألاباما البيض وبيوتهم لعدة قرون، واختبرن ألم خسارة أولادهن؛ سواء أكان ذلك في مزاد النخاسة في القرن التاسع عشر أم على حبل المشنقة. اهتزت النساء مثل بيولا ماي وبكين، وصرخن، وعرفن أنه سيكون هنالك فراغ دائم في حياتهن. بطريقة أو بأخرى، تعلمت السيدة دونالد كيف تتعايش مع حزنها، ولم تسمح لهذا الحزن بالتغلب عليها. ربما كان الغضب الناتج عن ذلك الحزن هو الذي يقويها بينما تستعد لأكبر معركة في حياتها؛ سوف تجلب “كوكلوكس كلان” إلى المحكمة، وستحاسب قاتلي ابنها على فعلتهم.

اقرأ أيضاً: كيف كشف وباء كورونا عن استمرار المعاناة التاريخية للسود في الولايات المتحدة؟

صدر الحكم على أحد القتلة بالسجن المؤبد، وتلقى الآخر حكماً بالإعدام. وفي تطورٍ غير متوقع على الإطلاق ربحت دونالد أيضاً دعوى تسبب بالقتل أقامتها على منظمة “يونايتد كلانز أو أميريكا”؛ حيث صدر حكم بتعويضها بمبلغ سبعة ملايين دولار أمريكي، مما أدى إلى إفلاس هذه المنظمة. كان هذا الانتصار بمثابة خاتمة، ولكن هذه الخاتمة بعيدة جداً عما تحصل عليه معظم الأمهات السود اللاتي فقدن أولادهن بسبب العنف العنصري، حيث غالباً ما تكون خواتيم أحزانهن بعيدة المنال.

هؤلاء الأمهات الثكالى لن يدعن ذكرى أولادهن في مهب رياح النسيان- “سي إن إن”

وبينما ننتظر محاكمة ضابط شرطة مينيابوليس؛ ديريك شوفين، بتهمة القتل الخطأ من الدرجة الثانية، والقتل غير العمد من الدرجة الثانية، والقتل من الدرجة الثالثة، في قضية مقتل جورج فلويد، تستعد الأمة لما سيكون بالتأكيد محاكمة طويلة ومشحونة بالتوتر. وعلى عكس بيولا ماي دونالد، لم تكن والدة جورج فلويد على قيد الحياة لتحتمل الحزن والغضب لرؤية ركبة الضابط شوفين، على رقبة ابنها لمدة تقارب ثماني دقائق. ولكن هنالك العديد من الأمهات، الأمهات السود، اللاتي يرين في موت جورج فلويد تذكيراً لهن بخساراتهن. سيبرينا فولتون، أليسون جين، غوين كار، تاميكا بالمر، وساماريا رايس؛ كلهن عضوات جديدات في النادي الذي انضمت إليه بيولا ماي دونالد رغماً عنها قبل سنواتٍ خلت.

اقرأ أيضاً: لاجئو أوروبا في مواجهة سيل العنصرية والتشدد

يحمل هذا الشهر الذكرى السنوية الأربعين للجريمة الوحشية التي أودت بحياة مايكل دونالد، وتصادف أنه يتزامن مع شهر الاعتراف بتاريخ المرأة. وبينما نحتفل بحياة مايكل دونالد، دعونا أيضاً نكرم الراحلة بيولا ماي دونالد، ورمز قوتها. وربما يجب أن يكون أحد أهداف شهر تاريخ المرأة هو الإضاءة على كل الأمهات السود اللاتي شهدن مآسي، ومع ذلك تمكنّ من النجاح في تحدي أمتنا للوفاء بوعودها بالديمقراطية والمساواة.

♦كاتبة رأي في “سي إن إن”.

المصدر: سي إن إن

اتبعنا على تويتر من هنا

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة