الواجهة الرئيسيةشؤون عربية

قيادي منشق لـ”كيوبوست”: الجهاز العسكري السري لحركة النهضة لا يزال ناشطاً

كريم عبدالسلام يكشف -في مقابلة خاصة- عن كواليس انضمامه إلى حركة النهضة وقيامه بعديد من العمليات لصالحها وصولاً إلى مرحلة المكاشفة ومراجعة الأفكار

خاص – كيوبوست

تونس – فاطمة بدري

خرج القيادي السابق بحركة النهضة الإسلامية كريم عبدالسلام، ومدبر جريمة باب سويقة سنة 1991، عن صمته، ليدلي بشهادة تاريخية كشف فيها عن سجل حركة النهضة الذي تعمدت إخفاءه حيناً والتنكر له حيناً آخر.

تحدث كريم بعد مراجعات كبيرة وجريئة قام بها مع نفسه، معتقداً أن قيادات الحركة ستسير على خطاه وتصارح التونسيين بما حدث، وترفع الغموض عن محطات فارقة في تاريخ مواجهاتها مع نظامَي الحبيب بورقيبة، وزين العابدين بن علي؛ من أجل الفوز بالحكم، لكن خابت التوقعات وأصبح هناك يقين بأن الحركة تسير باتجاه تحريف الحقيقة، وبناء مسار انتقالي على مقاس مصالحها السياسية.

موقع “كيوبوست” التقى كريم الذي فتح بعض دفاتر الحركة القديمة وارتداداتها الحالية، وكله أمل في أن تؤدي شهادته إلى إعادة وضع عدالة انتقالية أكثر وفاء للحقيقة، وإلى نص الحوار:

♦لماذا قررت الخروج عن صمتك وتقديم شهادتك الآن؟

لقد منحت قيادات الحركة فرصة كبيرة لمصارحة الرأي العام بما جرى، والاعتراف بما اقترفوا بحق جيل أو جيلَين؛ خصوصاً ممن تم الزج بهم في معارك، ربما ما كان يجدر بهم دخولها. انتظرت سنوات عشر على أمل أن تقدم الحركة رواية منسجمة مع الحقيقة، وأن تُقدِم على الاعتذار إلى التونسيين عن أحداث ربما أساءت تقديرها في حقبات سابقة؛ لكن حدث عكس ذلك، حيث سارعت الحركة لتقديم سردية جديدة مناقضة للحقيقة من أجل أهداف سياسية؛ ولهذا قررت الخروج عن صمتي وتقديم شهادة لم أردها للتشفي أو الابتزاز، إنما لرفع المغالطات عن مسار تاريخي مهم يحق للتونسيين معرفته وفهمه والحكم عليه، ومن أجل تكريس عدالة انتقالية أكثر وفاء للواقع والحقيقة وأكثر تصالحاً مع الماضي مهما كانت محطاته مظلمة.

اقرأ أيضًا: متى ترفع حركة النهضة يدها عن القضاء التونسي؟

♦كيف انضممت إلى حركة النهضة؟

نشأت في ظرف اجتماعي واقتصادي صعب؛ حيث اختبرت في عمر مبكر جداً ظلم المنظومة البوليسية وغطرستها، وذلك بعد وفاة والدي وقرار عشيقته إخراجنا من بيتنا ورمينا في الشارع رغم وجود الوثائق القانونية التي تثبت أحقيتنا بملكيته. تعرضنا إلى الظلم والقهر على يد هذه السيدة المدعومة من رجال الأمن حينها في أواخر السبعينيات. ولَّدت هذه الحادثة حقداً مبكراً لديَّ ضد حملة الزي الأمني. وللهرب من هذا الوضع كنت ألجأ إلى المسجد كفضاء طاهر يجنبني الانحراف، حينها كانت حركة الاتجاه الإسلامي (حركة النهضة) تحتكر المساجد، فقاموا باحتوائي مادياً ومعنوياً، ووجدت نفسي لا إرادياً أنتمي إلى هذه المنظمة.

♦كيف تدرجت في المهام التي كُلفت بها؟

كنت طفلاً غاضباً ساخطاً على السلطة التي ظلمت عائلتي، وعلى الوضع الاجتماعي الصعب؛ خصوصاً بعد رحيل الأب، فوجدت العناية الكاملة من جماعة الاتجاه الإسلامي؛ ولهذا كان انخراطي في النشاط معهم تلقائياً وفرضته السياقات والظروف. في البداية كُلفت بتهريب بعض العناصر التابعين للحركة عبر أزقة المدينة الفرعية من ملاحقات الشرطة؛ نظراً لمعرفتي الكبيرة بالمنطقة، بعدها استُخدمت كوسيلة لإيصال رسائل تهديد إلى بعض الأئمة والخطباء الذين كانوا ينفرون ويحذرون من هذه الجماعة.

يرفض الشارع التونسي حكم حركة النهضة – وكالات

♦كيف تم زرعك داخل التجمع الدستوري الديمقراطي للتجسس لفائدة الحركة؟

توقعت حركة النهضة المواجهة مع نظام ابن علي حينها، وبدأت الاستعداد لها، فقررت سنة 1990 إلحاقي بدائرة الاستعلامات؛ حيث تم تكليفي بالالتحاق بحزب التجمع، لأكون عين الحركة داخله. كانت تلك الفترة أوج النشاط الطلابي لحزب التجمع؛ ما سمح لي بالولوج داخلهم، وتدريجياً تم اختياري لأكون ضمن مجموعة طلائع فداء العلم بالدم، والذين كان يعدهم الحزب للمرحلة الجامعية ليكونوا أوفياء للفكر الدستوري. استطعت من خلال هذا المكان تأمين معلومات للحركة؛ خصوصاً أن الكثير من المعطيات المهمة تمر داخل الشبيبة المدرسية، واستمر الوضع حتى تاريخ عملية باب سويقة.

♦قبل باب سويقة هل حاولت حركة النهضة الانقلاب على الحبيب بورقيبة؟

نعم، فعلت ذلك، واستعدت للقيام بذلك على جميع المستويات؛ خصوصاً أنها قد قامت في مرحلة سابقة باختراق أجهزة الأمن والجيش، لكن سبقها ابن علي في ذلك. تدخلت المخابرات العالمية، وتحديداً الأمريكية، عن طريق إيطاليا، الذين أبلغوا ابن علي، والذي قطع بدوره الطريق على الحركة، وقام بالانقلاب على بورقيبة في 1987.

اقرأ أيضاً: تونس.. حركة النهضة تجيش الشارع تمرداً على النظام

♦إذن، لماذا هادن ابن علي حركة النهضة رغم معرفته بقوتها ومطامعها؟

أي قائد عاقل وذكي لن يُقِدم على الدخول في صراع مع أية جهة جديدة مباشرة بعد الخروج من عملية انقلاب على زعيم بحجم الحبيب بورقيبة. كان الرجل ذكياً وعبقرياً، وقام بقراءة نيَّات الحركة وقياس حجم قوتها قبل الإقدام على أية خطوة حتى المرحلة التي تلت انتخابات 1989.

♦ماذا حدث خلال هذه الانتخابات وبعدها؟

كانت المعلومات الأولية تتمثل في أن تشارك الحركة في بعض الدوائر الانتخابية فقط؛ ولكن تبين أنها حاضرة في عديد من الدوائر، وبدأت تتسرب معلومات بشأن اكتساحها في بعض المدن؛ الأمر الذي أغضب النظام وقام بتزوير نتائج الانتخابات وأقصى الحركة. والحقيقة أن هذه كانت أحد أخطر الأخطاء التي اقترفتها الحركة؛ لأنها كشفت بوضوح عن حجمها أمام نظام ابن علي، وسهَّلت مهمته أثناء المواجهة معها.

♦ماذا حدث في عملية باب سويقة؟ وماذا نجم عنها؟

كان الهدف من هذه العملية هو استهداف القلب النابض ونقطة ارتكاز التجمع الدستوري الديمقراطي آنذاك. لم يكن هناك تخطيط مسبق لاستهداف أشخاص أو الاعتداء عليهم في هذه العملية، بقدر ما كان الهدف استهداف المقر في رمزيته. لكن سقط قتيلان في هذه العملية، وضحايا آخرون تكتم النظام عن ذكرهم؛ حتى لا يكشف عن العدد الكبير المكلف بتأمين المكان. وحدث ذلك بعلم وموافقة قيادات حركة النهضة. ومباشرة بعد العملية تم القبض على ثلاثة عناصر من المنفذين، واختبأت لفترة في محافظة صفاقس، إلى أن تم القبض عليَّ بعد أيام.

حي باب سويقة

♦لماذا أنكرت قيادات حركة النهضة ضلوعها في العملية؟

القيادة داخل حركة النهضة كانت على علم مسبق بالتخطيط للعملية؛ ولكنها تملصت منها، مدعيةً أنها عمليات فردية، وتم تجميد عضويتنا بينما كان بعضنا قد أُلقي عليه القبض، وكنت مطارداً. ارتبكت الحركة فعلاً بسبب سقوط قتلى في العملية؛ ولكني لا أفهم كيف تسنى لهم التنكر حينها وحتى اليوم من العملية وادعاء عدم معرفتهم بها، والحال أن هؤلاء القادة، على غرار علي العريض وعبدالحميد الجلاصي ونور الدين البحيري.. وغيرهم، هم مَن قرروا تحرير المبادرة وأجازوا العمليات النوعية؛ بل إن راشد الغنوشي أشاد بالعملية من الجزائر. ينسى هؤلاء أنهم مَن وضعوا السياقات وهيّأوا الأرضية؛ أنا أتحداهم جميعاً أن يخرجوا ويقدموا روايات بتفاصيل مناقضة لما أقول.

♦بعد هذه السنوات وبعد العقاب، كيف تقيِّم العملية؟

بعد مراجعات طويلة، وسنوات سجن طويلة أيضاً، أنا أراها اليوم عملية إجرامية بكل السياقات التي وردت فيها؛ سواء على مستوى العنف السياسي أو في توظيف الشباب، وفي عدم تحمل المسؤولية وعدم الاعتراف بالحقيقة، وفي عدم الاعتذار.. كله أصبح بنظري اليوم إجراماً مركباً. شخصياً عوقبت عن هذه العملية؛ ولكني أجد أنه من منطلق المسؤولية الأخلاقية والتاريخية أن أُسدل الستار عن الحقيقة، وأن أجعل ابني وأبناء جيله ينشأون بعيداً عن هذه التجاذبات.

رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي – أرشيف

♦هل كانت الحركة مهيأة عسكرياً ولوجستياً؟  

طبعاً كانت حركة منظمة، وتقف على منظومة عسكرية ومخابراتية كاملة، ويكفي أن نقول إنها قد أعدت للانقلاب على الحبيب بورقيبة، ومواجهة نظام ابن علي بشكل مباشر؛ لنفهم أنها جاهزة عسكرياً لمثل هذه الخطوات.

اقرأ أيضاً: عبير موسى تكشف عن اتصالات بين حركة النهضة وإرهابيين داخل السجون

♦إذن يمكننا القول إن الجهاز السري المتورط في عمليات الاغتيال موجود وهو امتداد لكل هذا؟  

ما دامت حركة النهضة لم تعترف بجهازها العسكري، ولم تعلن عن تفكيكه، فالأكيد أنه ما زال ناشطاً بأشكال متعددة لا يمكن حصرها بدقة؛ وبالتالي يمكننا القول إن الجهاز السري موجود والمهام القذرة ما زالت مستمرة.

♦هل يمكن أن تعود حركة النهضة إلى العنف من أجل الحكم؟

إذا كانت الحركة قد استخدمت القوة سابقاً من أجل الوصول إلى السلطة، فما بالك وهي في الحكم؛ فالأكيد أن الحرب ستكون أشد توحشاً وعنفاً. حرب التموضع في السلطة اليوم أشد ضراوة، وأستطيع القول بثقة إن عصابات نهب المال العام من مافيات وبارونات السياسة حالياً أشد فتكاً من زمن ابن علي.  

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

فاطمة بدري

كاتبة صحفية تونسية

مقالات ذات صلة