الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون دولية

قوة إيران الناعمة في باكستان

توظف إيران تراثها الثقافي الفارسي والإسلام وخطاب المقاومة في اختراق المجتمع الباكستاني

كيوبوست- ترجمات

شهرام أكبر زادة- زاهد شهاب أحمد- نعمة الله إبراهيمي

القوة الناعمة وسياسة إيران الخارجية

يمكن أن يكون استخدام القوة الناعمة عنصراً فعالاً في السياسة الخارجية لأية دولة، وهي تتناقض مع مفهوم القوة الصلبة، كما أنها أقل كلفة منها، وهي تعمل من خلال الجذب والإقناع بدلاً من الإكراه؛ فمثلاً تقوم قوة الولايات المتحدة الناعمة على مبادئ الديمقراطية الليبرالية وحقوق الإنسان، بينما تعتمد الصين على سياسات الحفاظ على الحياة البرية، وتستفيد المملكة العربية السعودية من وجود أقدس المواقع الإسلامية في أراضيها. بينما ابتكرت بعض الدول أساليب جديدة للحصول على هذه الموارد، كما فعلت قطر في استثمارها في دعم وسائل الإعلام واستضافة الأحداث الرياضية الكبرى.

اقرأ أيضاً: هزيمة “باريس سان جيرمان” تثير التساؤلات حول جهود قطر في ممارسة القوة الناعمة

ومن بين أدوات القوة الناعمة المختلفة، وجد الدين أهمية خاصة في التنافس بين طهران والرياض على قيادة العالم الإسلامي؛ ما أثار انقساماً طائفياً بين السُّنة والشيعة في المنطقة. ويعتبر الانتماء الطائفي أحد أهم العوامل التي تشكل وجهات النظر في باكستان حول إيران.

مصادر قوة إيران الناعمة

تعتمد قوة إيران الناعمة على ثلاثة عناصر رئيسية؛ أولها الحضارة الفارسية والإسلامية والتراث الثقافي لما قبل الإسلام، ثم الإسلام السياسي؛ حيث تروج إيران لنموذج ولاية الفقيه كمثال يحتذى في الدول الإسلامية، بالإضافة إلى المفاهيم الأوسع للمجتمع الإسلامي العالمي؛ لزيادة تأثيرها في جميع أنحاء العالم الإسلامي، وللتغلب على التناقض المحتمل بين الأجندة الطائفية والإسلام السياسي بمفهومه الأوسع. أما المصدر الثالث لقوة إيران الناعمة فهو خطاب “لا الشرق ولا الغرب” الذي استخدمته منذ عام 1079؛ لتقديم نفسها للعالم الثالث كقوة في وجه الهيمنة الأمريكية والسوفييتية. ومنذ نهاية الحرب الباردة، وجهت إيران خطاب المقاومة ضد الولايات المتحدة وحلفائها الإقليميين؛ خصوصاً إسرائيل والمملكة العربية السعودية.

تعتمد عقيدة إيران الأمنية على القوة الناعمة- وكالة “مهر”

وتعتمد إيران على عدد من الأدوات لنشر قوتها الناعمة؛ وأهمها “منظمة الثقافة والعلاقات الإسلامية” التي تأسست عام 1995 وتعمل بإشراف مكتب المرشد الأعلى، ولها مكاتب في السفارات والقنصليات الإيرانية في العالم. ولهذه المنظمة مكاتب في سبع مدن باكستانية. كما استثمرت إيران في قطاع التعليم العالي والديني واجتذبت عشرات الآلاف من الطلاب من مختلف أنحاء العالم.

كما أطلقت إيران عشر قنوات تليفزيونية ناطقة بعدة لغات؛ منها الأردية، وعدداً من وكالات الأنباء شبه الرسمية التي تنتج محتوى بلغات متعددة أيضاً، وترعى منتديات الحوار بين الإيرانيين والعرب.

اقرأ أيضاً: الدبلوماسية الرياضية: هكذا ضربت القوة الناعمة عبر التاريخ

العلاقات الإيرانية- الباكستانية

كجارتَين، تشترك الدولتان بروابط ثقافية واقتصادية وأمنية تاريخية مهمة. وتوظف إيران تراثها الثقافي الفارسي والإسلام وخطاب المقاومة في مناشدة المجتمع الباكستاني. وتعتمد على الإسلام السياسي لمناشدة الشيعة والإسلاميين السُّنة في باكستان؛ ولكن منذ انقلاب ضياء الحق عام 1978، والثورة الإسلامية في إيران عام 1979، أدى تحالف باكستان مع السعودية إلى تغيير كبير في السياسات الداخلية والخارجية للدولتَين. وقد أدى الدفع نحو الأسلمة في باكستان إلى نشوب صراع طائفي غير مسبوق بين الجماعات الطائفية المسلحة؛ وعلى رأسها جماعتا جيش الصحابة السُّنية وجيش محمد الشيعية، اللتان تتلقيان دعماً مالياً من السعودية وإيران.

وفي الصراع في سوريا، دعمت إيران الرئيس بشار الأسد، بينما أخذ هذا الصراع موقعاً ثانوياً في السياسة الخارجية الباكستانية. وعلى الرغم من الموقف الرسمي لباكستان؛ فإنه قد سافر المئات من المقاتلين إلى سوريا لدعم تنظيم الدولة الإسلامية، وفي المقابل كان الدافع الرئيسي لتجنيد الشيعة الباكستانيين هو الهجوم الذي شنته الجماعات السُّنية المتشددة المعارضة للحكومة السورية، عام 2013، على ضريح السيدة زينب قرب دمشق.

اقرأ أيضاً: مؤشر القوة الناعمة 2021: تقدم عربي وتراجع أمريكي.. والإمارات ضمن العشرين الأوائل

  النتائج الرئيسية

من أجل تقييم كيف ينظر الباكستانيون إلى تأثير إيران في بلادهم، قُمنا باستطلاع للرأي سألنا فيه المشاركين عن آرائهم حول عدد من القضايا؛ منها آراء الباكستانيين في استخدام إيران قوتها الناعمة في بلادهم، والانقسام الطائفي في باكستان، والمنافسة الإيرانية- السعودية، ودور المقاتلين الباكستانيين الشيعة في سوريا. وقد وفرت الردود فكرة جيدة حول كيفية النظر إلى إيران وسياساتها في باكستان.

لقاء بين حسن روحاني وعمران خان- أرشيف

أولاً، كان للمشاركين آراء متباينة حول تأثير القوة الإيرانية الناعمة في باكستان. ثانياً، نظر الكثير من المشاركين إلى إيران من منظور الإسلام الشيعي. ثالثاً، أظهر معظم المشاركين وعياً بالدوافع الجيوسياسية للطائفية، وأشاروا إلى المنافسة بين السعودية وإيران، وأخيراً ظهر تجنيد الإيرانيين للمقاتلين الباكستانيين الشيعة للقتال في سوريا كعامل مهم في نظرة الباكستانيين إلى إيران.

وقد أظهر هذا البحث بعض النتائج البارزة؛ منها:

أولاً، وجدنا أن النظرة إلى إيران كانت إيجابية عند معظم الباكستانيين؛ مما يؤكد استطلاعات سابقة للرأي أظهرت أنه على الرغم من تراجع شعبية إيران في العالم الإسلامي؛ فإنها لا تزال يُنظر إليها بشكل إيجابي في باكستان. وتبين أن أكثر ما يحافظ على هذه النظرة الإيجابية هو اللغة الفارسية والتراث الثقافي الفارسي الذي يجتذب نخب الطبقة الوسطى الباكستانية، بالإضافة إلى الخطاب الإيراني المعادي لأمريكا التي تصنفها نسبة كبيرة من الباكستانيين عدواً.

ثانياً، فرض حشد المقاتلين الشيعة للقتال في سوريا تحديات كبيرة على العلاقة بين إسلام آباد وطهران وبين المجتمع الشيعي والحكومة الباكستانية؛ حيث شنت السلطات حملات أمنية ضد هؤلاء المقاتلين والمنظمات التي أسهمت في تجنيدهم؛ ما دفع المجتمعات الشيعية للاعتصام احتجاجاً على هذه الحملات. ومن المرجح أن تؤدي هذه الإجراءات إلى تعقيد العلاقات الطائفية من خلال إضافة مصدر آخر للتذمر بين المجتمع الشيعي الأوسع في البلاد.

اقرأ أيضاً: هل يمكن مواجهة التمدّد الشيعي دون فهم قوة إيران الناعمة؟

ثالثاً، إن أي تقييم لتأثير القوة الإيرانية الناعمة في باكستان يجب أن يأخذ في الحسبان الديناميكيات المحلية التي تحدد كيفية تلقي هذه القوة الناعمة عند المجتمعات المختلفة. فعلى سبيل المثال قامت جماعة جيش جهنكوي السُّنية الجهادية المناهضة للشيعة بهجوم على سوق في مدينة باراشينار أسفر عن مقتل 23 شخصاً، ووصفته بأنه “انتقام على جرائم إيران وبشار الأسد ضد المسلمين السوريين”.

تعهدت كل من باكستان وإيران بعدم السماح لأي طرف ثالث بأن يستعمل أراضي أي منهما لشن عدوان على الأخرى- “دايلي تايمز”

الخلاصة:

استطلعت هذه الدراسة التصورات العامة حول إيران بين مجموعة من صناع الرأي والقادة المدنيين والعسكريين وصانعي الرأي المطلعين. وتشير النتائج إلى موقف إيجابي شامل تجاه إيران. وعلى الرغم من انتقاد كثيرين للسياسة الخارجية الإيرانية؛ فإن جوانب أخرى شكلت نقاط جذب.

كان تجنيد إيران للشيعة الباكستانيين نقطة خلاف مهمة؛ إذ اعتبر البعض أن الحكومة لم تفعل ما يكفي لمنع هذا الأمر، ورأى البعض الآخر أن إيران لم تكن وحدها من جنَّد الباكستانيين للقتال في ساحات الصراع الأجنبية.

وكانت نقطة الجذب الأكثر أهمية في رأي المشاركين هي موقف إيران من الولايات المتحدة ومزاعمها بالدفاع عن مصالح العالم الإسلامي. وأخيراً فإن مجتمع النخبة المتعلمة في باكستان ينظر باهتمام إلى التراث الثقافي الإيراني ويرى في إيران عاصمة ثقافية مهمة.

 المصدر: مركز السياسة والسياسات الآسيوية/العدد 001-21، 2021

لقراءة الأصل الإنكليزي: Iran’s soft power in Pakistan

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة