الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفةشؤون عربية

“قناة السويس”.. فخر المصريين من الحفر إلى التأميم

كيوبوست- مدى شلبك

لا تتوقف الحضارة الفرعونية عن إبهار العالم بسعة طموحها وتطورها السابق لعصره، فحتى قناة السويس؛ نتاج القرن التاسع عشر، كانت بالأساس فكرة فرعونية، فقد أنشأ الفرعون “سنوسرت الثالث”، عام 1850 ق.م، قناة تربط البحر المتوسط بالبحر الأحمر لكن عبر نهر النيل، بغرض الري والملاحة.

وتعتبر قناة السويس أو شريان حياة مصر أهم الممرات المائية الصناعية (من صنع الإنسان)، وأقصرها مسافة بين أوروبا وآسيا؛ إذ يبلغ طولها نحو 193 كم وعرضها 205 أمتار، ومن أكثر القنوات الملاحية استخداماً، وتمتد من شمال مصر باتجاه الجنوب عبر برزخ السويس، موصلةً بذلك البحر المتوسط بالبحر الأحمر، وتكمن أهميتها في أنها ألغت الرحلة الطويلة التي كان على السفن المتجهة نحو آسيا قطعها حول رأس الرجاء الصالح جنوب إفريقيا.

قناة السويس كفكرة

نوقشت فكرة قناة السويس بصيغتها الحالية عدة مرات بفترات مختلفة؛ فبعد الاحتلال الفرنسي لمصر عام 1798م، فكَّر نابليون بونابرت في إنشاء ممر مائي يصل البحر المتوسط بالبحر الأحمر، فعيَّن فريقاً لمسح المنطقة والتأكد من إمكانية حفر قناة، لكن الفريق خلص إلى نتائج غير دقيقة، مفادها أن البحر الأحمر أعلى بمقدار 30 قدماً على الأقل من البحر الأبيض المتوسط، وعليه لم ينصح الفريق بتنفيذ المشروع.

قناة السويس على الخريطة

خلال ثلاثينيات القرن التاسع عشر أُجريت دراسات حول برزخ قناة السويس؛ ومنها المسح الذي أجراه المهندس الفرنسي “لينان دي بيلفوندز”، ونفى من خلاله المعلومات المغلوطة التي خلص إليها فريق بونابرت، مؤكداً أن البحر الأبيض المتوسط والبحر الأحمر كانا على نفس المستوى من الارتفاع، وعليه يمكن بناء قناة مائية تربطهما.

قناة السويس من الأعلى

في حين تقرر إنشاء قناة السويس رسمياً، عندما منح نائب الخديو محمد سعيد باشا، الدبلوماسي الفرنسي “فرديناند ديليسبس” وثيقة امتياز، بعد مفاوضات، لبناء قناة السويس والإشراف عليها في عام 1854م ضمن ما يُعرف بالفرمان الأول؛ الأمر الذي أثار قلق بريطانيا، على اعتبار أن تدشين القناة سيُحجِّم من سيطرتها على التجارة العالمية في ذلك الوقت.

اقرأ أيضاً: لا وجود لمنطقة المحيط الهندي- الهادئ من دون مصر وقناة السويس

 كما نص الفرمان الأول على منح شركة قناة السويس الحق في تشغيل القناة لمدة 99 سنة بعد الانتهاء من العمل، وأن الحكومة المصرية ستحصل سنوياً على 15% من صافي أرباح الشركة، وأن رسم المرور من القناة يتم الاتفاق عليه بين الخديو والشركة، وأنه عندما تنتهي مدة الامتياز تحل الحكومة المصرية محل الشركة. وفي عام 1856م صدر الفرمان الثاني، مؤكداً حياد القناة.

حفر قناة السويس

قبل الشروع في عمليات الحفر، أنشأ ديليسبس اللجنة الدولية لحفر برزخ السويس، لتطوير خطة بناء القناة، وفي نهاية عام 1858م، أُنشئت شركة قناة السويس رسمياً، برأسمال يساوي 200 مليون فرنك فرنسي.

وبدأت عمليات حفر القناة عام 1859م، ابتداءً من أقصى شمال بورسعيد، بشكل يدوي بالمعاول، بينما اعتُمدت الجرافات البخارية لاحقاً، وبلغ عدد العمال 1.5 مليون شخص، أغلبهم من الفلاحين الذين أُجبروا على العمل ضمن ظروف غير إنسانية، ولاقى عشرات الآلاف منهم حتفهم خلال العمل في القناة؛ بسبب الظروف المناخية القاسية، وانتشار وباء الكوليرا.

عمل 1.5 مليون شخص على حفر قناة السويس ضمن ظروف غير إنسانية- HULTON ARCHIVE

واستغرق العمل على القناة عشر سنوات؛ إذ انتهى العمل بها في أغسطس 1869م، علماً بأن الفترة المتوقعة للانتهاء من المشروع كانت ست سنوات، ويعود سبب التأخير إلى تقنيات العمل المحدودة والاضطرابات السياسية التي شهدتها مصر، وبلغت التكلفة النهائية للمشروع ضعف التقدير الأصلي؛ 100 مليون دولار، تكلَّفت مصر نحو نصفها؛ مما أغرقها في الديون.

لوحة تصور عبور السفن قناة السويس يوم افتتاحها- أرشيف

وافتتح الخديو إسماعيل قناة السويس رسمياً في 17 نوفمبر 1869م، ضمن حفل ضخم حضره ستة آلاف مدعو، وتضمَّن الحفل عبور عشرات السفن من القناة؛ كان أولها اليخت الإمبراطوري لزوجة الإمبراطور الفرنسي نابليون الثالث؛ أوجيني. كما حضر الافتتاح إمبراطور النمسا، وملك المجر، وولي عهد بروسيا، وشقيق ملك هولندا، وسفير بريطانيا العظمى في الأستانة.. وغيرهم، وأُقيمت بهذه المناسبة احتفالات ومهرجانات كلفت نحو مليون ونصف مليون جنيه.

تطورات مالية وسياسية

وبعد عدة سنوات من افتتاحها أصبحت القناة مملوكة لفرنسا وبريطانيا؛ فنتيجة للأزمة المالية اضطر الخديو إسماعيل عام 1875 إلى بيع أسهمه لبريطانيا، في حين تنازلت الحكومة المصرية عام 1880م للبنك العقاري الفرنسي عن حقها في الحصول على 15% من أرباح الشركة مقابل 22 مليون فرنك، وبذلك أصبحت حصة بريطانيا بالقناة تعادل 44% من مجموع الأسهم، وحصة فرنسا 56% من الأسهم.

اقرأ أيضاً: قناة إسطنبول.. مغامرة أردوغانية غير محسوبة العواقب

ومع احتلال بريطانيا لمصر عام 1882م، استولى الجيش البريطاني على مرافق الشركة، وتوقف المرور بالقناة مدة مؤقتة. ولتنظيم وضع قناة السويس اجتمعت لجنة دولية في 30 مارس 1885 في باريس؛ لوضع وثيقة تضمن حرية الملاحة في القناة، لكن لم يتم الوصول إلى اتفاق، حتى إبرام اتفاقية القسطنطينية عام 1888م بين الدول العظمى، والمفضية إلى وضع نظام يضمن حرية الملاحة في قناة السويس؛ كونها ممراً بحرياً دولياً!

تأميم قناة السويس

صارت قناة السويس رمزاً لسلب مصر مالياً؛ حيث بقيت الحكومة المصرية غير ممثلة في مجلس إدارة شركة قناة السويس حتى عام 1949م، عندما أُعيدت كعضو في مجلس الإدارة، وخصصت لها نسبة 7% من إجمالي الأرباح، وفي عام 1956م قام الرئيس المصري جمال عبدالناصر، بتأميم القناة، وأول أعماله في هذا الاتجاه كان نسف تمثال ضخم للدبلوماسي الفرنسي فرديناند ديليسبس؛ زُرع في نهاية رصيف بورسعيد، حيث تمر السفن عند المدخل الشمالي للقناة، وحملت القاعدة الكتابة التالية: Aperire terram gentibus (فتح الأرض للرجال). وبذلك أصبحت الحكومة المصرية صاحبة السيطرة الكاملة على قناة السويس من خلال هيئة قناة السويس (SCA).

تمثال الدبلوماسي الفرنسي فرديناند ديليسبس الذي نسفه الرئيس المصري الراحل جمال عبدالناصر

وكان تأميم القناة بمثابة الخطوة الأولى باتجاه أزمة السويس، وعلى إثرها سحبت كل من بريطانيا والولايات المتحدة الدعم المالي المتفق عليه لتطوير القناة وبناء سد أسوان، في حين ذهب عبدالناصر إلى أبعد من ذلك، عندما أغلق مضيق تيران الذي يربط إسرائيل بالبحر الأحمر؛ في محاولة لمنع السفن الإسرائيلية من العبور من قناة السويس؛ كونها دولة عدوة ومحتلة لأرض عربية.

ومن جانبها، شنَّت كل من بريطانيا وفرنسا وإسرائيل عدواناً ثلاثياً على مصر في أكتوبر 1956م، انتهى بإنشاء قوة حفظ سلام تابعة للأمم المتحدة؛ لحماية القناة وضمان الوصول إلى الجميع، إلا أن قوة حفظ السلام خرجت من شبه جزيرة سيناء عام 1967م، بأمر من عبدالناصر، انتصاراً منه لمواقفه المناهضة للسيطرة الخارجية على مصر، وموقفه الصريح ضد إسرائيل.

وخلال حرب عام 1967م شهدت القناة أعمالاً عسكرية واسعة، وكانت خط مواجهة بين الجيشَين المصري والإسرائيلي، في حين فرض عبدالناصر حصاراً على حركة الملاحة البحرية، وأُعيد فتح القناة بعد عامَين من انتصار الجيش المصري في حرب أكتوبر 1973م.

مرَّت قناة السويس بعمليات تطوير؛ كان آخرها توسيعها عام 2014م، بتكلفة قدرها نحو 8 مليارات دولار، وبذلك أصبحت القناة قادرةً على استيعاب سفينتَين باتجاهَين متعاكسَين في نفس الوقت.

قناة السويس الجديدة

وتستحوذ قناة السويس على نحو 12% من حركة التجارة العالمية، وهو ما يمثل 30% من إجمالي حركة الحاويات العالمية، وما يزيد على 1 تريليون دولار أمريكي من البضائع سنوياً. وعن إيراداتها، قال وزير المالية المصري محمد معيط، إن قناة السويس حققت أعلى عائد بنحو 7 مليارات دولار في العام المالي 2021- 2022.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة