الواجهة الرئيسيةشؤون دولية

قمة برلين ومسار التسوية السلمية في ليبيا

كيوبوست

اختتمت “قمة برلين” المخصصة لليبيا أعمالها في 19 يناير 2020، بتعهدات من الأطراف المشاركة فيها بخصوص تطبيق حظر السلاح على ليبيا، ووقف تقديم دعم عسكري للأطراف المتصارعة، فضلًا عن الاتفاق على تشكيل لجنة عسكرية من 5 ضباط من حكومة الوفاق و5 آخرين من الجيش الوطني الليبي؛ بهدف تحويل الهدنة الحالية إلى وقف دائم لإطلاق النار[1]، بما يمهد لمفاوضات سلام تنهي الأزمة الليبية.

وعلى الرغم من أن قمة برلين قد تضع الأسس لوقف الاقتتال الليبي؛ فإن مؤشرات فشل هذا المسار لا تزال قائمة؛ خصوصًا في ضوء إخفاق كل المحاولات السابقة لتسوية الأزمة الليبية على مدى السنوات الأربع السابقة، والتي استضافتها عواصم عربية وغربية، فضلًا عن وجود اختلال كبير في ميزان القوى الحالي؛ خصوصًا مع سيطرة الجيش الوطني الليبي، المدعوم من البرلمان الشرعي، على نحو 80% من البلاد؛ بما في ذلك أغلب الحقول النفطية وموانئ تصديرها، في حين أن حكومة الوفاق لا تسيطر سوى على جيوب صغيرة في الشمال الغربي من البلاد[2].

اقرأ أيضًا: تصريحات أردوغان الاستفزازية قد تؤثر على نتائج مؤتمر برلين

ويمكن إيراد عدد من الملاحظات على قمة برلين، وما نتج عنها من تفاهمات بين القوى الدولية والإقليمية المعنية بالأزمة الليبية، والتي يمكن إيجازها في التالي:

1-الرهان على المدخل الإقليمي: يلاحظ أن مقاربة برلين ارتكزت بصورة أساسية على أخذ تعهدات من القوى الإقليمية والدولية المنخرطة في الأزمة الليبية بوقف دعمها العسكري للأطراف المتصارعة؛ وذلك لتجميد الصراع مرحليًّا، وفتح المجال أمام مفاوضات قادمة، قد ترسي اتفاق سلام يسعى لتسوية القضايا الخلافية العالقة بين الجانبَين.

ومن جهة ثانية، فإن المشير خليفة حفتر، قائد الجيش الوطني، وفايز السراج، رئيس حكومة الوفاق، لم يشاركا في المفاوضات، وهو مؤشر على صعوبة التوافق بين الجانبَين، وأن القضايا الخلافية بينهما لا تزال تعوق أي تواصل مباشر بين الجانبَين، وهو ما قد يفرض تحديات أمام أية تسوية سلمية مستقبلًا. كما أنه قد يفتح الباب أمام انهيار الهدنة القائمة من خلال اتهام الطرف الآخر بانتهاكها؛ بما يفتح الباب أمام تجدد المواجهات العسكرية من جديد.

المشير خليفة حفتر وفايز السراج

2-تجاوز التفاهمات الروسية- التركية: سعت موسكو وأنقرة لفرض تسوية للأزمة الليبية تتجاهل الأطراف الأخرى الفاعلة؛ بما في ذلك القوى الإقليمية الداعمة لحفتر، بل وتتجاهل مصالح الجيش الوطني نفسه، وذلك من خلال النص على بنود مثل تشكيل لجنة روسية- تركية مشتركة لمراقبة تنفيذ الهدنة، بالإضافة إلى بند يتعلق بسحب القوات إلى الثكنات[3]، بما يعنيه ذلك من فك حفتر لحصاره على طرابلس.

ونظرًا لعدم واقعية الاتفاق الروسي- التركي، فإن مؤتمر برلين تجاهل هذه المقترحات، واستبدل بها بنودًا أخرى أكثر منطقية يتقدمها تشكيل لجنة عسكرية مكونة مناصفةً من حكومة الوفاق والجيش الوطني الليبي، يتم تشكيلها بموجب مبادرة للأمم المتحدة[4]، فضلًا عن وجود تلميحات غربية، وتصريحات إيطالية، بالدخول طرفًا في مراقبة وقف النار؛ بما يعنيه ذلك من إبعاد تركيا عن مسعاها لأن تكون طرفًا في هذه الترتيبات.

اقرأ أيضًا: تركيا الأردوغانية والاستعمار الجديد

3-التوصل إلى توافقات جزئية وغير ملزمة: على الرغم من أن التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار وفرض حظر للسلاح على الأطراف المتصارعة يمثل خطوة ضرورية لأية تسوية سلمية؛ فإنه في حقيقة الأمر يتجاهل حقيقة أن فرض حظر السلاح كان قائمًا على الأطراف المتصارعة في ليبيا منذ فترة طويلة، بموجب القرار الأمي رقم 2420[5]، ولم يلتزم به أي من أطراف الصراع؛ بل إن تركيا تجاوزته، إذ إن دعمها لم يقتصر على إرسال السلاح إلى حكومة الوفاق، بل تعداه إلى إرسال عناصر إرهابية سورية لدعم حكومة الوفاق.

ويلاحظ أن هذا الاتفاق لم يقدم أي جديد بخصوص هذه النقطة تحديدًا؛ خصوصًا مع تأكيد المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، يوم الأحد الماضي، أن زعماء العالم لم يبحثوا في أثناء قمتهم حول ليبيا في برلين إمكانية فرض عقوبات في حالة انتهاك حظر الأسلحة المفروض على ليبيا؛ بما يعنيه ذلك من إمكانية مواصلة الأطراف المعنية بالأزمة خطواتها لتقديم الدعم العسكري للأطراف الليبية المتصارعة.

عملية نقل مرتزقة إلى ليبيا تتواصل- المصدر: “المرصد السوري لحقوق الإنسان”

4-الإشارة إلى ضرورة وقف نقل تركيا لعناصر إرهابية إلى ليبيا: إحدى القضايا التي كانت مسار قلق هي العناصر الإرهابية التي أرسلتها تركيا للقتال إلى جانب صفوف حكومة الوفاق، فقد طالب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الأحد الماضي، خلال مؤتمر برلين حول ليبيا، بـ”الكف” عن إرسال مقاتلين سوريين موالين لتركيا إلى طرابلس دعمًا لـ”الوفاق”[6].

كما أكد أرون تيستا، المتحدث باسم الخارجية الأمريكية، قبيل انعقاد المؤتمر بيوم واحد، ضرورة قيام الدول التي تدَّعي دعمها لليبيا، بسحب قواتها من هناك. كما عبّر الاتحاد الأوروبي عن مخاوف مماثلة على لسان جوزيب بوريل، وزير الخارجية الأوروبي.

ونظرًا لأن نقل التنظيمات الإرهابية السورية إلى ليبيا يمثل إحدى القضايا الشائكة، والتي قد يتم تناولها خلال مفاوضات السلام المقبلة، فإنه لم تتم الإشارة إليه صراحةً في البنود المسربة عن مؤتمر قمة برلين، وربما كان الهدف الأساسي هو حشد التأييد الدولي لوقف إطلاق النار؛ لتمهيد الطريق لتناوله لاحقًا في إطار أي مفاوضات سلام قادمة. غير أنه في ضوء الاهتمام الأوروبي والأمريكي بهذه القضية، فإنه من المتوقع أن يتم بذل ضغوط دولية على أنقرة لوقف إرسال أي عناصر إرهابية إضافية؛ بل وسحب ما تم إرساله فعلًا.

اقرأ أيضًا: انشقاق سفير ليبيا في غينيا عن حكومة الوفاق يهدد تحالف أردوغان- السراج

5-النص على بنود عامة وخلافية: تمثَّل أحد البنود المسربة عن مؤتمر برلين في الدعوة إلى إصلاحات أمنية من خلال دمج كل الهياكل العسكرية أو شبه العسكرية؛ بما فيها الميليشيات المنخرطة تحت لواء حكومة الوفاق، وكذلك الجيش الوطني الليبي بقيادة حفتر، تحت منظومة أمنية واحدة والعمل تحت سلطة الدولة[7].

وتمثل هذه النقطة مثار خلاف كبير، ليس فقط بسبب اعتراض الجيش الوطني الليبي عليها، أو بسبب وجود ميليشيات إرهابية وإجرامية متحالفة مع حكومة السراج في طرابلس؛ ولكن لأن القوى الإقليمية المعنية ترفض أن يتم النص على دمج هذه الميليشيات في أي ترتيبات أمنية مستقبلية، وهي النقطة التي أكدتها عواصم عربية مثل القاهرة، فقد أكد الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، في 31 ديسمبر 2019، ثوابت الموقف المصري الهادف إلى “استعادة الأمن والاستقرار في ليبيا”، وذلك من خلال “دعم جهود مكافحة الإرهاب وتقويض نشاط الميليشيات المسلحة”[8]، في إشارة إلى الميليشيات المسلحة المتحالفة مع حكومة الوفاق.

الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي والمشير خليفة حفتر في قصر الرئاسة المصرية

كما أنه لا يمكن تصور أي مستقبل للدولة الليبية، إذا ما ظلت مرتهنة بأوامر رؤساء ميليشيات مدرجين على عقوبات الأمم المتحدة؛ بسبب سجلهم الإرهابي أو الإجرامي، خصوصًا أن الاختلال الواضح في ميزان القوى بين هذه الميليشيات والجيش الوطني لصالح الأخير، يجعل مثل هذا الدمج أمرًا غير ضروري للتوصل إلى سلام نهائي.

6-اتجاه بعض الأطراف المعنية إلى فرض الأمر الواقع: فقد وضح هذا في إعلان المؤسسة الوطنية يوم الأحد الماضي، أي بالتزامن مع انعقاد المؤتمر، إغلاق حقلَي الشرارة والفيل الرئيسيَّين جنوب غرب البلاد، بالإضافة إلى موانئ التصدير، في خطوة تهدف إلى منع حكومة الوفاق، التي تحصل على عائدات تصدير النفط، من توظيف هذه الأموال في استجلاب عناصر إرهابية، وتسليحها بأسلحة تركية، فضلًا عن محاولة الضغط على المجتمع الدولي للاعتراف بالأمر الواقع، وهو أن الجيش الوطني الليبي المدعوم من البرلمان الشرعي، والذي بات يسيطر على أغلب الأراضي الليبية، من حقه أن يدير موارد النفط الليبية. ونظرًا لأن هذه النقطة تعد خلافية، وتركيز المؤتمر على إنجاح وقف إطلاق النار، فقد أكد هايكو ماس وزير خارجية ألمانيا، أن جانبَي الصراع في ليبيا تعهدا بمحاولة التوصل إلى حل بشأن موانئ النفط المغلقة؛ لتتحول هذه النقطة إلى إحدى القضايا المؤجلة لمفاوضات لاحقة.

اقرأ أيضًا: الدور التركي في ليبيا.. قراءة للسياقات الداخلية والإقليمية

وفي الختام، لم يمثل مؤتمر برلين سوى خطوة في اتجاه تأكيد وقف إطلاق النار بين الفرقاء الليبيين، ومحاولة البناء عليها، واستثمارها لاحقًا من أجل فتح الباب أمام مفاوضات دبلوماسية ترسي السلام في ليبيا، غير أنه عجز عن وضع أي أسس لاتفاق سلام يعترف بالواقع الميداني في الأرض، وفضَّل تأجيل ذلك إلى مؤتمرات تالية.

ومن الملاحظ أن غياب أية تسوية سلمية لا تأخذ في الاعتبار مصالح البرلمان الشرعي، والجيش الوطني المنبثق عنها، فضلًا عن اختلال توازن القوى في ليبيا لصالح الأخير، لا يمكن أن يترتب عليها استقرار في ليبيا. ويفتح الطريق من جديد أمام خيار الحسم العسكري، وكما أكد بوريل نفسه خلال نقاش في البرلمان الأوروبي: لقد قال الأوروبيون سابقًا إنه لا حل عسكري في سوريا، غير أن ما حدث في سوريا كان حلًّا عسكريًّا، مضيفًا “هناك خطر أن يتكرر الوضع نفسه في ليبيا”[9].

المراجع:

[1]) https://bit.ly/37lepOZ

[2]) https://bit.ly/2TFuXNB

[3]) https://bit.ly/2RbCcec

[4]) https://bit.ly/38mNJx5

[5]) https://bit.ly/3auZt2K

[6]) https://bit.ly/30EwvIR

[7]) https://bit.ly/30BDbYp

[8]) https://bit.ly/2G8EaFX

[9]) https://bit.ly/38r7RhU

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة