الواجهة الرئيسيةشؤون خليجية

قطر.. ونهاية النفق

كيوبوست

أصدر طارق إبراهيم، الكاتب الصحفي السعودي ورئيس تحرير صحيفة “عناوين” الإلكترونية، كتابًا بعنوان “قطر.. ونهاية النفق”؛ لكي يقدم إلى المكتبة العربية وجهة نظر جديدة حول فهم السلوك القطري، والذي انتهج سياسات أضرت بجيرانه من دول الخليج العربية، وأحدثت شرخًا في العلاقات الخليجية البينية.

ويؤرخ إبراهيم لبداية سياسات قطر العدائية تجاه محيطها الخليجي والعربي مع انقلاب الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، في 27 يونيو 1995، ضد والده؛ إذ إنه في أعقاب هذا الانقلاب، عمدت قطر إلى اعتماد سياسات مارقة، هدفت من خلالها إلى تقويض أمن الدول العربية، والتدخل في شؤونها الداخلية. وكانت أولى أدواتها في هذا الإطار إنشاء قناة “الجزيرة” في يناير 1996، والتي اتبعت سياسة تحريضية ضد الدول العربية، فضلًا عن التآمر مع بعض الدول العربية أو الغربية على دول المنطقة، كما في اتفاق أمير قطر مع الرئيس الليبي الأسبق معمر القذافي، على اغتيال الملك عبدالله بن عبدالعزيز.

اقرأ أيضًا: تحالف إيراني- قطري لاستهداف اليمن

ويركز الكتاب على فضح التناقضات القطرية؛ إذ إن النظام القطري يستخدم قناة “الجزيرة” كأداة إعلامية يسعى من خلالها إلى مناصرة قضايا العرب والمسلمين، بل والمضطهدين في العالم، في الوقت الذي تستضيف فيه قطر أكبر قاعدة أمريكية في منطقة الشرق الأوسط، والتي من خلالها قام الجيش الأمريكي بقصف كلٍّ من أفغانستان والعراق وسوريا.

فهم سياسات الدوحة

يقدم الكتاب تفسيرًا للسياسة القطرية، ويرجعها إلى ثلاثة أسباب أساسية؛ يتمثل أولها في شعور القلق وعدم الأمان الذي رافق اللحظات الأولى لتأسيس الدولة، والذي تمثل في الصراع بين القبائل على قيادة الدولة، ونجاح أسرة آل ثاني، في نهاية المطاف، في حسم الصراع لصالحها عبر الحصول على دعم قوى خارجية، كما في إعلان آل ثاني ولاءهم الشكلي للدولة العثمانية المنهارة، وتحالفهم الفعلي مع السلطات البريطانية، في مواجهة السعودية.

غلاف كتاب “قطر ونهاية النفق”

أما ثانيها، فيتمثل في القيود الجغرافية والديموغرافية؛ خصوصًا موقعها الجغرافي، فضلًا عن مساحتها الصغيرة، وانخفاض حجمها السكاني، ومحدودية عدد سكانها، بما استتبعه ذلك من تعزيز حالة القلق والخوف. ويرجع السبب الثالث إلى محاولتها تبنِّي سياسات متناقضة تسعى إلى الحفاظ على علاقات مفتوحة مع كل القوى الإقليمية والدولية؛ حتى إن تبنَّت هذه القوى سياسات متصارعة، ومن ذلك محافظتها على علاقات قوية مع إيران، في الوقت الذي تستضيف فيه قواعد أمريكية، وتموِّل التنظيمات التي تحارب النظام السوري، أحد حلفاء طهران. أو في إقامتها علاقات قوية مع حركة طالبان الأفغانية، أو في دعمها المعلن للقضية الفلسطينية وحركة حماس، في الوقت الذي تستقبل فيه الوفود الإسرائيلية.

مرتكزات السياسة القطرية

هدفت الدوحة من خلال سياسة “الاستقواء بالخارج” إلى تحقيق هدفَين أساسيَّين؛ هما: تحدي السعودية، ثم محاولة انتزاع مكانتها، كما في إقرار الشيخ عبدالله آل ثاني في عام 1916 بتبعيته إلى البريطانيين، ثم محاولة الاستقواء بالولايات المتحدة مع نهاية الحرب الباردة، وأن تكون إحدى أدواتها لتنفيذ مشروعها الجديد تجاه منطقة الشرق الأوسط ممثلةً في “نظرية الفوضى الخلاقة”، ومحاولة واشنطن السيطرة على المنطقة. فلم تبدأ قطر في توظيف “الجزيرة” ضد الرياض إلا بعد عام 2001، وتسليم قطر قاعدة العديد إلى القوات الأمريكية ومنحها حق استغلالها.

اقرأ أيضًا: قناة الجزيرة المُرتبِِكة.. وقطر الأكثر ارتباكًا

ولم تسعَ قطر إلى تعزيز علاقاتها بالولايات المتحدة؛ بل اتجهت كذلك إلى تعزيز علاقاتها بإسرائيل، وهو ما وضح في زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي، آنذاك، إلى قطر في عام 1996، وافتتاح مكتب إسرائيلي للتمثيل التجاري. وعمدت الدوحة إلى توظيف “الجزيرة” لمهاجمة الرياض وإحراجها؛ خصوصًا بعد عام 2003، أي بعد الغزو الأمريكي للعراق، وتعيين قطر الإخواني وضاح خنفر، مديرًا للقناة بأمر من الولايات المتحدة؛ إذ رغبت القناة من خلال برامجها وتغطيتها الإعلامية إضعاف موقف السعودية ودورها، فضلًا عن محاولة إحداث انقسام في المجتمع السعودي بين تيارَين علماني وتكفيري.

أما المرتكز الآخر للسياسة القطرية فتمثل في المال؛ خصوصًا بعد تطور صناعة الغاز الطبيعي المسال، والذي لم يوفر مصادر مالية لتعزيز السياسة القطرية وحسب؛ بل مكَّنها كذلك من ربط الاقتصاد القطري بالاقتصاد العالمي.

الكاتب الصحفي طارق إبراهيم يوقع كتابه “قطر ونهاية النفق”

وتمثل ثالث مرتكزات السياسة القطرية في دعم جماعة الإخوان المسلمين، وذلك لاستثمار هذا النفوذ الذي تتمتع به الجماعة في بعض الدول العربية، وتوظيفها في مرحلة تالية كإحدى الأدوات الرئيسية في تنفيذ مخطط “الفوضى الخلاقة”. أما جماعة الإخوان المسلمين، فاعتبرت النظام القطري نظامًا ضعيفًا تسهل السيطرة عليه، ومن ثَمَّ الاستفادة بمقدراته المالية، وعلاقته الوثيقة بالغرب وإسرائيل؛ لتعويض الخسائر التي لحقت بالجماعة إثر معارضتها السياسة السعودية تجاه منطقة الخليج في عام 1990. وكان من أبرز أدوات استثمار قطر لعلاقاتها بالإخوان في محاولة لعب دور إقليمي في بعض الملفات؛ مثل الوساطة بين “حماس” والسلطة الفلسطينية، أو حتى “حماس” وإسرائيل.

الانتقال إلى التدخل

أدى سقوط أربعة نظم عربية (تونس وليبيا ومصر واليمن) في عام 2011، إلى سعي قطر إلى توظيف هذه الأحداث من خلال دعم وصول الإخوان المسلمين إلى عدد من الدول العربية، ومن ثَمَّ تمكين قطر من إحكام السيطرة على شؤون دول محورية. وفي المقابل، فإن قطر سعت إلى توظيف هذه الاضطرابات في إطار الترتيبات الأمريكية للوصول إلى مرحلة الفوضى الخلاقة. ولعل هذا كان واضحًا في المؤتمر الذي استضافته الدوحة في فبراير 2010، تحت عنوان “مستقبل الإسلاميين في الوطن العربي”، والذي ركز على التعايش بين الإخوان المسلمين والغرب.

اقرأ أيضًا: استقالة مثيرة للجدل لرئيس الوزراء القطري 

ورعى المؤتمر شبكة “الجزيرة”، التي استضافت قيادات لعبت دورًا في المشهد السياسي لبلدانها لاحقًا؛ مثل راشد الغنوشي زعيم حركة النهضة التونسية، وعبدالمنعم أبو الفتوح، القيادي الإخواني المصري. وسعى المؤتمر إلى الترويج بأن النظم العربية الحالية هي نظم فاشلة، تمثل تهديدًا للمصالح الغربية، وأن طريق الاستقرار يتحقق في المنطقة من خلال مشاركة الإسلاميين في السلطة، وأن الإسلاميين بمقدورهم الحفاظ على المصالح الغربية في الشرق الأوسط. كما كان لافتًا أن الخارجية الأمريكية طرف رئيسي في المؤتمر.

ووظفت قطر وسائل عدة لتمكين الإخوان المسلمين من الحكم في أعقاب الربيع العربي. ففي تونس، وظَّفت قطر وسائل الإعلام والجماعات الخيرية، فضلًا عن التخطيط لتصفية شخصيات بعينها، وتقديم الدعم العسكري والمادي ضد الجماعات المتطرفة والإرهابية التي حاربت القذافي في ليبيا. أما في مصر، فقد بدأت قطر في تقديم الدعم المادي إلى جماعة الإخوان المسلمين فيها؛ بدءًا من عام 2005. وعقدت لقاءات معها على الأراضي التركية. ومع اندلاع الاضطرابات في مصر، حوَّلت الدوحة نحو 100 مليون دولار إلى الإخوان المسلمين في مصر؛ لتمويل العنف قبيل “جمعة الغضب” في 28 يناير 2011. وأخيرًا، تورَّطت قطر في دعم التنظيمات الإرهابية في سوريا بدءًا من عام 2011.

اقرأ أيضًا: جماعة الإخوان المسلمين في أوروبا.. أخطر أقلية إسلامية

استهداف الجوار الخليجي

فشلت قطر في توجيه الربيع العربي، مع إطاحة الاحتجاجات في مصر بالإخوان المسلمين، وخسارتهم الانتخابات في ليبيا، وتراجع وزنهم الانتخابي في تونس في عام 2013، وهو ما ترك أمام الدوحة خيارَين؛ هما: القبول بالأمر الواقع وانتكاسة نفوذها الإقليمي أو مواصلة دعم الإخوان المسلمين؛ غير أن قطر اختارت الخيار الثاني والانتقام، وأعادت انتهاج السياسات التي لجأت إليها في عام 2003، حينما سَعَت للتآمر على قيادات السعودية.

وعادت قطر منذ عام 2013 لتبنِّي سياسات عدائية ضد الدول الخليجية نفسها؛ حيث تورطت في دعم أعمال تخريبية داخل المملكة العربية السعودية بهدف إثارة الفتنة، وتشجيع الانقسامات. كما اكتشف كلٌّ من المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة مؤامرة قطرية في عام 2013 تهدف إلى تأليب بعض مواطني الدولتَين ضد قيادتَيهما، عبر نشر الشائعات والإساءات على مواقع التواصل الاجتماعي. وسعت إلى دعم الإخوان المسلمين داخل دولة الإمارات.

بعض أنصار جماعة الإخوان المسلمين يرفعون الأعلام – أرشيف

أما في البحرين، فقد وظَّفت الدوحة قناة “الجزيرة”، بالإضافة إلى الجماعات الشيعية الموالية لإيران، وسَعَت في عام 2011 إلى إثارة الفتن والاضطرابات؛ بهدف الانتقاص من شرعية النظام الحاكم، فضلًا عن تورط قطر في تمويل عمليات إرهابية ضد البحرين؛ ومنها التفجير الإرهابي الذي استهدف الشرطة البحرينية في 28 يوليو 2015.

وكانت إحدى نتائج السياسات العدائية القطرية ضد دول الخليج العربية أن قامت السعودية والإمارات والبحرين بقطع العلاقات الدبلوماسية مع قطر؛ بسبب تدخلها في الشؤون الداخلية ودعم الإرهاب، كما قلَّصت الدول الثلاث من تعاملاتها الاقتصادية مع الدوحة. ووضعت الدول الثلاث شروطًا لاستعادة العلاقات مع قطر، والتي يأتي في مقدمتها التوقف عن التدخل في الشؤون الداخلية، ووقف دعم الإرهاب، غير أنه بدلًا من أن تنصاع قطر إلى المطالب العادلة، تمادت في عدائها لدول الخليج، وشرعت في تعزيز علاقاتها مع كل من تركيا وإيران.

اقرأ أيضًا: كتاب مثير عن استراتيجية تغلغل الإخوان المسلمين في فرنسا والعالم

وفي الختام، يؤكد الكتاب أن قطر خسرت كثيرًا، ولم تنجح في تنفيذ كثير من مخططاتها، ولم تستطع أن تهدد دول الخليج العربية، ومُنيت بخسائر مادية فادحة في الوقت الذي انتكست فيه سياساتها الخارجية، في أكثر من دولة عربية، وسيكون عليها في النهاية الرضوخ للحقائق الجغرافية، والسعي إلى تحسين علاقاتها بدول الجوار.

مستقبل الأزمة القطرية

تواصل موقع “كيوبوست” مع مؤلف الكتاب الأستاذ طارق إبراهيم، حول الكتاب؛ لمعرفة وجهة نظره حول فرص اتجاه قطر إلى التراجع عن سياستها الحالية، القائمة على تهديد أمن دول الجوار؛ حيث أكد أن فرص حدوث ذلك تبدو معدومة، وأشار إلى عدد من المؤشرات في هذا الإطار؛ أبرزها الحديث عن إمكانية حدوث مصالحة خليجية مع قطر خلال القمة الخليجية الأخيرة في ديسمبر 2019، والتي صاحبتها تهدئة لهجوم وسائل الإعلام القطرية، ومن ضمنها “الجزيرة”، ضد السعودية؛ غير أنه ما لبثت أن عاودت نفس هذه الوسائل الإعلامية هجومها الضاري ضد الرياض.

أمير قطر تميم بن حمد يقبِّل رأس القرضاوي خلال احتفال في الدوحة- 2017 – وكالات

 

وحول أسباب تراجع النظام القطري عن المصالحة مع السعودية وباقي دول الخليج العربية، أرجع الأستاذ إبراهيم ذلك إلى ارتهان القرار القطري بتركيا وإيران؛ إذ باتت الدوحة خاضعةً تمامًا، وَفقًا لرأيه، لما تمليه عليها الدولتان، وبالتالي فإن أية انفراجة في العلاقات الخليجية البينية سوف ترتبط بتغيير النظام الحاكم في قطر؛ خصوصًا مع تعمُّد هذا النظام الإضرار بالسعودية وشعبها، ومحاولته الدؤوبة للنيل من مكانتها الإقليمية والدولية، بصورة تسببت في خلق حاجز نفسي بين شعوب الدول الخليجية.

اقرأ أيضًا: أسباب الأزمة الخليجية.. دور قطر في تعزيز التطرّف

وعما إذا كانت انتكاسة بعض السياسات القطرية في الإقليم قد تدفع صانع القرار في الدوحة إلى إعادة تقييم سياستها الإقليمية، أكد إبراهيم أن الدوحة لا تبالي بالأموال التي تقوم بإنفاقها، حتى إن لم تنجح من خلالها في الحصول على مردود إيجابي، وذلك نظرًا لما يراه  حرصًا شديدًا من جانب النظام القطري على تسخير قوته المالية من أجل أن تصبح قطر دولة رئيسية قادرة على منافسة السعودية، والنيل من مكانتها، وهو أمر مستحيل تمامًا، وَفقًا له، الأمر الذي يجعل السياسة القطرية في الإقليم متخبطة، ويجعلها في النهاية عاجزةً عن تحقيق أهدافها.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة