الواجهة الرئيسيةشؤون خليجيةشؤون عربية

قطر و”حزب الله”.. قوة “المال” وخيبة “الخيانات”

لقي عماد مغنية؛ أهم القادة العسكريين لـ"حزب الله"، مقتله في غارة إسرائيلية على دمشق. تحقيقات "حزب الله" والسلطات السورية التي تم تسريب بعضها إلى وسائل الإعلام (قبل سحبها بطلب إيراني) خلُصت إلى أن الاختراق الإسرائيلي لتحركات عماد مغنية تم بفضل معلوماتٍ سلمتها المخابرات القطرية إلى إسرائيل. اعتمدت قطر في جمع هذه المعلومات على قياديين من حركة حماس كان مغنية يلتقيهم لتنظيم عمليات تهريب الأسلحة وهندسة صناعة الصواريخ قصيرة المدى إلى غزة.

كيوبوست

تنشأ التحالفات وَفق المنطق السياسي: ضمان الأمنَين الوطني والإقليمي، وتكامل المصالح وعمق المشتركات الاجتماعية والثقافية. أما في قطر فتنشأ التحالفات وتنتهي وَفق معايير أخرى: المصالح المؤقتة، وسيولة المواقف والشك المحمولَين بقوة المال وخيبة الخيانات.

في 21 أغسطس 2006م مثَّلت زيارة أمير قطر السابق الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، إلى الضاحية الجنوبية (معقل “حزب الله” في العاصمة بيروت) بعد أيام من انتهاء العمليات العسكرية في حرب تموز بين إسرائيل و”حزب الله” انطلاقة تحالف وشراكة مثيرة للجدل بين كل من قطر و”حزب الله” اللبناني.

لم يغادر الأمير القطري بيروت وسط أهازيج جمهور حزب الله (شكراً قطر) قبل أن يعلن تكفل خزينة المال القطرية بالمساهمة في جهود إعادة الإعمار من جهة، وتأكيده مشروعية سلاح “حزب الله” من جهة أخرى. جرَى كلُّ ذلك في ظل علاقة فاعلة وزيارات مستمرة بين الدوحة وتل أبيب.. هكذا أصبحت الدوحة المربكة والمرتبكة في تحالفاتها حليفاً للضاحية الجنوبية وتل أبيب معاً.

اقرأ أيضًا: تمويل الدوحة لـ”حزب الله” تفصيل ضمن خطة كبرى

بخزينةٍ مفتوحة ويدها الإعلامية الشعوبة الضاربة (قناة الجزيرة) ساعدت قطر “حزب الله” على الفكاكِ من عزلة سياسية عربية خانقة، وأقنعت كثيراً من اللبنانيين المناوئين لـ”حزب الله” أن حسن نصر الله أبقى لهم من الوقوف والجمود في لحظة اغتيال الشهيد رفيق الحريري 14 فبراير 2005 أو المطالبة بكشف تورط سوريا و”حزب الله” في حادثة الاغتيال. جرَى ذلك في توقيتٍ كانت بقية دول الخليج تؤمن فيه بأن تحركات القطريين لا ولن تكون بعيدةً عن مصالح المجموعة.

الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله

ربيع العلاقات بين قطر و”حزب الله” لم يدم طويلاً؛ أولى الخيانات كانت قطرية. في 12 فبراير 2008 لقي عماد مغنية، أهم القادة العسكريين لـ”حزب الله” مقتله في غارة إسرائيلية على دمشق. تحقيقات “حزب الله” والسلطات السورية التي تم تسريب بعضها إلى وسائل الإعلام (قبل سحبها بطلب إيراني) خلُصت إلى أن الاختراق الإسرائيلي لتحركات عماد مغنية، تم بفضل معلومات سلمتها المخابرات القطرية إلى إسرائيل. اعتمدت قطر في جمع هذه المعلومات على قياديين من حركة حماس كان مغنية يلتقيهم لتنظيم عمليات تهريب الأسلحة وهندسة صناعة الصورايخ قصيرة المدى إلى غزة.

ألقت هذه العملية بظلالها على العلاقات بين “حزب الله” وإيران من جهة، وقطر وحركة حماس (مكتب خالد مشعل) من جهة أخرى. توقفت جميع التفاهمات والتعاون المشترك بين “حزب الله” وحركة حماس، وأصبحت السماء ملبدة برائحة الخيانات والغدر.

اقرأ أيضاً: تمويل الإرهاب.. كيف تجد قطر نفسها متورطة في الجدل مجددًا

بوساطة إيرانية، عادت علاقات قطر مع “حزب الله” إلى الأضواء من جديد، ولا يُعرف ثمن هذه العودة؛ لكنها كلفت القطريين الكثيرَ من المال. مرة أخرى تتدخل الدوحة كرافعة لـ”حزب الله” وصولاً إلى اتفاق الدوحة في  21 مايو 2008 الذي لعبت فيه قطر دور الوسيط بين “حزب الله” ومختلف الفرقاء اللبنانيين.

مع اندلاع الحرب الأهلية في سوريا، 15 مارس 2011، بأشهر معدودة، عاد تحالف قطر و”حزب الله” إلى نقطة الصفر؛ هذه المرة في مواجهة مسلحة بين جماعات إسلامية تكفيرية مسلحة بتمويل وعتاد من الدوحة وشريكها التركي من جهة، وقوات “حزب الله” المرابطة حول دمشق وخلفها الراعي الإيراني من جهة أخرى. وقتئذ؛ تحوَّل “حزب الله” على شاشة “الجزيرة” من (بطل حرب تموز 2008 ورمز المقاومة الوطنية ضد إسرائيل) إلى (ميليشيا طائفية تقف في صف الديكتاتور السوري بشار الأسد بإيعاز من الولي الفقيه آية الله خامنئي)، لم يكن هذا التحول في خطاب “الجزيرة” التفاتة تصحيحية في سياسات قطر الخارجية؛ بل مجرد تحول جديد وسيولة جديدة سُرعان ما ستتغير بعد أعوامٍ ثلاثة.

عناصر حزب الله اللبناني – أرشيف

سقوط الرهان القطري في سوريا مطلع عام 2014م، وفضح تورطها في تمويل الجماعات الجهادية المسلحة، أجبرا القطريين على لملمة ملفاتها في الداخل السوري؛ لتزج بالسعودية في أتون كَراعٍ لحرب لا ناقة لها فيها ولا جمل. هنا بالتحديد، عادت الدوحة لحليفها القديم (حزب الله) وعقدت صفقات عدة؛ لتخليص فلول جماعاتها الجهادية المحاصرة في ريف دمشق وأكثر من مدينة سورية.

“حزب الله” المتلهف لحليف عربي يستطيع أن يكسر عزلته القاتلة، آنذاك، نسج مع القطريين علاقات وازنة لم تقتصر على تسيير فك الاشتباك في أكثر من موقع لصالح ترحيل المجموعات المسلحة إلى إدلب؛ بل تعدَّى ذلك بعد ثلاث سنوات من الشراكة لصفقة (مليارية) تقاسمها “حزب الله” مع حلفاء آخرين: الجنرال الإيراني قاسم سليماني، وميليشيات عراقية تابعة لطهران.

قاسم سليماني – أرشيف

في 15 أبريل 2017 وصل إلى مطار بغداد مسؤول قطري رفيع محمل بـ23 حقيبة تحوي 360 مليون دولار أمريكي كفدية للإفراج عن رهائن قطريين تختطفهم جماعة مسلحة تابعة لطهران، كانت تلك الدفعة الأخيرة من صفقة كبيرة وفَّرت لـ”حزب الله” ملاءة مالية كان في أمسّ الحاجة إليها.

لم تكن الرياض وأبوظبي في غفلة عما يدور في لبنان وسوريا والعراق؛ لكنهما كانتا تمنحان الأمير الجديد تميم بن حمد آل ثاني، الفرصة تلو الأخرى لتجاوز ما خلفته سياسات والده، وتلك التركة المشؤومة من العلاقات والتحالفات المسمومة. تلك الفدية تحديداً كانت القشة التي قصمت ظهر البعير؛ حيث بدا الأمير الشاب وكأنه الابن الذي يُكمل مسيرة أبيه لا مَن يتبرأ منها. وعليه، كانت لحظة 5 يونيو 2017 مع إعلانِ كلٍّ من السعودية والإمارات والبحرين، ودولٍ عربية وإسلامية مقاطعة قطر، خياراً لا مفر منه؛ فالمواثيق القطرية لا تُحتَرم وتعُهدات رؤوس السلطة القطرية لا يُلتزم بها.

تميم بن حمد أمير قطر – وكالات

الخلاف الخليجي- الخليجي فتح شهية كل من طهران وأنقرة للدخول بحثاً عن مكاسب تبدو مؤكدة. بعد يومين من إعلان المقاطعة، وتحديداً ظهيرة الأربعاء 7 يونيو، وفي زيارة غير معلن عنها مسبقاً، نزل وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف، ضيفاً على الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، في العاصمة أنقرة. استقبلت الدوحة مقررات الاجتماع التركي/ الإيراني الذي لم تشارك فيه باعتبارها أوامر واجبة التنفيذ، خصوصاً أنه على مدى يومين اثنين لم يكن في مقدور القطريين تصديق ردود البيت الأبيض على طلبات الدوحة إلا بالعبارة نفسها: (الرئيس مشغول ولا يجد الوقت مناسباً للحديث مع أمير قطر).

شاهد: فيديوغراف.. تعاون قطر مع “حزب الله” ليس مفاجئاً

المقررات التركية- الإيرانية كانت على الشكل التالي: الإسراع في تنفيذ اتفاقية الدفاع المشترك وإرسال قوات عسكرية تركية إلى الدوحة على نفقة الأخيرة، وتخصيص 3 موانئ إيرانية على الخليج العربي؛ لنقل البضائع، وأخيراً إيكال مهمة اللقاءات الدبلوماسية مع واشنطن والدول الأوروبية إلى الدوحة، بينما تتولى كل من طهران وأنقرة مسؤولية اختراق الصفَّين العربي والإسلامي في مواجهة الرياض وأبوظبي (بدأ ظريف بالفعل في 12 يونيو2017  زيارات مكوكية شملت دولاً عربية وإسلامية).

هكذا انتقلتِ الدوحة من فضاء العلاقات الخاصة مع “حزب الله” إلى فضاء محور إقليمي جديد تتزعمه تركيا وإيران، دون أن تتنبه إلى أنها ورغم الملاءة المالية ليست سوى الطرف الخاسر والحلقة الأضعف في هذا المحور.

اقرأ أيضًا: مستقبل النفوذ الإقليمي لتركيا وإيران في الوطن العربي

بدءاً من 7 يونيو 2017 سلمت قطر طهران وأنقرة مفاتيح ثروتها المالية وعلاقاتها الخارجية وتموضعت باعتبارها (بيت المال) الذي سيعتمد عليه الحلف في تنفيذ عملياته الأمنية والعسكرية (حزب الله، الجماعات المسلحة في إدلب، الجماعات المسلحة في ليبيا)، وكذلك في إنقاذ اقتصادات تركيا وإيران المتهالكة جراء العقوبات الأمريكية. وعليه، يمكننا الآن أن نتفهم بوضوح سبب ضخِّ الدوحة ما يصل إلى 15 مليار دولار أمريكي إلى تركيا منذ يونيو 2017 وحتى مايو 2020.

وإذا كان من المستطاع معرفة ما ضخته قطر للحليف التركي، فيبقى السؤال مفتوحاً على مصراعيه حول ما قدمته الدوحة إلى حليفها الإيراني وأبرز أذرعه في المنطقة (حزب الله) من مال وسلاح. وعليه، فلا يمكننا أن نتعامل مع الكشف الأخير لقناة “فوكس نيوز” بأن قطر موَّلت شحنات أسلحة إلى “حزب الله” اللبناني إلا باعتبارها جزءاً بسيطاً من فاتورة أكبر، جرى ويجري الوفاء بها.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة