الواجهة الرئيسيةترجمات

قطر.. لغز داخل أحجية وعلامات استفهام تحيط بسياساتها

ترجمات- كيوبوست

نيفي تيلر 

تقدم دولة قطر نموذجًا مثيرًا يستحق الدراسة في المنطقة، في وقت لا يُعرف فيه كثير عن هذه الدولة الخليجية، باستثناء أنها قد أسَّست إمبراطورية إعلامية “عالمية” تُدعى “الجزيرة”، وأن شركة الطيران الوطنية التابعة لها كانت راعية يومًا ما لقناة “سكاي نيوز البريطانية”، فضلًا عن أنها فازت بحقوق استضافة كأس العالم 2022 في ظروف يحيط بها عديد من الشكوك.

في هذا الصدد، وعندما مُنحت الدوحة حق استضافة هذه البطولة، تعهَّدت بالسماح للاعبين الإسرائيليين بالمنافسة على أراضيها، وهذا ما حدث فعلًا في مارس 2019؛ حيث عُزف النشيد الوطني الإسرائيلي في قطر، بعد فوز رياضي إسرائيلي بالميدالية الذهبية في كأس العالم للجمباز.

ولكن، هل سيكون هناك إسرائيليون حاضرون في ملعب قطر المذهل الجديد في عام 2022 لتشجيع فريقهم؟ هذا الأمر لا يزال غير واضح؛ فحتى الآن لم يتمكَّن المواطنون الإسرائيليون من التقدم بطلب للحصول على تأشيرات لزيارة قطر وحضور هذه الفعالية.

لا يوجد شيء يدعو إلى القلق؛ فالمنظمات الحقوقية الدولية تقف مع إسرائيل، كما يقول الكاتب، وتدفع بـ”فيفا” للضغط على قطر؛ بهدف أن تسمح الحكومة القطرية للمواطنين الإسرائيليين بالحصول على تأشيرات دخول إلى البلاد لحضور كأس العالم 2022؛ حيث تمنع مدونة أخلاقيات “FIFA” تحديدًا حظر الأشخاص بناءً على جنسيات بلدهم الأصلي.

شاهد: فيديوغراف: عمال الموت في قطر

تاريخ حافل مع إسرائيل

قطر، التي ربما تكون أغنى دولة في العالم، تواصل السير في طريقها، دون قيود أو محاذير دبلوماسية.. خذوا مثلًا علاقتها مع إسرائيل؛ فمنذ تسعينيات القرن الماضي حرصت قطر على إقامة علاقات مع إسرائيل والحفاظ عليها، ففي عام 1996 سمحت قطر لإسرائيل بفتح مكتب تجاري في العاصمة الدوحة، ولمدة أربع سنوات كانت قطر هي الدولة الوحيدة في مجلس التعاون الخليجي التي طوَّرت علاقاتها مع إسرائيل.

اقرأ أيضًا: “POMED” و “HRW” يعقدان حلقة نقاش حول قطر والتطرف وحقوق الإنسان

في نوفمبر من عام 2000، وبعد الانتفاضة الثانية، هدَّدت المملكة العربية السعودية وإيران بمقاطعة القمة التي تنظمها منظمة المؤتمر الإسلامي ما لم تقطع قطر العلاقات مع إسرائيل. استسلمت قطر حينها وأغلقت المكتب التجاري الإسرائيلي.

وبعد شهر واحد فقط، التقى وزير الخارجية الإسرائيلي السابق شلومو بن عامي، ومسؤول قطري، سرًّا في جنيف، واستؤنفت الاتصالات بين البلدين، خلال السنوات القليلة الماضية. كان شيمون بيريز وإيهود باراك وتسيبي ليفني من بين الإسرائيليين البارزين الذين زاروا قطر.

وفي عام 2006، دعمت إسرائيل محاولة قطر للانضمام إلى مجلس الأمن الدولي؛ وهي خطوة رئيسية في نهوض قطر كوسيط إقليمي للسلام، وعلى الرغم من أن قطر قطعت العلاقات التجارية مع إسرائيل بعد حرب غزة عام 2009؛ فإنها سَعَت مرتَين لاستعادتها.

عرضت قطر السماح بإعادة المهمة الإسرائيلية في الدوحة، شريطة أن تسمح إسرائيل لقطر بإرسال مواد البناء والأموال إلى غزة للمساعدة في إصلاح البنية التحتية هناك. حينها رفضت إسرائيل العرض؛ خوفًا من أن تستخدم الإمدادات القطرية من قِبَل “حماس” في أغراض عسكرية ضد إسرائيل.

أموال ومشروعات

في عام 2012، تسلَّمت قطر زمام الأمور بنفسها، وأنشأت لجنة لإعادة إعمار قطاع غزة، وتعهَّدت باستثمار أكثر من 400 مليون دولار في المشروعات الإنسانية والبنية التحتية في القطاع على مدى السنوات الست التالية.

وبالفعل شيَّدت مدينة “بن خليفة” السكنية التي تضم 116 مبنى وأكثر من 2000 شقة، وقصر العدل، وعديدًا من المنشآت الرياضية والملاعب، فضلًا عن إعادة تأهيل عدد من المجمعات السكنية؛ لكن كل تلك المشروعات كانت تخضع لرقابة صارمة ومتابعة دقيقة من قِبَل الحكومة الإسرائيلية.

في العاشر من سبتمبر، عندما وصل مشروع التمويل الذي تبلغ مدته ست سنوات، إلى نهايته، تحدَّث محمد العمادي، رئيس مجلس إدارة مركز الخليج للأبحاث، مدعيًا أن قطر كانت فعالة في ضمان الهدوء على الحدود بين غزة وإسرائيل، وذلك على الرغم من اندلاع أعمال العنف من حين لآخر.

اقرأ أيضًا: مالبرونو لـ”عين أوروبية”: قطر حاولت منع الوثائقي وفشلت

لم تبدِ إسرائيل أي اعتراض علني على قيام قطر بضخ ملايين الدولارات إلى قطاع غزة، “فالحياة مليئة بالتناقضات والأشياء الغريبة” كما وصف الوضع بدقة يوسي كوبرفاسير، الرئيس السابق للبحوث في الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية.

علاقة مرتبكة مع الجيران

الأمر الأكثر غرابة هو حقيقة أن قطر كانت لأكثر من عامَين تقبع تحت وطأة أزمة مع جيرانها؛ المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة والبحرين ومصر، فاستراتيجية قطر لدعم الإسلاميين مع تقديم نفسها كحليف رئيسي للولايات المتحدة أغضبت جيرانها لفترة طويلة.

في يناير 2014، ضغطت دول الخليج فجأةً على قطر لتوقيع اتفاق يتعهَّد بعدم دعم الجماعات المتطرفة وعدم التدخل في شؤون الدول الأخرى.

وصف ونستون تشرشل روسيا ذات مرة بأنها “لغز مغلف بالسر داخل أحجية”، و قطر على وشك أن تستحق نفس الوصف.

                                                                      نيفي تيلر

عندما رفضت الحكومة القطرية بشكل قاطع الامتثال إلى ذلك، قطعت تلك الدول العلاقات الدبلوماسية معها، وكان أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، البالغ من العمر 33 عامًا، في السلطة منذ أقل من عام، ولم يتمكن من تحمل الضغط، وبعد بضعة أشهر وقَّع القطريون تعهدًا عُرف باسم اتفاقية الرياض.

من الواضح أن كلًّا من المملكة العربية السعودية والإمارات والبحرين قد كونت انطباعًا مختلفًا تمامًا عما تم الاتفاق عليه من القطريين؛ لأنهم توقعوا أن تقلص قطر دعمها للإسلاميين المتطرفين، وسرعان ما وجدوا أنها لا تنوي تلبية توقعاتهم.

وأخيرًا، استنفد صبرهم، واتخذت دول الخليج ومصر إجراءات صارمة، في 5 يونيو 2017 دون إطلاق أي نوع من التحذير هذه المرة، ومع إغلاق معظم الطرق التجارية البرية، كانت قطر مدعومة باستمرار من قِبَل إيران وتركيا اللتين تكفلتا بشحنات المواد الغذائية وغيرها من البضائع، ومع الحفاظ على سوق التصدير العالمية الشاسعة للغاز الطبيعي المسال يبدو أن قطر قادرة على الاعتماد على نفسها إلى أجل غير مسمى.

اقرأ أيضًا: السجل الإرهابي لعملاء بنك الريان القطري في بريطانيا

لذلك تواصل قطر طريقها المتقلب بغض النظر عن كل شيء.. في الآونة الأخيرة كانت قطر تستقطب شخصيات أمريكية يهودية بارزة عن طريق عقد لقاءات لهم مع الأمير، وموَّلت رحلاتهم إلى الدولة الخليجية.

إن هذه المبادرات، التي استسلم لها بعض الأفراد المتميزين، قد تُقلق على نحو غير مريح الجانب الآخر من علاقة إسرائيل الهشة والنامية والمهمة للغاية مع العالم العربي السُّني، والذي بدأ بمقاطعة قطر في المقام الأول.

لقد وصف ونستون تشرشل روسيا ذات مرة بأنها “لغز مغلف بالسر داخل أحجية”، و قطر على وشك أن تستحق نفس الوصف.


 مراسل الشرق الأوسط لمجلة “أوراسيا ريفيو”، وأحدث مؤلفاته كتاب بعنوان “الفوضى في الشرق الأوسط.. 2014- 2016”

 المصدر: جيروزاليم بوست

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة