الواجهة الرئيسيةترجماتثقافة ومعرفة

قصص عشق عاصفة ونهايات حزينة…كيف عاشت وريثات حكام الاتحاد السوفيتي؟ الجزء الأول

ترجمات – كيوبوست

ترجمة : نجاة عبد الصمد

بنات أولئك الآباء..سفيتلانا ابنة ستالين، وغالينا ابنة بريجنيف، ابنتان لحاكمَين في حقبة الاتحاد السوفييتي.. كيف عاشت البنتان بعد انهيار ذلك الاتحاد؟

ماذا لو عادت دول الاتحاد السوفيتي إلى الوحدة مجددًا؟

من بين أبناء ستالين جميعًا لاقت ابنته الصغرى سفيتلانا مصيرًا إلى حدٍّ ما أفضل من باقي إخوتها؛ فبعد وفاة ستالين وإدانة الحكومة اللاحقة لنهج عبادة الفرد الذي اختطّه الزعيم الراحل، بدَّلت سفيتلانا كنيتها إلى اسم عائلة أُمها. كان عمر سفيتلانا ليس أكثر من ست سنوات حين توفيت والدتها ناديجدا أليلويفا، (ماتت منتحرةً، حسب الرواية الرسمية)، وبالطبع لم يكن لدى الوالد القائد بقيةٌ من وقتٍ لتربية ابنته. تولَّتها مدبرةُ المنزل لتكبر في إحدى المزارع التي تحمل اسم ستالين في ضواحي موسكو. التحقت سفيتلانا بالمدرسة النموذجية الخامسة والعشرين التي درس فيها أخوها الأكبر فاسيلي، وتخرجت فيها بتقدير امتياز.

ستالين وابنته سفيتلانا الصورة من AP

عمد ستالين إلى إنشاء أطفاله دون رفاهٍ كثير، وهو نفسه أيضًا كان يكتفي بالقليل في حياته اليومية؛ إنما بالطبع لم يكن ينقص سفيتلانا شيءٌ من حاجياتها الضرورية. استهوتها الدراسة في معهد غوركي للأدب؛ لكنها أذعنت لرغبة والدها في أن تدرس في جامعة موسكو الحكومية، قسم اللغات، ولاحقًا نقلت دراستها إلى قسم التاريخ.

لم يترك موت والدها، ولا التشهير بنهجه في عبادة الفرد، أثره البالغ على سفيتلانا كما فعل بأخيها الأكبر فاسيلي؛ فقد دافعت عن أطروحة تخرجها بعد عامٍ فقط من وفاته، ولم يمنعها أحدٌ من ذلك، كما اشتغلت بعد تخرجها في معهد الأدب العالمي.

من الصعب التكهُّن لماذا حملت حياة سفيتلانا الشخصية كل هذا القدر من عدم الاستقرار.. فبشكلٍ أو بآخر، وعلى امتداد حياتها، تخطَّى عددُ شركائها الرجال الرقمَ المألوف بين أوساط النساء القدوة في حقبة الاتحاد السوفييتي. أحبَّت سفيتلانا سيرجو ابن بيري حبًّا أفلاطونيًّا، (بينما تزوج هو من صديقتها حفيدة غوركي)، ودخلت في علاقة غرامية مع الشاعر الستيني دافيد صامويلوف، وتزوجت ثلاث مرات من مواطنين سوفييت: زوجها الأول هو الباحث القانوني غريغوري ماروزوف، وأنجبت منه ابنها يوسف، وكان زوجها الثاني يوري جدانوف عالم كيمياء، وابن باحث وناشط سياسي شهير، أنجبت منه ابنتها كاترينا التي تركتها مع أبيها بعد طلاقها منه. وبالإضافة إلى صامويلوف، كان من بين عشاق ابنة ستالين الكاتب المعارض أندريه سينيافسكي، وشخصيات ثقافية سوفييتية أخرى على درجات متفاوتة من الشهرة.

في أوائل ستينيات القرن الماضي، انتشر الهمس في أروقة المجالس في موسكو بأكملها، عن غرام ابنة ستالين برجل أجنبي اسمه براجيش سينغ، ينتمي إلى الحزب الشيوعي الهندي، ولم تسمح لهما السلطات بالزواج رسميًّا.

القضاء على الاحتجاج في البداية أو السقوط: هكذا تصمد الأنظمة الاستبدادية!

حين توفي سينغ اغتنمت سفيتلانا، زوجته غير الرسمية، الفرصة لمغادرة الاتحاد السوفييتي ومن ثَمَّ الهجرة. كانت هذه رغبتها الدفينة التي لم تكن تحلم بالوصول إليها دون سبب منطقي، وقد أتى هذا السبب: سوف ترافق رماد زوجها الذي أوصى أن ينثر في بلده الأم.

في الهند، توجَّهت سفيتلانا أليلويفا إلى السفارة الأمريكية، طالبةً المساعدة في الهجرة إلى أمريكا. ولم ترفض القيادة السوفييتية طلبها، بل ومنحها كوسيغين، رئيس مجلس الوزراء، بنفسه الإذن الرسمي بالمغادرة.

وإضافة إلى أخبارها الرومانسية الصاخبة، فقد كتبت أليلويفا مذكراتها تحت عنوان: “عشرون رسالة إلى صديق..”، وأرسلتها في السر إلى الغرب؛ بقصد النشر. حفلت هذه المذكرات الكثيفة بخليطٍ من الأفكار والخيالات والاستيهامات، وتمامًا بميول سفيتلانا في حياتها؛ منها مثلًا ما أوردته في مذكراتها كيف علَّمها سينغ فن الحب على طريقة (كاماسوترا).

هنا يعتقد بعض متبني نظرية المؤامرة أن مرافقي سفيتلانا هم الذين أملوا عليها معظم محتوى كتابها: “عشرون رسالة إلى صديق” بتكليف من وكالة الاستخبارات الأمريكية التي كانت تشتغل في جميع السبل على انهيار الاتحاد السوفييتي. وعلى أية حال، وعلى رغم التشكيك في صحة هذه المذكرات، فقد تلقفها القراء كالكعك الساخن، وتمت ترجمتها إلى أكثر من لغة وعادت على صاحبتها بدخل سمح لها بحياة رخيَّة في منفاها.

خلال حياتها كمهاجرة في الولايات المتحدة، تزوَّجت أليلويفا مرةً أخرى، ومرةً أخرى اختارت رجلًا حرّ المهنة، المهندس المعماري وليم ويسلي بيترز، وغيَّرت معه كنيتها أيضًا لتتخذ لنفسها اسم: لانا بيترز. ومع أن سفيتلانا في تلك الفترة لم تعد شابة قط، (كان عمرها، آنذاك، 45 عامًا)، ومع أنها، وباعتراف سفيتلانا نفسها، قد تعرَّضت خلال حياتها إلى عمليات إجهاض كثيرة لأجنَّة من رجال مختلفين، إلا أنها سرعان ما حملت وأنجبت ابنتها أولغا، وأصبحت أُمًّا من جديد. ولم يدم زواجها هذا طويلًا. بعد الطلاق أبقت أليلويفا لنفسها على كنيتها الجديدة بيترز، وأودعت ابنتها أولغا في مدرسة كويكر الداخلية.

عادت سفيتلانا أليلويفا- بيترز وابنتها أولغا عام 1984؛ لتعيشا في جمهورية جورجيا في الاتحاد السوفييتي، وعاملتها الحكومة السوفييتية كابنة ستالين، ومنحتها الراحة والرفاه المتاح في تلك الأيام، كأن تكون لها مثلًا سيارتها الشخصية. لكن هذا كله لم يعطِ هذه المرأة التي بدأت تشيخ أي إحساس بالسلام في بلد والدها.

بعد عامين، ومع بداية البيريسترويكا، غادرت الاتحاد السوفييتي إلى الأبد. عاشت ابنة ستالين آخر أيامها في دار لرعاية المسنين في ولاية ويسكونسون الأمريكية، وهناك توفيت عام 2011 بمرض السرطان.

غالينا بريجنيف

كانت غالينا بريجنيف، ابنة ليونيد بريجنيف، الأمين العام للحزب الشيوعي السوفييتي، تصغر سفيتلانا أليلويفا ابنة ستالين، فقط بثلاث سنوات؛ لكن حياتها كانت مختلفة تمامًا عن حياة ابنة ستالين. غالينا لم تولد في موسكو، ولم تجد نفسها ابنة لستالين؛ ذلك الزعيم الكلي السيادة، بل ولدت بالقرب من سفيردلوفسك، في قرية عمالية اسمها “بيسرت”، لأب مهندس شاب عمره 22 عامًا فقط.

يوسف ستالين مع ولديه سفيتلانا وفاسيلي الصورة من РИА Новости

بعد ولادتها بأعوامٍ قليلة، بدأ والد غالينا يترقَّى سريعًا في مسيرته الحزبية، فمع نهاية عام 1929 أصبح مرشحًا لعضوية الحزب الشيوعي السوفييتي، لكنه كان لا يزال بعيدًا جدًّا عن منصب الأمين العام. اضطرَّت أسرة بريجنيف إلى الترحال الدائم بحكم وظيفة الأب التي تفرض عليه تغيير مكان إقامته تبعًا لها. وكان لدى الأسرة أيضًا، إضافةً إلى غالينا، ابنٌ أصغر اسمه يوري (الذي سوف يصبح نائبًا لوزير التجارة الخارجية في اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفييتية). لهذا وجدت زوجة بريجنيف، فيكتوريا بتروفنا، نفسها مضطرةً إلى التخلِّي عن ممارسة مهنتها كطبيبة والتفرُّغ للاعتناء بولدَيها.

على عكس سفيتلانا أليلويفا، لم يظهر على غالينا بريجنيف لا حبّ الدراسة ولا الرغبة في التعليم الرفيع! بعد المدرسة التحقت غالينا، ابنة الرجل الذي سيصبح مستقبلًا الأمين العام للحزب، بكلية اللغات في المعهد التربوي الذي يحمل اسم: (أوريخوفو- زويفسكي). من هذا المعهد، وحين أصبح والدها سكرتير اللجنة المركزية لحزب جمهورية مولدافيا الاشتراكية السوفييتية، انتقلت غالينا إلى جامعة كيشينيوف الحكومية، لكنها لم تكلف نفسها عناء متابعة الدراسة؛ حتى الحصول على الدبلوم، بل آثرت أن تتزوج.

هذا الزواج الذي كان غرائبيًّا بكل معنى الكلمة؛ فحين جاء السيرك البيلاروسي بجولته إلى كيشنيوف، عاصمة مولدافيا، حضرت غالينا العرض ووقعت في غرام البهلوان القدير يفغيني ميلاييف، هذا الرجل الذي يكبرها بأحد عشر عامًا ويربِّي طفلَيه من زواجه الأول بعد وفاة زوجته في أثناء الولادة. كان هذا الزواج سعيدًا في بداياته، وقدَّمت غالينا نفسها زوجةً جيدة، عاملت طفلَي زوجها بالحُسنى وأنجبت منه ابنتها التي سمتها (فيكتوريا) على اسم والدتها. ولكي تبقى غالينا قريبةً دومًا من زوجها اشتغلت في متجر الأزياء في السيرك. شهد كل مَن عرفها عن قرب أنها حافظت على بيتها. وبدوره، أهداها زوجها هدايا ثمينة من معاطف الفرو والمجوهرات، كما أن غالينا كانت مولعةً بالفساتين البراقة والأحذية الأنيقة.

استمر زواجها عشر سنوات، وانهار عندما ضبطت غالينا زوجها يخونها؛ لكنها لم تُبد تجاهه أية ردّة فعل انتقامية، فاستمر ميلايف في صعوده المهني، حتى أصبح مدير سيرك موسكو في أوتوستراد فيرنادسكي، وفي عام 1979 نال وسام بطل العمل الاشتراكي. ومعلومٌ أن حماه السابق عرَّاب هذا التكريم، فقد كان بريجنيف يهوى تعليق الأوسمة، ولم يشأ أن يحرم منها والد حفيدته الوحيدة.  

جاء زواج غالينا الثاني أكثر غرابةً من الأول. وقعت مرّةً أخرى في غرام لاعب سيرك أيضًا، إنه إيغور كيو الذي أصبح في ما بعد ساحرًا شهيرًا. في السر عن أهلها سجَّلت الابنة زواجها قانونيًّا في مكتب الزواج، وهربت مع زوجها الذي بالكاد بلغ سنّ الرشد بينما كانت غالينا قد تجاوزت الثلاثين من عمرها. لكن لدى والدها بريجنيف، ما يكفي من السلطة لردع ابنته عن جنونها. احتاج فقط بضعة أيام ليجبرها على إنهاء هذا الزواج المرتجل؛ لكن غالينا المغرمة بـ”كيو” استمرت تواعده لبعض الوقت بعد طلاقها منه، وكذلك الساحر كيو نفسه كان يرى في زوجته التي ضاعت سريعًا من بين يديه: “لقد كانت أنثى حقيقية؛ أُمًّا وزوجةً وربة منزل رائعة..”، و”كأن هذا هو ما خُلقت من أجله..”.

وبانتهاء حكاية غالينا مع كيو لم تنتهِ حكايتها مع الرجال الفاتنين! سرعان ما وقعت في عشق راقص الباليه الشهير ماريس لييبا، الذي رفض بشدة أن يترك زوجته من أجل غالينا رغم إصرار الأخيرة عليه أن يفعل. وبعد ماريس أحبَّت غالينا بوريس بورياتسي المغني الغجري في المسرح الروماني، وخلال هذا الغرام الأخير كانت ابنة السكرتير العام للحزب الشيوعي قد بلغت الخمسين من عمرها، وكانت في زواجها الثالث من يوري تشوربانوف، نائب وزير الداخلية في حكومة الاتحاد السوفييتي، وكان المغني الغجري يصغرها بسبعة عشر عامًا، وكان خاضعًا للمراقبة أيضًا بسبب علاقاته مع بعض الغجر المتاجرين بالمسروقات.

وثَّق الصحفيان أوليغ شيروكوف وألكسندر أفديينكو، دَعَة العيش التي رفلت بها هذه الأميرة المسنّة: كانت بريجنيف شغوفةً بالحياة، كانت تقيم بسعادةٍ في جزيرة القرم؛ حيث مَزارع والدها. تهوى اللباس الأنيق وجلسات المطاعم، وللأسف: الكحول. وكما هي العادة بالغ المجتمع في أقاويله عنها، قيل عن ابنة الأمين العام للحزب أنها ترعى الاحتفالات وتلتهم الكافيار بالملعقة (وهو الذي تُدهن طبقة رقيقة منه فوق شريحة الخبز والزبدة)، ولديها كراجٌ بأكمله للسيارات المستوردة وأكوام من الألماس. لكن لا دخان بلا حريق، فقد كانت غالينا تملك سيارة مرسيدس وتملك الألماس.

في عام 1979 تلقت الأميرة هديةً لمناسبة عيد ميلادها الخمسين: وسام الراية الحمراء للعمل!

كان أطول زواجٍ مسجَّل رسميًّا لغالينا بريجنيف هو زواجها من تشوربانوف الذي استمر نحو عشرين عامًا. التقاها تشوربانوف حين كان في الرابعة والثلاثين من عمره، برتبة رائدٍ في وزارة الداخلية، وكان في وليمة مع أصدقائه حين حالفه الحظ بأن يلفت إليه أنظار ابنة الأمين العام البالغة 41 عامًا يومها، فطلَّق زوجته من أجلها.

في أواخر حياة ليونيد بريجنيف، كان زواج ابنته مجرد إجراء شكلي، ولكن غالينا لم تتقدم بطلب الطلاق منه إلا بعدما أصبح مطلوبًا إلى القضاء بتهمة الرشوة. بعد الطلاق استولت ابنة بريجنيف على معظم ممتلكات زوجها بتقديم وثائق تثبت فيها أنها كانت ممتلكاتها الخاصة من قبل زواجها به، وأنها هدايا والدها إليها. أعيدت السيارة المرسيدس إلى المرأة المسنة الشغوفة بالحياة، وكذلك أُعيدت إليها ثريات الكريستال والخزائن المعتقة؛ لكنَّ العودة إلى الرفاه السابق لم تعد متاحةً لها في روسيا ما بعد حقبة الاتحاد السوفييتي.   

كانت قد هرمت، كما أصبحت مدمنة على الشراب، وإذا ما كانت في عهد والدها لا تتعاطى سوى الخمور الفاخرة؛ فقد شربت المرار بعد عهده، وارتكبت أفعالًا مروعةً يصعب تخيُّلها، كأن رقصت مثلًا على الطاولة على مرأى الصحفيين الأجانب. حينها أودعتها ابنتها في مصحة للأمراض النفسية؛ لتتلقَّى علاجًا صارمًا للشفاء من إدمان الكحول، وهناك توفيت بريجنيف عام 1998 قبل أن تبلغ عامها السبعين.

النص الأصلي

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة