الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون خليجية

قصة نجاح ومأساة..الرجل الذي كتب دستور الإمارات

كيوبوست- ترجمات

جايمس لانغتون♦

عدنان الباجه جي، مستشار الأب المؤسس لدولة الإمارات العربية المتحدة، وأول سفير لها في الأمم المتحدة، وعبد الرحمن المخلوف مهندس مدينة أبوظبي الحديثة، وزكي نسيبة المستشار الثقافي لرئيس الدولة، جميعهم من الشخصيات التي تتلقى التكريم الذي تستحقه، نظراً للدور الذي لعبوه في مساعدة الآباء المؤسسين على بناء الدولة. ولكن ماذا عن عدي البيطار الذي ما زال عمله بعد أكثر من خمسين عاماً ينظم معالم الحياة اليومية لكل من يعيش على أرضها؟

نشر موقع “ذا ناشيونال” مقالاً بقلم جايمس لانغتون، يلقي فيه الضوء على حياة القانوني الأردني، وواضع الدستور الإماراتي الذي لا يعرفه كثيرون، نتيجة لتواضع شخصيته، ولقصر حياته التي انتهت بشكلٍ مأساوي.

وينقل لانغتون عن ابنه عمر البيطار قوله: “لقد كان أبي رجلاً متواضعاً، ومن النوع الذي لا يتباهى بعمله، حتى إنه لم يكن يمانع عندما يحصل الآخرون على الفضل في عمله”.

اقرأ أيضاً: الإماراتيون يحتفون بعام زايد: كل ما تريد معرفته عن الشيخ المؤسس

وبفضل البيطار، أصبحت الإمارات السبع الصحراوية التي كانت تحكمها إلى حد كبير الأعراف القبلية، دولة حديثة يحكمها القانون. ولا تزال الكلمات التي صاغها “المساواة، والعدالة الاجتماعية، والسلامة والأمن، وتكافؤ الفرص لجميع المواطنين، هي دعامات المجتمع”. لكن المنية عاجلته بعيد ولادة دولة الإمارات عام 1971 بسبب السرطان، وتوفي عن 48 عاماً.

ولد البيطار في القدس عام 1924، وكان والده نسيب البيطار قاضياً متميزاً. تلقى عدي البيطار تعليمه في مدرسة تيرا سانتا، ثم درس في المعهد الفلسطيني للقانون، حيث تخرج بمرتبة شرف عام 1942. ومع تصاعد التوترات بين العرب واليهود، في تلك الفترة، وبينما كان البيطار في المقر الإداري البريطاني في فندق الملك داود في القدس، فجرت مجموعة أراغون الصهيونية الإرهابية عبوة ناسفة ضخمة في قبو الفندق.

فندق الملك داوود في القدس بعد الهجوم الإرهابي عام 1946- ذا ناشيونال

نجا البيطار من الانفجار، ولكن عندما عاد إلى الفندق لإنقاذ المصابين انهار جزء كبير من المبنى، ودفنه بين الأنقاض. ظن الجميع أنه قُتل، ولكن في النهاية تم انتشاله من بين الأنقاض مصاباً بإصاباتٍ بليغة وكسور في عظامه.

بعد ذلك بعامين انتهى الانتداب البريطاني، وأعلن عن قيام دولة إسرائيل، وأصبحت القدس القديمة والضفة الغربية تحت السيطرة الأردنية، وهناك اكتسب المحامي الأردني اللامع شهرة واسعة، وتم تعيينه في منصب مدّعٍ عام استمر فيه حتى عام 1965، ثم انتقل إلى السودان كقاضي ولاية لمدة ثلاث سنوات، قبل أن يعود إلى القدس لممارسة المحاماة.

اقرأ أيضاً: سبعة نجاحات لسبع إمارات

في عام 1964 تغيرت حياة البيطار إلى الأبد عندما التقى بالمغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، حاكم دبي الذي كان يبحث عن مستشار قانوني لحكومة دبي يمكنه تطوير قوانين تساعد في تطوير الإمارة إلى اقتصادٍ حديث، وإنشاء نظام قانوني مدني ومحاكم.

انتقل البيطار إلى دبي، وشرع على الفور في وضع قوانين تحكم كل شيء، من النظام المصرفي إلى مطار دبي الدولي، وميناء راشد، وإنشاء منطقة جبل علي الحرة، وحتى المرسوم الذي حول القيادة إلى الجانب الأيمن من الطريق.

وفي عام 1965 تم تعيينه أميناً عاماً ومستشاراً قانونياً لمجلس الإمارات المتصالحة، مما أتاح له الفرصة ليلتقي بحكام الإمارات، وخاصة المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان. ومع الإعلان عن قيام دولة الإمارات العربية المتحدة ظهرت الحاجة لوضع دستورٍ للبلاد، وكان البيطار هو الشخصية الموثوقة والمحبوبة التي وقع عليها الاختيار بقوة.

عمر البيطار، سفير الإمارات لدى الصين عام 2018- ذا ناشيونال

عمل البيطار لساعاتٍ طويلة من مكاتبه في حكومة دبي، ومجلس الإمارات المتصالحة، وفي المساء من منزله الهادئ في دبي. وكان ابنه عمر يعمل سائقاً ومساعداً لوالده خلال هذا الوقت، ويتذكر أخذ الصفحات المكتوبة بخط اليد كي تتم طباعتها ونسخها على آلة الميميوغراف التي سبقت ظهور آلات التصوير الضوئي.

انتهت الوثيقة المؤلفة من 152 مادة في الوقت المناسب ليوم 2 ديسمبر 1971.

وكان من المفترض أن تكون بعض موادها مؤقتة مثل العاصمة أبوظبي، وإنشاء عاصمة جديدة في المنطقة الحدودية بين أبوظبي ودبي. ولكن تم التخلي عن ذلك، وأصبح الدستور نهائياً في مايو 1996.

وبالنسبة للبيطار، بدا المستقبل واعداً لمسيرته المتميزة في خدمة الإمارات كمستشارٍ أول لكل من مجلس الوزراء الإماراتي، ورئيس الوزراء في ذلك الوقت، الشيخ مكتوم بن راشد آل مكتوم. ولكن ذلك لم يكن مقدراً.

اقرأ أيضاً: صور من العصر الذهبي لصيد اللؤلؤ في أبوظبي

أصيب ابنه الأصغر عيسى بسرطان الدم، وأثناء زيارة للبيطار إلى لندن تم تشخيص إصابته هو الآخر بسرطان الكبد من المرحلة الرابعة، وبدأ بتلقي العلاج في المشفى الأمريكي في بيروت ودبي. وفي يناير 1973 توفي عيسى عن عشر سنوات، بينما كان والده إلى جانبه. أثرت وفاة عيسى على البيطار، وتدهورت صحته بسرعة، وتُوفي في مارس من العام نفسه، ودُفن إلى جانب ابنه.

بقيت زوجته وأولاده في الإمارات، وأصبحوا مواطنين في الدولة التي ساعد على إنشائها، ومن أبنائه نسيب الذي توفي عام 2011 وكان وثائقياً، وشخصية بارزة في تلفزيون دبي، وعمر الذي ترقى إلى رتبة لواء في القوات المسلحة الإماراتية، ثم شغل منصب نائب رئيس جامعة السوربون في أبوظبي، ثم سفيراً للبلاد في الصين، ونائباً لرئيس أكاديمية الإمارات الدبلوماسية.

يقول عمر عن أبيه: “لقد كان رجل رؤية، رجل أخلاق. كان مستعداً لمناقشة أي مسألة، وكان يتمتع بمعرفة عميقة. كان رجلاً نزيهاً ذا ثقل”.

♦محرر سابق في صحيفة “ذا ناشيونال”، مقيم في لندن، ويكتب بانتظام للصحيفة.

المصدر: ذا ناشيونال

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة