الواجهة الرئيسيةشؤون دوليةمقالاتملفات مميزة

قصة حمزة بن لادن (الجزء الأول)

كيوبوست

عمرو صلاح 

في عيادتها، ربما لم تكن تعلم الطبيبة خيرية صابر، أن علاجها أحدَ الأطفال، ويُدعى سعد، سوف يكون أولى الخطوات في طريق مرافقتها للمطلوب الأول في العالم بعد ذلك بعشر سنوات -أسامة بن لادن- والذي وضعت الحكومة الأمريكية مكافأة مالية قدرها 25 مليون دولار لمَن يُدلِي بمعلومات عنه أو يساعد في القبض عليه؛ ثم بعدها بعشر سنوات أخرى تشهد هي بنفسها عملية قتله على يد القوات الأمريكية، ثم تحول ابنها حمزة إلى وريث عرش الجهاد العالمي خلفًا لأبيه بعد عشر سنوات أخرى؛ ليصبح هو الآخر مطلوبًا بمكافأة قدرها مليون دولار لمَن يُدلِي بمعلومات عنه.

الصدفة تقود زعيم القاعدة إلى أم حمزة

في عيادتها بالمملكة، وتقريبًا منذ 35 عامًا من اليوم، استضافت خيرية صابر، المتخصصة في علم نفس الأطفال، الطفل الصغير سعد بن لادن -ابن أسامة بن لادن- من زوجته الأولى؛ والذي كان يعاني وقتها مرض التوحُّد (Autism)؛ كانت خيرية صابر وقتها طبيبة في منتصف ثلاثينياتها، تنتمي إلى أسرة مرموقة، وتحظى بتعليم جيد، ولا تزال عزباء.

في مجتمع محافظ -شأن أغلب المجتمعات العربية- حيث يعد بلوغ هذه السن دون زواج أمرًا مستهجنًا من قِبَل المجتمع، كان تقدُّم أسامة بن لادن للزواج منها، وهو الذي يصغرها بسبع سنوات تقريبًا وكابن لأسرة فاحشة الثراء، أمرًا قد لا يتردد الكثيرون في رفضه؛ خصوصًا أن في تلك الفترة كان ما يفعله أسامة بن لادن من تمويل ودعم للجهاديين في أفغانستان مدعاة للفخر وليس العكس، بتعبير أدق لم يكن يُصنَّف إرهابًا كما يصنف اليوم، بل كان يحظى بغطاء ضمني أخلاقي دولي، مدعومًا من الولايات المتحدة الأمريكية في مواجهة الاتحاد السوفييتي من ناحية، وعربيًّا من بعض الدول التي موَّلت أو يسَّرت خروج المقاتلين الإسلاميين من أراضيها إلى أفغانستان؛ من بينها السعودية ودول الخليج. وبعد أكثر من مرة من (إجهاضها) خلال السنوات الأولى لزواجها، وضعت خيرية أخيرًا ابنها حمزة في عام 1989، في العام نفسه الذي وُلِد فيه خالد؛ ابن أسامة بن لادن من زوجته الرابعة.

الطريق إلى الخرطوم

لم يكد يمر عامان من زواجهما إلا وكان “بن لادن” ومعه خيرية وحمزة قد انتقلوا إلى السودان، بعدما لم يعد مرحبًا به في المملكة، حيث هرب عبر اليمن إلى السودان؛ والتي استخدمها “بن لان” قاعدة بناء لأنصاره والاستثمار بدعم من الإخوان في السودان، وبترحيب من الترابي والتيار الإسلامي هناك. في تلك الفترة نجحت “أم حمزة” في التقرُّب من زوجها على حساب الزوجات الأخريات، وفي أن تكون الفضلى لديه بلعب دور مهم في حياة الزوج والأسرة والتنظيم والابن. فهي من ناحية مستشار حكيم هادئ لزوجها في كثير من الأحيان، ولربما كانت تحظى بثبات انفعالي أكثر مما بدا عليه زعيم القاعدة طوال الوقت في خطاباته؛ حيث كان يشعر دائمًا بخطر الاستهداف. هذا بالإضافة إلى أنها ستبدو أمام زوجها في السنوات القادمة أكثر تمسكًا به وبقضيته، مقارنة بزوجاته الأخريات اللائي إما لن يستطعن تحمُّل صعوبة الحياة التي عاشها الزوج، أو آثرن السلامة بعد أن صار المطلوب الأهم دوليًّا في أعقاب أحداث 11 سبتمبر.

من ناحية أخرى، نجحت المُعَالِجة النفسية في أن تحظى باحترام وتقدير أغلب مَن في العائلة؛ مثلما نجحت في أن تبدو داعمةً لأفراد التنظيم والتودُّد غير المباشر إليهم بتعليم أولادهم الصغار القرآن، وتقديم المشورات الدينية والحياتية لزوجات أعضاء التنظيم.

غير أن سنوات القُرب بين النظام السوداني وأسامة بن لادن لم يُكتب لها الاستمرار طويلًا؛ بعد تصاعد الضغط الدولي على الرئيس السوداني عمر البشير؛ ليرحل أسامة بن لادن من السودان، وبالطبع معه ابنه حمزة الذي كان قد بلغ وقتها سبع سنوات، ليستقروا، جميعهم، في أفغانستان، بعد أن قدَّمت حركة طالبان الملجأ الآمن لزعيم القاعدة.

الظهور الأول

وإن كانت خيرية صابر أو “أم حمزة” قد نجحت في أن تكون الأقرب لزوجها، فإن هذه الأفضلية التي منحها إياها زعيم “القاعدة”، انتقلت عبرها، ومنحها بالمثل الأب إلى حمزة بين إخوته بشكل خاص؛ ليصبح أحب أبنائه إلى قلبه، ويسعى طوال الوقت لإبقائه بعيدًا عن مصادر التهديد والخطر بقرار باكر فسَّره البعض بأنه إعداد للمستقبل.

وبينما لم يكن حمزة سوى طفل صغير، يظهر مع أبيه، كدلالة على وضع متفرِّد، في تدريب لأعضاء “القاعدة” بإحدى ساحات التدريب في أفغانستان، وقبل أن يبلغ الثانية عشرة من عمره، يتم اختياره ليلقِي قصيدة شعر في زفاف أخيه الأكبر محمد (15 عامًا)، في فيديو حظي بكثير من التداول على موقع “يوتيوب”، قبل أن يختفي الفيديو، والذي ربما قامت إدارة الموقع بحذفه خشية أن يكون أداة يستغلها “القاعدة”، لجلب التعاطف مع التنظيم.

إيران ملجأ لحمزة!

لكن القرب الجغرافي بين الأب والابن لم يُكتب له الاستمرار فترة طويلة، بينما مَن سيرحل هذه المرة هو حمزة وأُمُّه وزوجات أسامة بن لادن الأخريات وأبناؤهن. هذا كان تأهبًا لرد أمريكي متوقع بعد هجمات 11 سبتمبر. على الفور ينصح أسامة هؤلاء بأن يقصدوا ملجأً آمنًا في قندهار. هناك وفي واحد من الفيديوهات الدعائية لـ”القاعدة” يظهر حمزة من جديد ممسكًا بحطام يزعم أنه لطائرة هليكوبتر أمريكية، وملقيًا قصيدة شعر تشيد بشجاعة “طالبان” في مواجهة أمريكا. وبينما كان المقصد التالي لحمزة وأُمِّه هو باكستان؛ مثلما قصدها رجال “القاعدة” من قبل كمأوى آمن، إلا أن تحالف حكومة برفيز مشرف الباكستانية -مع الولايات المتحدة الأمريكية- جعل باكستان نقطة انطلاق للضربات الأمريكية تجاه “القاعدة”، وجعل “بن لادن” يقرر إرسال حمزة وأُمه إلى مكان آخر.. إلى إيران!

لكن كيف إيران؟ ولماذا؟! أليست إيران نفسها هي معقل “الرافضة” أعداء السُّنة حلفاء الصهاينة من وجهة نظر أسامة بن لادن ونظريات تنظيمه؟! ثم ماذا عن إيران نفسها، ألا ينظر النظام الديني الذي يحكمها النظرة ذاتها تقريبًا إلى أسامة بن لادن وتنظيمه؟! نعم، فقد رجَّحت إيران براجماتيتها على أي خيار آخر؛ كونه قد يكون غير متوقع بالنسبة إلى البعض. وحتى إن كانت إيران خيارًا متوقعًا، وبخلاف امتداد جغرافي شاسع للحدود بينها وبين أفغانستان، فإيران قد تبدو أقل الخيارات المتاحة سوءًا بالنسبة إلى “بن لادن” لأسباب عدة؛ فهي على النقيض من البلدان الأخرى المحيطة بأفغانستان، من الصعب أن تطأها القوة العسكرية الأمريكية. أما على الجانب الآخر، فالنظام الإيراني قد يستفيد من تلك الخطوة كورقة مساومة أو ضغط على الولايات المتحدة الأمريكية. بتعبير آخر كان خيار إيران خيارًا أقل سوءًا لـ”بن لادن” وفي الوقت نفسه خيارًا سيربح منه الطرفان جزئيًّا.

مرحلة الإعداد

في إيران كان في انتظار الجميع سيف العدل، واسمه الحقيقي أحمد صلاح الدين زيدان (ضابط مصري سابق)، وواحد من أكثر المقربين من زعيم القاعدة وقتها، والذي تولَّى مهمة توفير شبكة من المنازل الآمنة لأفراد العائلة، وهو نفسه الرجل الذي سوف يلعب دورًا أكبر من هذا لاحقًا في حياة حمزة كمعلم وموجه ديني. على الجانب الآخر، كانت الاستخبارات الإيرانية تتابع هؤلاء الوافدين الجدد منذ لحظة دخولهم إلى البلاد وتُبقيهم قيد مراقبتها؛ كي لا يفلتوا يومًا، ويظلوا ورقة في يد طهران تتيح لها تهديد الولايات المتحدة الأمريكية بشكل غير مباشر ومفاوضتها، مثلما تتيح توظيف تنظيم القاعدة لصالحها بشكل مباشر حينما تقتضي الحاجة ذلك. فهل هناك أهم لزعيم التنظيم من أفراد أُسرته كأداة ضغط ومساومة؟!

في السنوات التالية لعام 2003، وكي يتم إحكام القبضة الإيرانية على هؤلاء؛ تم الإبقاء على حمزة البالغ 14 عامًا، وقتها، هو ووالدته في منشآت عسكرية مختلفة في إيران، ما يجمع بينها هو تحصينها واحتواؤها على كاميرات مراقبة على مدى اليوم. لكن هذه الظروف في النهاية لم توقف مساعي أم حمزة لتشكيل شخصية الابن كي يكون خلفًا للأب مثلما أرادت. فبينما تولَّت خيرية صابر تربيته وتعليمه، فإن وجوده وسط مجموعة من كبار مساعدي “بن لادن”، والمؤسسين الأوائل للتنظيم، الذين كانوا موجودين في نفس المنشأة ومن بينهم سيف العدل، والكويتي (سليمان أبو غيث)، وأبو محمد المصري (محمد الزيات)، منحهم جميعًا فرصة للاستثمار في ابن زعيم “القاعدة” بسُبل مختلفة.

فسيف العدل من ناحيته أوكلت إليه وبشكل خاص مهمة تعليم حمزة القرآن والفقه والحديث والسنة النبوية. أما أبو محمد المصري، أو محمد الزيات، فسيزوج حمزة، حينما يبلغ الـ17 عامًا من ابنته مريم. وهذا الزواج سيتولى عقد قرانه محمد شوقي الإسلامبولي؛ شقيق خالد الإسلامبولي الذي قاد خلية اغتيال الرئيس المصري أنور السادات.

ووَفقًا لهذا فإن للجميع إسهامه في حمزة، وهو استثمار مشترك تمتزج فيه شرعية الأب، بتعليم الأم وطموحاتها لابنها، بالبناء الفكري عبر القادة الكبار ومؤسسي “القاعدة”، ومصاهرتهم وطموحاتهم، وبالتأكيد بحماس الشاب الصغير.

حمزة حُرًّا

على مدى تلك السنوات حافظ حمزة على حلمه بأن يلتحق بمسيرة “الجهاد”، وعبَّر الشاب الصغير عن إحباطه الشديد في إحدى رسائله إلى أبيه بالقول إن حشد المجاهدين قد سار دون أن ينضم إليهم.. لكن مجددًا فإن حلم الابن وإصرار الأب هما ربما ما ادَّخرا لحمزة موقعًا متميزًا للغد.

مع وجود الكثير من أعضاء التنظيم في إيران، نجحت طهران بالفعل في أن تمارس نفوذًا على التنظيم؛ لكن في عام 2010 نجح التنظيم في أن يُغَيِّر قواعد اللعبة لصالحه، ومن ثَمَّ الاتفاق على صيغة تفاوضية تقضي بتبادل للأسرى، بتقديم “القاعدة” دبلوماسيًّا إيرانيًّا، حشمت الله زادة، الذي اختطف في شمال باكستان في شتاء 2009 وسُلِّم إلى “القاعدة”، في مقابل الإفراج عن رجال “القاعدة” لدى إيران؛ من بينهم حمزة وأُمُّه، بالإضافة إلى اثنين من إخوته؛ عثمان ومحمد اللذين تم إطلاق سراحهما لاحقًا.

في النهاية، فإن أغلب مَن تم إطلاق سراحهم في الصفقة التي تمت عبر شبكة حقاني المتطرفة، أخذوا طريقهم إلى وزيرستان.


كاتب وباحث، ماجستير العلاقات الدولية من جامعة إكستر بالمملكة المتحدة

المصدر: عين أوروبية على التطرف

اتبعنا على تويتر من هنا

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة