الواجهة الرئيسيةشؤون دولية

“قرار تاريخي” كواليس استبعاد منظمة إخوانية من “مجلس مسلمي ألمانيا”

كيوبوست

أحمد سلطان♦

عبر بيانٍ إعلامي مقتضب، أعلن المجلس الأعلى لمسلمي ألمانيا إلغاء عضوية منظمة “الجماعة الإسلامية بألمانيا” به، بعد تصويتٍ جرى خلال اجتماع افتراضي للمجلس لبحث علاقتها بجماعة الإخوان، بعد نحو 3 سنوات على تجميد عضوية المنظمة بالمجلس الذي يضم 21 منظمة للمسلمين في الدولة الأوروبية.

وأكد المجلس في قراره أن القرار الصادر باستبعاد منظمة الجماعة الإسلامية الألمانية، ينسحب أيضاً على كلِّ الجمعيات المنضوية تحتها، سواء داخل المجلس الأعلى للمسلمين في الدولة، أو في فروعه الولائية، موضحاً أن القرار جرى اتخاذه بأغلبية الثلثين التي تنص عليها اللوائح الداخلية المنظمة لعمل المجلس.

اقرأ أيضًا: مطالبات برلمانية في ألمانيا للتحقيق في تمويلات جماعة الإخوان المسلمين

وأثار القرارُ الجديد عاصفة من الجدل، لا سيما وأنه تزامن مع حملة تحذيرات ألمانية وأوروبية من الخطر الذي تمثله جماعة الإخوان على القيم الأوروبية، والاستقرار المجتمعي، داخل القارة العجوز، بينما راجت تكهنات عديدة حول أسباب وتوقيت اتخاذ القرار الذي استبعد واحدةً من أهم وأقدم المنظمات المرتبطة بجماعة الإخوان داخل ألمانيا.

تاريخ من العمل الإخواني داخل ألمانيا

فخلال خمسينيات القرن الماضي، أسست مجموعة من قادة جماعة الإخوان الذين انتقلوا إلى أوروبا، وعلى رأسهم سعيد رمضان، صهر مؤسس الإخوان حسن البنا، وعصام العطار (المراقب العام لإخوان سوريا سابقاً)، الجالية الإسلامية في ألمانيا المعروفة أيضاً بالتجمع الإسلامي في ألمانيا، وانخرط التجمع في إنشاء المركز الإسلامي الشهير في ميونخ، ساعياً للتغلغل الصامت داخل المجتمع المحلي، كما ضمَّ التجمع العديد من قادة الإخوان البارزين منهم محمد مهدي عاكف (1928-2017)، الذي صار لاحقاً المرشد السابع لجماعة الإخوان المسلمين في مصر.

سعيد رمضان- أرشيف

ونجح التجمع الإسلامي الألماني الذي ارتبط باتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا (المحسوب كأحد أفرع التنظيم العالمي/ الدولي لجماعة الإخوان)، في استقطاب المئات من المسلمين الألمانيين، وضمه له، بيد أنه لم يُفصح عن عددهم في أي مناسبة، بينما ترواحت التقديرات المختلفة لعدد أعضائه بين 600: 1000 عضو، وفق إحصاءات مجلة ” ZEIT”، وشبكة “دويتشه فيله” الألمانيتين، على الترتيب.

وارتبطتِ التجمع الإسلامي الألماني بعلاقات مع نحو 50 مركزاً إسلامياً، ونجح من خلالها في الوصول إلى أكثر من 10 آلاف مسلم ألماني، وفق بيانات سابقة صادرة عن المنظمة، وقام التجمع بتغيير اسمه في عام 2018، ليصبح اسمه منظمة “الجماعة الإسلامية الألمانية” المعروفة اختصاراً (DMG)، ويترأسها حالياً “خالد سويد“، وهو ألماني من أصولٍ سورية، نشط لفترة طويلة في المنظمات المرتبطة بالإخوان داخل أوروبا كمنظمة الشباب المسلم الأوروبي، ويشغل صبري شريف الألماني من أصول ليبية، منصب نائب رئيس المنظمة، وهو أيضاً من النشطاء البارزين في منظمات الإخوان بأوروبا إذ شغل، في السابق، منصب رئيس القسم المالي في اتحاد المنظمات الإسلامية بأوروبا لمدة عامين.

اقرأ أيضًا: استراتيجيات جماعة “الإخوان المسلمون” وأساليبها في ألمانيا

كما ضمت شبكة “الجماعة الإسلامية الألمانية” مراكز إسلامية فى برلين، ونورينبرج، وماربورج، وفرانكفورت، وشتوتجارت، وكولن، ومونستر، كما أدار عدة مساجد والمدارس، ونظَّم لقاءت دورية وحوارية للمسلمين الألمان، ونشر دورية “الإسلام” الناطقة باللغة الألمانية، وذلك وفق بيانات المنظمة المنشورة عبر موقعها الرسمي.

علانية الدعوة وسرية التنظيم

ويكشف التدقيق في أنشطة الجماعة الإسلامية في ألمانيا اعتمادها مبدأ “علانية الدعوة وسرية التنظيم” الذي يعد أحد المبادئ الحركية المهمة التي تعمل جماعة الإخوان وفقها، فرغم عمل المنظمة منذ عقودٍ طويلة داخل ألمانيا فإنها لم تكشف عن العديد من التفاصيل المهمة المتعلقة بقياداتها الفاعلة، ومصادر تمويلها والتبرعات الخارجية التي تلقتها، حتى في ظل المطالبات المتكررة والتساؤلات عن شبكة العلاقات والتفاعلات الخاصة بالمنظمة.

المسجد المركزي في كولونيا ’دويتشه فونك كولتوغ’

ويقول مصدر خاص داخل المجلس الأعلى لمسلمي ألمانيا إن المنظمة لم تستجب لطلبات المجلس المتكررة بالكشف عن شبكة المراكز الإسلامية والقواعد التابعة لها، مضيفاً أنهم يمارسون نوعاً من التقية والتعتيم المفرط على دوائر ارتباطاتهم، ومع ذلك يدعون أن لديهم شفافية، وأنهم لا تربطهم علاقات مباشرة مع جماعة الإخوان.

وأشار المصدر، الذي تحدث لـ”كيوبوست” من ألمانيا، شريطة عدم الإفصاح عن هويته، إلى أن المجلس أجرى سلسلة من البحث المكثف حول علاقات منظمة الجماعة الإسلامية بألمانيا وارتباطاتها، واكتشف علاقتها بجماعة الإخوان، ومن ثم انخرط في حوارٍ داخلي -منذ سنواتٍ- أفضى إلى تجميد عضوية المنظمة منذ عام 2019، قبل أن يصوِّت المجلس “في سابقة تاريخية” على قرار استبعاد المنظمة، كاشفاً عن أن هذا القرار صدر بأغلبية المنظمات المكونة للمجلس، فصوَّت 19 مكوناً لصالح قرار الاستبعاد، مقابل رفض مكونين فقط.

اقرأ أيضًا:  بعد حظر منظمة “أنصار الدولية”.. ألمانيا على طريق تجفيف منابع تمويل الإرهاب

وبدوره، قال حسين خضر، نائب رئيس الأمانة الفيدرالية للهجرة والتنوع بالحزب الاشتراكي الديموقراطي الألماني، إن تقارير الجهات المعنية في وزارة الداخلية الفيدرالية كشفت أن منظمة الجماعة الإسلامية الألمانية مرتبطة بجماعة الإخوان، مردفاً أن تقارير اللجنة العلمية في البرلمان الاتحادي “البوندستاغ” أكدت وجود روابط شخصية وحركية بين قادة المنظمة العاملة في ألمانيا وجماعة الإخوان المصرية وقياداتها.

وأضاف “خضر” في تصريحٍ خاص لـ”كيوبوست” أن التقارير الصادرة عن الجهات الألمانية سلطت الضوء على أن أيديولوجيا جماعة الإخوان هي المكون الرئيس لفكر الجماعة الإسلامية في ألمانيا، موضحاً أن الغاية النهائية لأصحاب تلك الأيديولوجيا هي إقامة خلافة عالمية تخدم أجندتهم السياسية.

من أقصى المنظمة الألمانية المرتبطة بالإخوان؟

وعلى الصعيد ذاته، ذكر المصدر الخاص الذي تحدث لـ”كيوبوست” أن قيادة المجلس الأعلى لمسلمي ألمانيا اطَّلعت على تقارير أجهزة الأمن الألمانية، وراجعتها بشكلٍ دقيق، لكن تلك التقارير لم تكن العامل الحاسم في إصدار قرار استبعاد المنظمة المرتبطة بجماعة الإخوان لأن المجلس يجري مراجعاته وتقيماته الخاصة، وينبع قراره من داخله بشكل كامل.

الإخوان المسلمون ينقلون مقرهم الرئيسي من مصر إلى أوروبا- مركز الشرق الأوسط وشمال إفريقيا للأبحاث والدراسات

وأكد المصدر أن قرار استبعاد الجماعة الإسلامية بألمانيا نبع من داخل المجلس الذي أجرى سلسلةً من عمليات التقصى حول أنشطة تلك المنظمة، موضحاً أن الحديث عن ضغوطٍ خارجية فُرضت على المجلس، سواء من جهات ألمانية أو خارجية لاستبعاد المنظمة، هو “أمر خاطئ تماماً”.

وألمح المصدر إلى أن قيادة المجلس كان يمكن أن تعتمد استراتيجية دعائية لاستبعادِ منظمة الجماعة الإسلامية الألمانية -كما تفعل جماعة الإخوان- لكنها آثرت أن تترك الأمر للمسلمين في ألمانيا، والذين بدورهم سددوا ضربة قاضية لتلك المنظمة عن قناعةٍ تامة، وبعد حوارٍ داخلي مطول جرى بطريقة منهجية، وبالتالي حُرمت تلك المنظمة، ومن خلفها جماعة الإخوان، من فرصة ادعاء المظلومية، ولعب دور الضحية الذي كانت ستستثمره حاله إخراجها من المجلس بصورةٍ تعسفية أو غير قانونية.

اقرأ أيضًا: لماذا ينبغي لأوروبا أن تقلق من تقارب رئاسة الشؤون الدينية التركية والمجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث

وتابع: “نحن لا نُقصي المسلمين أو الإسلام ولسنا “شرطة الدين”، لكن لا نوافق على سلوك من يحاول استغلال الإسلام لمصالحه الذاتية، ونعمل في إطار مؤسسة جامعة تُعلي مصلحة الوطن الذين نعيش به، وآثرنا ترك المؤسسات والمنظمات الإسلامية في ألمانيا تقوم بتلك المهمة، وتوافقت تلك المؤسسات بمكوناتها المختلفة (الألمانية، والعربية، والتركية.. إلخ) على قرار استبعاد هذه المنظمة، ولم نتدخل بأي صورة في عملية التصويت أو نمارس ضُغوطاً على من لهم الحق في الإدلاء بأصواتهم”.

مستقبل “إخوان ألمانيا”: مرواغة لا تنتهي

إلى ذلك، حافظت منظمة الجماعة الإسلامية بألمانيا على أداءٍ شبه ثابت وروتيني، منذ الإعلان عن استبعادها من عضوية المجلس الأعلى لمسلمي ألمانيا، واكتفت بنشرِ بياناتٍ تقليدية وروتينية، عبر حساباتها على مواقع التواصل الاجتماعي، وموقعها الإلكتروني، عن أحداثٍ محلية أو نصائح دينية دون الالتفات إلى القرار.

ويتضح من مراجعة أداء المنظمة، وبياناتها الإعلامية، خلال الفترة الماضية، أنها تميل إلى اللعب على مشاعر مسلمي ألمانيا، وتعمل على كسب تعاطفهم، وتقديم أيديولوجيتها بصورةٍ بسيطة، وترويج أنها تُعبِّر عن نهج إسلامي غير متشدد.

طلاب في أحد المعاهد الإسلامية في ألمانيا- “أ ف ب”

وفي هذا الإطار، يقول المصدر الذي تحدث لـ”كيوبوست” من داخل المجلس الأعلى لمسلمي ألمانيا، إن الجماعة راكمت خبرات طويلة في المرواغة تمكنها من العمل في ظلِّ الظروف الاستثنائية، مضيفاً أنها قد تلجأ إلى العمل وفق نمط جديد للخروج من حالة العزلة التي فرضتها المكونات والمؤسسات الإسلامية التابعة للمجلس.

وتوقع المصدر أن تقوم مجموعة منظمة الجماعة الإسلامية في ألمانيا بإنشاء كياناتٍ جديدة أو تشكيلِ منظماتٍ أخرى للتحايل على قرار استبعادهم من المجلس الأعلى لمسلمي ألمانيا، لأن الإخوان تُحسن اللعب على وتر ادعاء المظلومية، وتقمُّص دور الضحية، مؤكداً “أن الحرب على تسييس الدين لم تنتهِ بعد”.

♦باحث مصري

 اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة