الواجهة الرئيسيةشؤون دوليةشؤون عربية

قرار بريطانيا حظر حركة حماس.. الملابسات والأسباب والظروف

تصنيف حركة حماس "منظمة إرهابية" بمثابة رسالة للمنظمات الأخرى في بريطانيا خصوصاً تلك التي تُتهم بمعاداة السامية

كيوبوست- مصطفى أبو عمشة

بعد قرار الحكومة البريطانية حظر حركة حماس الفلسطينية، بالكامل، في المملكة المتحدة، تكون بريطانيا قد اقتربت من تصنيف الحركة على أنها منظمة “إرهابية”، وذلك وفقاً لوزيرة الداخلية بريتي باتيل، التي أكدت أن الحكومة حظرت “حماس”، مشيرةً إلى “قدراتها الإرهابية”.

وأشارت باتيل، في بيان لها، إلى أن “حماس” تملك قدرات إرهابية واضحة تشمل امتلاك أسلحة كثيرة ومتطورة، فضلاً عن منشآت لتدريب إرهابيين، لهذا اتخذت إجراءات لحظر حركة حماس كليةً.

 ومن المرتقب أن يناقش البرلمان البريطاني هذا الإجراء الأسبوع المقبل؛ حيث اعتبرت باتيل أن “حماس” معادية للسامية بشكل أساسي وشرس، مضيفةً: “معاداة السامية شر عنيد لن أتساهل معه مطلقاً”.

اقرأ أيضًا: استناداً إلى وثائق.. صحيفة ألمانية تفضح إمبراطورية “حماس” السرية

 من جهتها، انتقدت حركة حماس بشدة قرار الحكومة البريطانية حظرها بالكامل في المملكة المتحدة، وطالبت المجتمع الدولي بالكف عن ممارسة “ازدواجية المعايير” بحقها.

وزيرة الداخلية البريطانية بريتي باتيل- أرشيفية

قرار مفاجئ لحركة حماس

وحول ملابسات وسياقات القرار الأخير، يؤكد الكاتب والمحلل السياسي الفلسطيني د.ناجي شراب، أن القرار فيه قدر من المفاجأة لحركة حماس، وستكون له تداعيات وآثار كبيرة؛ لأنه يأتي من دولة لا يمكن التقليل من حجمها وتأثيرها دولياً وأوروبياً.

ويرى شراب، في حديث خاص إلى “كيوبوست”، أن تفسير القرار يأخذ عدة جوانب؛ ومنها جانب يتعلق بالأنشطة التي تقوم بها “حماس” بشكل خاص، وبشكل عام ما تقوم به جماعة الإخوان وحركات “الإسلام السياسي”، والجانب الآخر يتعلق بسياسة حزب المحافظين بزعامة رئيس الوزراء بوريس جونسون، وبالسياسة البريطانية التقليدية الموالية لإسرائيل.

 اقرأ أيضاً: جدل في ألمانيا حول آلية التعامل مع حركة حماس!

ناجي شراب

ويضيف شراب، قائلاً: “هناك فرق بين سياسة المحافظين وسياسة حزب العمال، والأخير أكثر تأييداً وموالاة للقضية الفلسطينية”، مشيراً إلى أن القرار يأتي في سياق استجابة لمطالب إسرائيلية غير معلنة لجماعات في داخل بريطانيا، وإن كانت الجماعات الصهيونية أقل تأثيراً، كما أن القرار يأتي كتدعيم للقرار الأمريكي في تصنيف حركة حماس كمنظمة إرهابية.

لكن المفاجأة في القرار، حسب رؤية شراب، أنه يأتي في الوقت الذي تعمل فيه واشنطن على احتواء حركة حماس ومحاولتها أن يكون لها دور في السياسة الفلسطينية، وبالتالي جاء القرار مفاجئاً، الذي سيفرض على “حماس” كثيراً من المراجعات وإعادة تقييم لسياساتها؛ لأن القرار يحدّ من تحركات الحركة الدولية، ويحدّ من مشاركتها السياسية في الداخل الفلسطيني بالمستقبل، معتبراً أن القرار الأخير يتعلق بأبعاد السياسة الداخلية البريطانية وحزب المحافظين وسياساته التقليدية الداعمة والموالية لإسرائيل.

اقرأ أيضًا: أنفاق “حماس” تثير قلق المنظمات الدولية في غزة

وحول تداعيات وآثار القرار على حركة حماس، يؤكد شراب أن هذا القرار سيؤدي إلى عُزلة “حماس” وأي نشاط تقوم به سيعتبرها حركة معادية للسامية؛ ولن يقتصر عليها فقط بل سيمتد إلى أية جهة أو شخص يقوم بأنشطة داعمة ومشابهة لـ”حماس”، وهذا سيعتبر خرقاً للقانون، كما أن الأخطر في القرار أنه سيؤدي إلى اعتبار أي نشاط ضد إسرائيل معادياً ومناهضاً للسامية، وبالتالي أي تعاطف مع “حماس” وذراعها العسكرية “كتائب القسام” سيعتبر خرقاً للقانون. وبالتالي فإن الإجراء الأخير سيحدّ من الأنشطة الموالية للحركة وسيؤدي إلى العزلة، وعلى إثر ذلك أي نشاط تقوم به “حماس” والجماعات الموالية لها من رفع العلم الفلسطيني أو أنشطة خيرية سيقع في دائرة هذه القرارات، والذي لا يمكن التقليل من تداعياته وتأثيراته؛ خصوصاً أن القرار صادر من دولة بحجم بريطانيا.

ويشير شراب، في سياق حديثه، إلى أن بريطانيا كانت تصنف الذراع العسكرية لـ”حماس” (كتائب القسام)، على أنها تنظيم “إرهابي”، لكنَّ اليوم “حماس” باتت برمتها تُصَنَّف بأنها منظمة “إرهابية”، وهذا يعد تحولاً من اعتبار “القسام” جناحاً عسكرياً “إرهابياً” إلى اعتبار حركة حماس بالكامل “إرهابية”، وهذا يمتد من الأنشطة العسكرية إلى الأنشطة السياسية كافة.

يتساءل مراقبون عن مدى إمكانية استمرارية “حماس” في سياستها وسطوتها على القطاع

قرار في مصلحة الفلسطينيين

أما الكاتب والمحلل السياسي المستشار زيد الأيوبي، فيصف القرار الصادر عن وزارة الداخلية البريطانية بأنه “قرار مهم جداً” في التوقيت؛ لكونه صادراً عن بريطانيا التي تعد دولة عظمى، وهي عضو في مجلس الأمن، وبالتالي قرارها سيكون له تأثير كبير على حركة حماس وعلى أنشطتها؛ سواء أكانت السياسية منها أم المالية، خصوصاً في جني التبرعات وإقامة المشروعات الاستثمارية التابعة للحركة ومراقبة الأموال التي تتدفق عليها، وما دام هذا القرار صدر عن بريطانيا سيكون له تأثير كبير على بعض الدول التي تتأثر بقرارات بريطانيا في أوروبا، وبالتالي سنسمع دولاً أخرى تتخذ نفس الخطوة.

زيد الأيوبي

ويضيف الأيوبي، في حديثه إلى “كيوبوست”،  بالقول: “بالنسبة إلينا كفلسطينيين، ما يهمنا هو أن يكون هذا القرار صادراً لمساعدة الشعب الفلسطيني على الخلاص من سيطرة (حماس) على قطاع غزة، ومن حكمها بالحديد والنار الذي يعانيه سكان غزة جميعاً، والذين يبلغ عددهم 2 مليون مواطن، فـ(حماس) قتلت المئات بالقطاع وسيطرت على أملاكهم واستولت على مقدراتهم المالية وسيطرت على أراضيهم وعقاراتهم وأجبرتهم على الرحيل من غزة والهروب من الحياة الصعبة إلى البحر، فماتوا غرقاً، وأجبرت العديد من الشباب الفلسطيني على الانتحار نتيجة الظروف المعيشية الصعبة التي تفرضها على السكان والمواطنين الغزيين، وبالتالي فإن (حماس) مارست الإرهاب بحق الشعب الفلسطيني، وهو إرهاب فظيع لا يوصف”.

ويتمنى الأيوبي أن يكون الهدف من القرار نجدة الشعب الفلسطيني والوقوف إلى جانبه في مواجهة كل مَن يعتدي عليه، فلا نريد من هذا القرار أن تكون له علاقة بخدمة الاحتلال الإسرائيلي، مشيراً إلى أن القرار إذا كان يخدم مصالح الشعب الفلسطيني وفيه تضامن معه، فنحن نريد أن يُبنى عليه أيضاً قطع علاقات بريطانيا مع الإخوان المسلمين وقياداتها الذين يعيشون على الأراضي البريطانية؛ حيث يتساءل الأيوبي، في سياق الحديث، بالقول: “كيف ستوائم بريطانيا بين قرارها هذا وعلاقاتها الاستراتيجية مع قيادات الإخوان المقيمين على أرضها، وهم قيادات مهمة جداً وأصحاب قرار لدى الجماعة، وبالتالي هل ننتظر قراراً قادماً من قِبل بريطانيا بحق الجماعة؟ هذا أمر يجب أن ننتظره جميعاً”.

اقرأ أيضًا: إلى أين تتجه سياسة السطوة الأمنية التي تتبعها “حماس” في قطاع غزة؟!

ويرجح الأيوبي أن مثل هذا القرار بحق جماعة الإخوان سيكون قادماً؛ لأن بريطانيا لها مصالح مهمة جداً مع الأمة العربية، ومن المستبعد أن تضحي بهذه المصالح وتتمسك بالإخوان المسلمين.

وفي سياق آخر، يرى الأيوبي ضرورة تأكيد أن الشعب الفلسطيني يريد هذا القرار أن يصب في مصلحته، متمنياً من بريطانيا أن تعلن في ذات السياق أن الاحتلال الإسرائيلي الذي يرتكب جرائم بحق الشعب الفلسطيني هو احتلال “إرهابي” ويمارس الإرهاب بحق الشعب الفلسطيني، مشدداً على أن بريطانيا إذا كانت تريد أن تكون صديقة للشعب الفلسطيني عليها أن تعلن عن اعتذارها عن وعد “بلفور”، وتعترف بالدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس، وتعترف بحقوق الشعب الفلسطيني المشروعة.  

ويأمل الأيوبي في نهاية حديثه أن تكون هناك دول أخرى تحذو حذو بريطانيا؛ ومنها الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي كمنظمات دولية إقليمية، وأن تتخذ ذات الموقف. كما يدعو الأيوبي كل الأحرار، عرباً ومسلمين، إلى دعم أي توجه لمعاقبة “حماس” على جرائمها بحق الشعب الفلسطيني.

اقرأ أيضاً: لماذا تتغاضى السلطة الفلسطينية عن نشاطات “حماس” المهددة لها في الضفة؟

رسالة تحذير

وفي سياق متصل، تؤكد الصحفية والخبيرة في الشؤون الفلسطينية دانا بن شمعون، في تصريحات أدلت بها إلى “كيوبوست”، أن القرار البريطاني بتصنيف “حماس” بأذرعها كافة بأنها منظمة “إرهابية”، يأتي بعد المزيد من المساعي الدبلوماسية التي تبذلها إسرائيل بهذا الصدد، مشيرةً إلى أن الجهود الإسرائيلية كُثِّفت مؤخراً بعد تصاعد موجة الكراهية بعد الحرب الأخيرة الإسرائيلية على قطاع غزة؛ لا سيما بعد حادثة الاحتجاج على مشاركة السفيرة الإسرائيلية في بريطانيا تسيبي حوتوفيلي، في فعالية حوارية نُظمت بكلية لندن للاقتصاد؛ ما استدعى معارضة شديدة من قِبل منظمات مؤيدة للقضية الفلسطينية، وأخرى حمَّلت الجامعة المسؤولية عن منح منصة للعنصرية.

دانا بن شمعون

وتؤكد “بن شمعون” أن هذه الحادثة التي وقعت ضد السفيرة الإسرائيلية دفعت الحكومة الإسرائيلية إلى إرسال رسائل شديدة اللهجة إلى الحكومة البريطانية؛ وهذا ما يفسر توقيت القرار الذي اتخذته بريطانيا بحق “حماس”.

اقرأ أيضاً: إعادة الإعمار في غزة.. المهمة المستحيلة في ظل سيطرة “حماس

وتوضح “بن شمعون” أن رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون، لا يريد أن تُتهم بريطانيا بأنها تشجع على أنشطة معادية لليهود وإسرائيل، أو أن يُتهم بمعاداة “السامية”؛ ولذلك اتخذت الداخلية البريطانية هذا القرار لإرضاء إسرائيل والجالية اليهودية داخل بريطانيا، وهذا السبب الحقيقي لاتخاذ مثل هذا القرار في مثل هذا التوقيت.

إضافة إلى ذلك، فإن جونسون وحكومته، حسب رؤية “بن شمعون”، يعانيان مشكلات وتحديات كبيرة؛ خصوصاً بعد فترة جائحة كورونا التي ألحقت المزيد من الضرر والخسائر المادية بالاقتصاد البريطاني، مؤكدةً أن هناك إرادة من قِبل جونسون  بالتخفيف من هذه الأزمة الداخلية في بريطانيا، وبشكل عام فهو غير معني بإيجاد تحديات داخلية أخرى، لذلك هو معني باتخاذ وفرض مثل هذه الإجراءات والقيود؛ خوفاً من خروج الأمور عن السيطرة، فهناك مخاوف من ارتفاع مظاهر العداء والكراهية بحق اليهود وإسرائيل في بريطانيا، والتي قد تخرج عن السيطرة، ومن هنا فإن جونسون يعمل على الحدّ من تصعيد الأجواء ضد اليهود في بريطانيا.

وترى “بن شمعون” أن القرار الأخير يُعد بمثابة رسالة تحذير إلى باقي المنظمات المعادية لإسرائيل واليهود التي تعمل على الأراضي البريطانية؛ وعلى رأسها حركة مقاطعة إسرائيل (BDS) التي لها أنشطة مكثفة لسنوات طويلة وتدعو إلى مقاطعة إسرائيل ودعم الشعب الفلسطيني، وبهذا الصدد جاء قرار تصنيف حركة حماس بأنها “منظمة إرهابية”؛ وهي بمثابة رسالة للمنظمات الأخرى في بريطانيا تهدف من الحدّ من الأنشطة المعادية لإسرائيل.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مصطفى أبو عمشة

باحث وكاتب صحفي فلسطيني مهتم بشأن الشرق الأوسط والإسلام السياسي

مقالات ذات صلة