الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفةشؤون دولية

قراءة في مستقبل شي جين بينغ من خلال تاريخ الصين

كيوبوست- ترجمات

هوارد فرينش♦

توجّه الرئيس الصيني شي جين بينغ فور تولّيه السلطة في عام 2012، في أوّل رحلة له خارج بكين، إلى منطقة غوانغتشو العسكرية في جنوب البلاد، حيث قال للجنود إنّ “إطاعة أوامر الحزب بدون أي تهاون، هي روح الجيش كما هي الأولويّة الأساسيّة التي تمكّن الجيش من القتال والانتصار”.

وفي خطوةٍ مشابهة بعد ثمانية أشهر، قام شي بجولة على أوّل حاملة طائرات صينيّة، لياونينغ، ليلقي بخطابٍ مشابه إلى حدٍ كبير. وأحداث هذا العقد هي مؤشّراتٌ يمكن الاعتماد عليها لمعرفة ماذا يجب أن نتوقّع من الصّين في ظل زعيمها الجديد: أسلوب فظ، وحزم أشد بكثير ممّا اعتاد عليه العالم، في ظلِّ الرؤساء الشيوعيين السابقين.

وهذه المرّة، كانت أوّل خطوة لشي بعد تعيينه الفعلي هي سفره إلى يانان في الشمال الغربي الصيني، والتي يمكن القول إنّها أهم موقع في تاريخ الحزب الشيوعي الصيني. هنا قاد ماو تسي تونغ قوّاته المنسحبة في نهاية “المسيرة الطويلة”، حيث أعاد تشكيل حركته هناك، وخطّط لانتصار ثورته.

اقرأ أيضاً: نقطة ضعف شي جين بينغ… كيف تهدد البارانويا مستقبل الصين؟!

كما تمثّل يانان المكان الذي زالت فيه كل الشكوك عن تفوّق ماو زيدونغ على جميع القادة الشيوعيين الصينيين. فهناك نجد جذور التقليد في معاملته على أنّه معصوم عن الخطأ، جذور ازدهار شخصيّته المؤلّهة. لسنوات عدّة بعدها كان ماو وحده هو الذي يحدد ما هو أحمر أو أسود، وكما قال الصينيون – بمعنى ما هو اليسار وما هو اليمين، ومن كان في الأعلى ومن في الأسفل، ومن في الداخل ومن في الخارج. كانت قرارات ماو، التي غالباً ما تمّ تنفيذها بوحشية وحزم شديد، تحدد مصير عددٍ لا يحصى من البشر.

إذاً، ما الذي يمكن استنتاجه من زيارة شي رفيعة المستوى ليانان؟ بالنسبة لبعض الخبراء، أكّدت هذه الزيارة أنّ شي أقوى زعيم صيني منذ ماو، وأنّ شي اختار ماو بالذات قدوة له.

الرئيس شي في افتتاح المؤتمر العام للحزب الشيوعي الصيني- وكالات

توقّع البعض أن هذه الزيارة ستعني عودة بعض سياسات ماو الأكثر تطرفاً، بما فيها، الاكتفاء الذاتي الاقتصادي، أو العزلة الاقتصادية عن العالم الرأسمالي. يمكن أن تعني أيضاً، وفقاً لهذه المقاربة، أن شي يريد أن يكون قائد الصين العظيم الجديد، وأن يتبنّى أحد ألقاب ماو الأكثر استخداماً خلال عقود حكمه الثلاثة.

وبسبب ندرة المعلومات المتاحة في الوقت الفعلي حول سياسة نُخَب الصين، علينا أن نبحث في مكانٍ آخر عن المعلومات اللازمة لمعرفة ما يحدث في الصين، وعن مدى تطابق حكم شي مع تاريخ الصين، ولذلك، توجهت إلى المؤرّخ ستيفين ر. بلات من جامعة ماساتشوستس أمهيرست، لأفهم رؤيته لشي، وكيف يمكن ترجمة تصرفاته الأخيرة.

اقرأ أيضاً: كيف سيعزز شي سلطته في مؤتمر الحزب العشرين؟

يقول بلات “إننا إذا نظرنا إلى الوراء في تاريخ الصين، وفي الكثير من الأحيان، يكون القادة الذين يبدون لنا أنّهم الأقوى على الإطلاق في الواقع أقل قوّة، أو أصحاب نقاط الضعف الأكبر”. جاءت هذه القاعدة في سياق تحذير لعدم المبالغة في تقدير قوة شي، ويذكر مقولة نُسبت إلى النيجيري الحائز على جائزة نوبل في الأدب، وول سوينكا: “النمر لا يعلن عن كونه نمراً”، وهذا يعني أن مجرد كونك نمراً يكفي إلى حد كبير كدليل على القوة.

في شرحه لوجهة نظره، يشير بلات إلى يِن زين، الذي حكم الصين تحت لقب الإمبراطور يونغزينغ في بدايات القرن الثامن عشر. فعلى الرغم من اعتقاد الكثير من العلماء أنّه كان بالفعل الخليفة الشرعي لوالده، فإن الخلافات والمنافسة نشأت بينه وبين إخوته وداعميهم لأنّ يِن زين لم يكن الأكبر سناً، ولا يعتبر الأجدر بين الورثة الذكور المحتملين. نتيجةً لعدم ثقته بنوايا الذين من حوله، ومع كثرة الإشاعات التي تقول إنّه قام بتزوير وصيّة أبيه، ألقى الإمبراطور يونغزينغ إخوته بالسجن، حيث توفيّ عدد منهم هناك.

ينظر المارة إلى مبنى مغطى بملصقات صور الرئيس الصيني شي بينغ في شنغهاي، 2016- أسوشيتد برس

قليلون هم الذين يشكِّكون في شرعية استلام شي للحكم، حيث تمّت العمليّة وفقاً لما ينص عليه نظام الحزب الشيوعي في ذلك الوقت، إلّا أن بلات يشير إلى أنّ التشابه ربّما يكمن في طريقة حكم يونغزينغ الذي يقول بلات إنه: “منع الأدباء الصّينيين من تشكيل جمعيّات أو تجمّعات شعريّة خوفاً من إمكانيّة تسييسها”، و”عندما ننظر إلى حملة شي على المعارضة وقمعه لأي نوع من الاختلاف والتفاوت في المجتمع. نلاحظ شبهاً كبيراً بسياسات يونغزينغ، الذي كان يخشى التشكيك بشرعية حكمه”. بالنسبة لشي، قد يكمن مصدر خوفه في قوته، بعد أن قام بقلب قواعد الحكم ليبقى رئيساً إلى أجلٍ غير مسمّى.

وفي هذا الصدد، قدّم بلات سياقاً تاريخياً قيّماً، فهو يرى أن شي قد أقدم على خطوةٍ جريئة، وربما تنطوي على بعض المخاطر، عندما كسر قواعد الخلافة غير الرسمية التي أرساها دينغ شياو بينغ الذي خلف ماو تسي تونغ، والتي فرضت حداً لمدة تولي قيادة الحزب الشيوعي لا يتجاوز الدورتين (5 سنوات لكل دورة). ويرى بلات أن شي اعتبر أن طموحه الشخصي هو الذي دفعه لخوض مخاطر كسر القواعد.

اقرأ أيضاً: رؤية الصين: حملة عنيفة لخلق عالم من تصورها الخاص

استفاض بلات في شرح هذا الإغراء في المراهنة السياسية من خلال الإشارة إلى يوان شيكاي، الرجل العسكري القوي الذي تولّى الحكم في نهاية عهد سلالة تشينغ في عام 1912، ثم سعى وفشل في إثبات نفسه كإمبراطور جديد مع بداية الحكم الجمهوري.

أمّا شي، فلا يحاول أن ينصِّب نفسه إمبراطوراً، ولكن وبعد أن بدأ ولايته مع قيود بيروقراطية معينة، قرّر شي أن يثني الواقع بما يناسبه، ويضمن استمراره في السلطة دون حدود لولايته، ودون أي تأثير من منافسين جديين. يريد أن يكون هو الصوت المسموع في جميع أنحاء البلاد، وأن تكون صورته ظاهرة في كلّ مكان مع تلك النظرة المرتبكة”، إلى حدٍّ كبير مثل ماو.

ترى الأجيال القديمة أن بينغ هو امتدادٌ للحلم المؤجل بالتضامن الحقيقي والذي وعد به ماو منذ 70 عاما- نيويوركر

ولكن سرعان ما أضاف بلات أنّ شي ليس مثل ماو. “نشأ الأطفال وهم يعتقدون أن الشمس تشرق بسبب وجود ماو تسي تونغ في الصين”. “وأنا لا أعرف أن شي يأمر بأي شيء مثل هذا النوع من التملّق”. مشكلة أخرى واضحة في مثل هذه المقارنات هي أن ماو كان ثورياً بلا شك. قال بلات إن شي “وضع نفسه فوق الحزب”، لكنّه في النهاية مجرد “بيروقراطي بامتياز، لعب اللعبة البيروقراطية حتى نهايتها”.

اقرأ أيضاً: حرب شي جين بينغ الثقافية تدخل حرم الجامعات الصينية

يضيف بلات أن شي ركّز على الداخل الصّيني، ويقول إن شي: “أدار ظهره لنمو التجارة، والسياحة الأجنبية، وتعلم اللغة الإنجليزية والدراسة الأجنبية، كل هذه الأشياء التي أخذناها نحن، مراقبي الصين، كأمورٍ مسلم بها. كانت مثل هذه الأشياء متأصّلة في الرؤية التي كانت لدى دنغ شياو بينغ لتحديث الصين واندماجها في العالم، ومن الواضح أن شي جين بينغ لديه وجهة نظر مختلفة تماماً حول ما يجب أن يكون عليه موقع الصين في العالم. ولا أعتقد أننا رأينا أكثر من ملامحها السافرة حتى الآن”.

ويخلص كاتب المقال إلى القول: “من الصّعب جدّاً تحليل ومعرفة ما الذي يسعى إليه شي. من المحتمل أنّنا لم نبدأ حتى بمعرفة ماهية أجندته الحقيقية”.

♦كاتب عمود في “فورين بوليسي”، وأستاذ في كلية الدراسات العليا للصحافة بجامعة كولومبيا.

المصدر: فورين بوليسي

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة