الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفةرفوف المكتبةشؤون خليجيةشؤون دوليةشؤون عربيةمشاريع الخمسين

قراءة في كتاب: رؤية محمد بن زايد- نموذج دولة الإمارات في بناء القوة

كيوبوست – أبوظبي

يمثِّل هذا الكتاب دليلاً لمن يريدون فهم الدور الذي اضطلع به، ولا يزال، صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان رئيس دولة الإمارات، في نقلها من موقع الدولة الصغيرة إلى فاعلٍ أساسي في تشكيل السياسات الإقليمية، وتعظيم دورها وتأثيرها في السياسة العالمية أيضاً.

يمثِّل الكتاب دليلاً لمن يريدون فهم الدور الذي اضطلع به الرئيس الإماراتي.
ابتسام الكتبي

ومن خلال فصول الكتاب الخمسة، تُقدِّم الدكتورة ابتسام الكتبي، مؤسسة ورئيسة “مركز الإمارات للسياسات”، تحليلاً مستفيضاً ودقيقاً للجهود التي بذلها صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد، سواء خلال حقبة التأسيس التي قادها المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، أو خلال حقبة التمكين التي قادها المغفور له الشيخ خليفة بن زايد. وترى الدكتورة ابتسام الكتبي أن صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد يقود حالياً حقبة توطيد ريادة النموذج التنموي الإماراتي، والارتقاء في معايير التنافسية للاستعداد لعصر ما بعد النفط، وأن هدفاً كهذا لا يتحقق إلا بسياسةٍ خارجية منفتحة على الجميع.

جهود تدعيم قوة الإمارات الصلبة والناعمة

إن بصمة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد ودوره المحوري في بناء نموذج الإمارات الريادي يمتدان على مدى ثلاثة عقود، وما يميّز هذا الدور شموله القوتين الناعمة والصلبة. فقد قاد صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد تحديث وتطوير المؤسسة العسكرية، منذ أن كان رئيساً للأركان في القوات المسلحة عام 1993، حيث عمل على تحديث القوات المسلحة وتنويع مصادر التسلح. وقد أظهر الدور الذي لعبته الإمارات في الصراع العسكري في اليمن، عبر المشاركة في التحالف العربي، ما حققته الدولة في تطوير مستويات غير نمطية من الفاعلية العسكرية.

الشيخ محمد بن زايد خلال متابعة أداء المجندين في أحد التدريبات العسكرية – وام

صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد

انتخب المجلس الأعلى للاتحاد اليوم أخي صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان رئيساً للدولة.. محمد بن زايد هو ظل زايد وامتداده فينا.. ومؤسس مئوية دولتنا.. وحامي حمى اتحادنا. نبارك له، ونبايعه، ويبايعه شعبنا.. وتنقاد له البلاد كلها ليأخذها في دروب العز والمجد والسؤدد بإذن الله

من جانبٍ آخر، تشير الدكتورة ابتسام الكتبي إلى الجهود التي بذلها صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد لتطوير مقدرات دولة الإمارات في مجال القوة الناعمة، إلى الدرجة التي حدَت بالباحثة الإيطالية البارزة فيدريكا فسانوتي إلى القول بأن الإمارات باتت “سيدة القوة الناعمة Master in soft power”، كما توضح ما تقوم به الدولة من جهود لتحسين موقعها، وضمان استدامته وتطويره، ومن بينها تحسين المنتج الإماراتي، والاشتغال على الرموز الثقافية المحلية من أجل توطين ركائز القوة الناعمة بشكلٍ مستدام.

ويحفل الكتاب بعددٍ كبير من مظاهر جاذبية نموذج الإمارات، وما تقدِّمه من دروسٍ ملهمة للمنطقة والعالم. ومن بين هذه المظاهر ما رسخته الدولة من كونها قبلة للتسامح والتعايش. وتقول الكتبي إنه منذ تأسيس اتحاد دولة الإمارات عام 1971، سمحت الدولة بتشييد الكنائس، ما يعني الانتباه الباكر لخلق بنية طبيعية لفكرة التعايش الديني، وتعزيز الحرية الدينية، وقبول الآخر، واحترام حاجاته الروحية، واحترام التنوع، وتوظيفه في بناء التجربة الإماراتية، وتقديم صورة متسامحة للإسلام والتدين، لا تتخوف من الآخر بل تبني الثقة معه، وتسعى إلى النأي عن الأيديولوجية المتشددة التي يقدمها الإسلامُ السياسي، السني والشيعي، ورعاته الإقليميون.

تولِي الإمارات أهمية كبيرة لرسائل التسامح

قيادة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد التحويلية للإمارات

تشير الكتبي إلى أن دولة الإمارات تجسد حالة نموذجية لدراسة كيفية استجابة دولة صغيرة فتية للتحديات والتحولات الاستراتيجية في الشرق الأوسط، وتذكر أن صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد تميز بقدرته على قراءة التحولات في ميزان القوى والتكيف معها، مضيفة أننا هنا أمام نموذج واضح يعكس ما يسمى في علوم الإدارة بـ”القيادة التحويلية”، حيث يُحدث القائد نقلة نوعية إيجابية ومثمرة في مسيرة مؤسساته وبلده، وهي تتمثل في تحويل طموحات دولة الإمارات إلى أن تصبح مركزاً إقليمياً للدبلوماسية والأمن والازدهار.

وتُبرز الكتبي المكانة التي يحتلها الاستقرار في استراتيجية الدولة الأمنية، حيث تقول إن دولة الإمارات قد بنت صورتها بوصفها مركزاً ماليّاً إقليميّاً ورائداً في الخدمات اللوجستية وإعادة التصدير، وموطناً مثالياً للتجارة والاستقرار والعمل والإقامة سهولة العيش، موضحةً أن الاستقرار هو روح استراتيجيتها الأمنية، وأنه كلما ازدهرت علاقاتها الدولية ترسَّخ استقرارها كمصلحة دولية أيضاً، وأن هذا الأمر يتوازى مع تثبيت صورتها في الخارج بوصفها شريكاً موثوقاً به لدى القوى الدولية الكبرى، وعلى رأسها الحليف الأمريكي. وعلى ذلك، يمكن القول بأن اللعبة الدولية قد تتيح للدول التي تتحلى فيها القيادة بالرؤية والمرونة والتخطيط مزيداً من فرص الفاعلية والتأثير والمشاركة.

احتل الاستقرار مكانة مهمة في استراتيجية الدولة.

وفي هذا الإطار، تتبنى دولة الإمارات مفهوماً يتجاوز حدودها، ويمتد وراءها إلى الدول الفاعلة في الإقليم، وهو ما يهتم به الكتاب، حيث يشرح ويحلِّل المنهج الاستباقي الذي تتبناه دولة الإمارات منذ عام 2011 لصدّ المهددات الإقليمية والفوضى، ومنع وصولها إليها، كما يعرض الكتاب لنماذج عدة يتجسد فيها سعي دولة الإمارات إلى تحقيق الاستقرار في المنطقة ككل، والحؤول دون تفكك الدولة الوطنية في العالم العربي خلال العقد الأخير.

ومجددا في عام 2021- 2022، شهدت السياسة الخارجية الإماراتية تحولاً آخر تمثل في تبني الإمارات سياسة “صفر مشاكل” مع الخصوم، والتركيز على تعافي الاقتصاد وتوسيعه وتعزيز الأمن والاستقرار من مدخل طي صفحة الخلافات وبناء الجسور.

تبنت الإمارات سياسة “صفر مشاكل” مع الخصوم

وتؤكد الكتبي أمراً شديد الأهمية، وهو أن سعي دولة الإمارات إلى تصفير المشاكل مع الفرقاء الإقليميين، خاصة تركيا وإيران، لا يعني الاتفاق مع هذه الدول في القضايا والملفات الخلافية، بل إدارتها من منطلق الحوار دون الوصول إلى صدام. كما تشير إلى قصور الرؤية لدى بعض المحللين الذي اعتقدوا أن هذا التحول الذي شهدته السياسة الإماراتية مؤخراً يمثل انكفاءً إلى الداخل، لأن واقع الأمور يؤكد أن هذا التحول لا يعكس تغيُّراً في أهداف السياسة الإماراتية، بقدر ما أنه يمثل تعديلاً في توجهاتها ووسائلها وأدواتها، وذلك بالاستمرار في لعب دور القوة الإقليمية المؤثرة، والمستفيدة من تركيز الجهود والموارد على دعم الاستقرار الإقليمي والعمل مع جميع دول المنطقة لمواجهة التحديات المشتركة، والتركيز على بناء الاقتصاد وتطوير النموذج التنموي وتعزيز قدرته التنافسية. ومثل هذا التحول في السياسة الإماراتية لا يمثل خطوة تكتيكية آنية، بل تحولاً استراتيجيّاً يأتي في سياق تحولات جيوستراتيجية واسعة، ويجري تأكيده خلال شغل دولة الإمارات العضوية غير الدائمة في مجلس الأمن الدولي التابع لهيئة الأمم المتحدة في عامي 2022 و2023.

تلعب الإمارات دور القوة الإقليمية المؤثرة

ركائز النموذج الإماراتي

يحلِّل الكتاب ركائز النموذج الإماراتي في بناء القوة والاستعداد للمستقبل، من خلال بناء القوة الشاملة، وفي هذا السياق ارتكزت رؤية صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد في بناء النموذج التنموي الإماراتي وتطويره على ركيزتين: بناء الذات، وبناء التحالفات من خلال عدد من العناصر، أبرزها: الصيغة الاتحادية للحكم، وتحديث المجتمع، وتمكين المرأة والشباب، وإصلاح التعليم، وتطوير الاقتصاد، واستقطاب الكفاءات، ومرونة القيادة وسرعة تكيفها مع التحولات، وترسيخ دبلوماسية المساعدات.

ومن جانبٍ آخر، هناك تأكيد مستمر من جانب صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد على أن الشراكات وحدها قادرة على تخطي التحديات المتداخلة التي يواجهها العالم اليوم؛ وأهمها: أمن الغذاء والطاقة، وتغير المناخ، والرعاية الصحية، وتمكين الاعتدال والتسامح وحوار الأديان، والاستثمار في التكنولوجيا. وتصف الدكتورة ابتسام الكتبي جهود الشيخ محمد بن زايد بقولها: “يبدو أن الشيخ محمد يريد تغيير الإماراتيين أنفسهم لجعل شعبه أكثر انضباطاً وأكثر عقلانية، وأكثر اعتماداً على الذات”.

الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة والشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة – وام

ولم يُغفل الكتاب الحديث عن صلابة الرؤية التي صاغها صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد تجاه عددٍ من أبرز التهديدات، ومن بينها الإسلام السياسي، فقد كان لدى سموه، كما تقول الكتبي، حدس مبكر بمخاطر الإسلاموية على التنمية والاستقرار المحلي والإقليمي، وينطبق ذلك على جماعات الإسلام السياسي بشقيه السني والشيعي، ولذلك أسرع بالعمل على اتخاذ خطوات عاجلة وحازمة واستباقية لمنع مخاطرها في دولة الإمارات، وفي السياق الإقليمي، وهو ما يعيده صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد إلى تأثره برؤية الوالد المؤسس الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، التي كانت تقوم على الانفتاح، ورفض التعصب والتشدد، وإدراك المرامي الحقيقية لجماعات الإسلام السياسي التي تتستر وراء الدين لتحقيق مآربها.

وقد أكدت الأحداث التي تلت ما سُمِّي “الربيع العربي” رؤية صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد حول مخاطر الإسلام السياسي، وهو ما وعاه عدد كبير من السياسيين والمراقبين المخضرمين حول العالم، حيث يقول بريت ماكغورك، المسؤول الأمريكي الذي أمضى سنواتٍ في العمل في الشرق الأوسط لعدة إداراتٍ أمريكية، بما فيها إدارة بايدن الحالية: كنت متشككاً في البداية، لكنني توصلت إلى استنتاجٍ مفاده بأن صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد غالباً ما كان على صواب.

لقد عمل صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد كذلك على مأسسة استراتيجيات التنويع المختلفة لدولة الإمارات، ووسّع شبكة علاقاتها الدولية، وزاد من حجم اقتصادها.

وهذا الاقتصاد تدعمه بيئة مؤسسية متنوعة. لذلك تقوم سياسة الدولة في إطار “مشاريع الخمسين” عاماً المقبلة، على ثلاثة مجالات أساسية؛ هي: توسيع الاتفاقيات التجارية والشراكات النوعية؛ والاستثمار في التكنولوجيا والصناعات المتقدمة؛ وخلق قطاعات جديدة منافسة.

كما يمثِّل المستقبل وجهة أساسية في رؤية صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد، ولاسيما في عصر ما بعد النفط، حيث يحتل الاستعداد للمستقبل، بتحولاته وتغيراته المتوقعة، ركناً مهمّاً فيها، ويبدو ذلك في مقولة شهيرة لصاحب السمو، أكَّد فيها “أننا سنحتفل في عام 2050 بتصدير آخر برميل نفط”.

أطلقت الإمارات خطة تهدف إلى دعم الاستراتيجيات الوطنية وبناء مستقبل مستدام للسنوات الخمسين القادمة.. 2021- أبوظبي “وام”

وتقول الكتبي إن الإمارات، انطلاقاً من وعي القيادة بهذا البعد، وسعياً منها إلى الاستعداد لمرحلة ما بعد النفط، اتجهت إلى تبني استراتيجية تنويع مصادر الدخل، وتمكين القطاع الخاص، وإعادة هيكلة سوق العمل، والتوجه نحو اقتصاد المعرفة، وإصلاح القوانين والتشريعات بما يعزز التنافسية، وإدراك مدى أهمية الاستثمار في التعليم، والمعرفة العلمية والتكنولوجيا، ومخرجات الثورة الصناعية الرابعة، وصناعة الفضاء. وقد اعتُبر ذلك جزءاً مهمّاً في نموذج بناء القوة الإماراتي.

ويخلص الكتاب إلى القول بأن نموذج الإمارات في بناء القوة يواجه بعض التحديات في عالم ما بعد كورونا، وتأثير الحرب في أوكرانيا، وكذلك تحدي زيادة الاستثمار في جودة التعليم والبحث العلمي وتطوير الجامعات، وتأهيل الكوادر البشرية ذات المهارات المتخصصة.

وهذا الأمر يتكامل مع استراتيجيات جذب الكفاءات والمواهب من الخارج وتطوير أنظمة التأشيرات الإماراتية الجديدة، وتنمية قدرات الدولة في مجال العلوم والتكنولوجيا وتطويرها، لذلك اتجهت الإمارات إلى تشكيل مجالس تشجيع الابتكار، والتفاعل مع الثورة الصناعية الرابعة، والذكاء الاصطناعي، والروبوتات، وأبحاث الفضاء، والطباعة ثلاثية الأبعاد، والرقمنة وأبحاث الطب والبيولوجيا التي تغيِّرُ شكل العالم ومصير الإنسان، كما لم يَحدُثْ سابقاً في أيّ مرحلةٍ في التاريخ الإنساني.

* ابتسام الكتبي، «رؤية محمد بن زايد- نموذج دولة الإمارات في بناء القوة»، مركز الإمارات للسياسات، الطبعة الأولى، 2022

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة