الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفةشؤون دولية

قراءة في كتاب: تحليل الاستخبارات وصنع السياسات: التجربة الكندية

كيوبوست

يعد تحليل الاستخبارات أمراً ضرورياً للأمن القومي لتطوير سياسات خارجية ودفاعية رصينة تتسم بالرشادة. ومع ذلك، فإن دراسة جودة الاستخبارات وقدرتها على صنع وتشكيل السياسة الخارجية للدول خارج السياق الأمريكي قد تم تجاهلها من قِبل الباحثين؛ إذ تمتلك العديد من الإدارات الحكومية الفيدرالية الكندية وحدات للتحليل الاستخباراتي، ولكن كيفية استخدام مخرجاتها من قِبل صانعي السياسات كانت ضعيفة للغاية.

وفي هذا السياق، يسعى توماس جونيو وستيفاني كارفن للإجابة، في كتابهما، عن أسئلة مهمة؛ وهي: كيف يدعم التحليل الاستخباراتي عملية صنع القرار في كندا؟ وكيف يمكن أن يتم تحسينه؟ وما الدروس التي تقدمها الخبرة الكندية للمجتمعات الاستخباراتية الأخرى؟ ومن هنا تنبع أهمية هذا الكتاب؛ إذ لا يوجد كتاب مماثل يقدم لآلاف الأفراد من أعضاء الاستخبارات الوطنية، أو مجتمعات الأمن القومي، أو للعلماء والطلاب المهتمين، تركيزاً مفصلاً عن دور التحليل الاستخباراتي في صنع السياسة الفيدرالية. ويمثل هذا الكتاب، على هذا النحو، أول دراسة إمبريقية شاملة حول هذا الموضوع.

اقرأ أيضاً: دراسة حديثة: كيف تشكل القدرات السيبرانية موازين القوى محلياً ودولياً؟ (1)

وعلاوة على ذلك، فإن كندا تتمتع بعلاقات استخبارات وثيقة مع الولايات المتحدة؛ فهي عضو في أهم منظمة لتبادل المعلومات الاستخباراتية في العالم، ممثلة في العيون الخمس، والتي تضم أستراليا وكندا ونيوزيلندا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة.

مجال تركيز الكتاب:

يركز الكتاب بصورة أساسية على دعم التحليل الاستخباراتي لصنع القرار في المجالات التي تتعلق بالسياستَين الخارجية والدفاعية، وكذلك الأمن القومي للدول؛ ولذلك فهو يستبعد تماماً مجالات مثل دعم التحليل الاستخباراتي لأجهزة إنفاذ القانون، أو القوات المسلحة.

يعرِّف المؤلفان تحليل الاستخبارات على أنه “العملية التي يقوم من خلالها المحلل بجمع البيانات والمزج بينها، وذلك بعد الحصول عليها من مصادر متنوعة، علنية وسرية، ثم يقوم بتقديم استنتاجاته في شكل مخرجات، مكتوبة وشفوية، والتي يتم توزيعها عبر مختلف الوكالات داخل الحكومة، أو مع الشركاء الدوليين”.

مؤتمر “تحالف العيون الخمس” الذي يضم الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وكندا وأستراليا ونيوزيلندا.. وهو التحالف السيبراني الأكثر هيمنة في العالم 2019- وكالات

من جانب آخر، يهتم الكتاب بعمل المحللين، وكيف يتم دمجه في عمليات صنع السياسات العامة في كندا انطلاقاً من أن أفضل تحليل استخباراتي لا يكون ذا قيمة ما لم يصل إلى صانع القرار، بصورة دقيقة وفعالة. ويعد هذا هو مجال التركيز الأساسي لهذا الكتاب.

ويسعى الكتاب إلى قياس فاعلية المخرجات الاستخباراتية؛ أي مدى تأثير التحليل الاستخباري على الزبائن الرئيسيين (ممثلاً في الحكومات)، حيث لا يوجد إجماع بين المنظرين، أو الممارسين حول كيفية تعريف نجاح تأثير المخرجات الاستخباراتية على صانع القرار، ناهيك بمحاولة معيار واحد متفق عليه لقياس نجاحها.

وجرت عدة محاولات لتعريف فاعلية التحليل الاستخباراتي؛ منها أن التحليلات الاستخباراتية المفيدة هي تلك التي تشجع على تبني سياسات تختلف عن تلك التي كانت الحكومة ستتبناها في حالة غياب التحليل. وعلى الرغم من أن هذا المعيار يعد مفيداً، فإنه يتسم بالعمومية الشديدة، كما أنه يمكن أن يحمل معاني مختلفة؛ ولذلك لا يصلح للاعتماد عليه كمعيار.

اقرأ أيضاً: دراسة حديثة: كيف تشكل القدرات السيبرانية موازين القوى محلياً ودولياً؟ (2)

ومن جانب آخر، تركز بعض المخرجات التحليلية على القدرة على التأثير في السياسة العامة للدولة. كما أوضح العديد من الذين تمت مقابلتهم أثناء إجراء الكتاب، فإنه يصعب قياس كيفية دعم التحليل الاستخباراتي للسياسة العامة؛ حيث إنه نادراً ما يكون كبار صانعي السياسات مستعدين لتقديم ردود مفصلة حول ما إذا كانت احتياجات صانع القرار قد تمت تلبيتها أم لا؛ فمثلاً، ووفق تعبير أحد الأشخاص الذين تمت مقابلتهم، “أنت تعرف متى تفشل؛ لكنك لا تعرف بالضبط متى تنجح”.

وعلاوة على ذلك، نادراً ما يدرك كبار صانعي السياسة في السياق الكندي أن لديهم حاجة قوية إلى الاستخبارات؛ بمعنى أن يكون لديهم سؤال استخباراتي يحتاجون إلى إجابة دقيقة عنه، وفي هذا السياق من الصعب على وحدات التحليل الاستخباراتي إنتاج تلك المعلومات في الوقت المناسب؛ إذ إنه من الصعب إنتاج تحليل يجيب عن أسئلة السياسة العامة، بالشكل الصحيح، وفي الوقت المناسب وللأشخاص المناسبين. كما يجب أن تكون هذه المخرجات استشرافية وتساعد على تجنب المفاجآت غير المرغوب فيها. ولتحقيق ذلك، يجب على المؤسسات التحليلية تعزيز خبرتها في القضايا المختلفة، وتطوير قدراتها التحليلية، وهو غالباً ما تقوم به أجهزة الاستخبارات، غير أنها لا تقوم بما هو أهم؛ وهو تطوير فهم لعملية صنع السياسة. وتعد هذه النقطة هي أكبر تحدٍّ يواجه كندا الآن.

يغطي الكتاب الفترة الممتدة من هجمات 11 سبتمبر 2001 حتى 2019؛ حيث ازداد دور أجهزة الاستخبارات فجأة، وأصبحت أكثر بروزاً في مداولات الأمن القومي الكندي، كما ازدادت رغباتها في الحصول على مزيد من المعلومات في مجال مكافحة الإرهاب وفي صنع السياسة الخارجية عموماً.

هجمات 11 سبتمبر عام 2001 التي استهدفت البرجَين التوأمَين في مجمع التجارة العالمي في نيويورك- the conversation

منهجية الكتاب:

اعتمدت منهجية هذا الكتاب على جمع البيانات والمقابلات؛ فقد تم إجراء ثمانٍ وستين مقابلة مع ممارسي الأمن القومي الحاليين والمتقاعدين، معظمهم من كندا، وما يقرب من 15 في المئة من الدول الحليفة. ومن داخل كندا، تراوحت المقابلات بين مسؤولين ومحللين، كما تم إجراء مقابلات مع كبار المستشارين السياسيين الحاليين والسابقين للوزراء ورؤساء الوزراء. وأخيراً، تم إجراء مقابلات مع العاملين والمتقاعدين والممارسين في الولايات المتحدة؛ مما سمح بفهم العلاقة الاستخباراتية بين كندا والولايات المتحدة بشكل أفضل، خصوصاً أن كندا تعتمد على هذه العلاقة بشدة.

وبينما تمثل المقابلات المصدر الرئيسي للبيانات الأولية والأصلية، فإن الكتاب يعتمد أيضاً على مصادر أخرى؛ مثل الوثائق الحكومية الرسمية (على سبيل المثال، التقرير السنوي عن الخطط والأولويات والشهادات البرلمانية والتقارير من خلال هيئات المراجعة والرقابة) والتقارير الإعلامية والمؤتمرات والمحادثات التي عقدت، والأدبيات الأكاديمية (المحدودة) حول هذا الموضوع في السياق الكندي. وعلاوة على ذلك، فإن كبار المسؤولين في الاستخبارات الكندية زودوا المؤلفين بتقارير داخلية رفعت عنها السرية عن العلاقة بين الاستخبارات وصناعة السياسات.

وفي جميع أجزاء الكتاب، سلط الضوء على أوجه التشابه والاختلاف بين الأدوار والمهام والإجراءات الخاصة بمجتمع تحليل الاستخبارات الكندية ونظرائها الرئيسيين في الدول الغربية.

اقرأ أيضاً:  دراسة حديثة: كيف تشكل القدرات السيبرانية موازين القوى محلياً ودولياً؟ (3)

ويشير المؤلفان إلى القيود التي واجهاها أثناء إعداد هذا الكتاب؛ وهي أن إجراء الأبحاث على مجتمع الاستخبارات في أي بلد يمثل تحدياً بطبيعته، نظراً لوجود القليل من المعلومات المتاحة للعامة.

واعتمد المؤلفان في إعداد الكتاب على توظيف جهات الاتصال الموجودة لديهما من باحثين وخبراء وغيرهما، وإعداد مجتمع العينة من خلال أسلوب “كرة الثلج”؛ حيث يحدد من تم استطلاع رأيه مجموعة أخرى من الأفراد يمكن إعداد مقابلة معهم.

نظرة عامة على الكتاب

يقدم الكتاب لمحة عامة عن الاستخبارات الكندية ومجتمع الأمن القومي، ويسلط الضوء على بعض الخصائص الحاكمة لها؛ والتي تتمثل في ضعف القيادة المركزية، وهو ما يعني أن القيادات التي تتولى مناصب أمنية تلعب دوراً مؤثراً مقارنةً بالدول الغربية الأخرى السابق الإشارة إليها. ويسلط الكتاب الضوءَ على أهمية الممارسات البيروقراطية اليومية اللازمة من أجل تعزيز العلاقة بين الاستخبارات والسياسات العامة؛ بما في ذلك جوانب مثل التوظيف والتدريب وعروض التبادل وتحديد المسارات الوظيفية. وبالنظر إلى الطبيعة اللا مركزية للاستخبارات ومجتمع الأمن القومي الكندي، وتصاعد دور الشخصيات القيادية في تحديد مسارات عمل الجهاز، نجد أن الوحدات التحليلية المختلفة التابعة للمجتمع الاستخباراتي الكندي تفتقر إلى الممارسات الإدارية الموحدة في جوانب تتعلق بمعايير التوظيف، والتدريب وتحديد المسارات الوظيفية.

مقر جهاز مخابرات الأمن الكندي -“CSIS”

هيكل الاستخبارات الكندية:

يشير المؤلفان إلى وجود خمسة عوامل رئيسية تؤثر على عمل الوحدات التحليلية؛ وهي: المؤسسات، والشخصيات، والاختصاصات والقدرات والمساءلة؛ وهو ما يمكن تفصيله على النحو التالي:

  • لا مركزية المؤسسات: إذ إن مستشار رئيس الوزراء لشؤون الأمن القومي والاستخبارات لديه سلطة محدودة على المؤسسات المكونة لمجتمع الاستخبارات الكندي، كما أن هناك قيوداً على قدرته على لعب أي دور تنسيقي بينهم. وقد تحسن هذا الوضع في السنوات الأخيرة، مع تأسيس مناصب وهياكل مؤسسية جديدة، وذلك إلى جانب محاولة بناء ثقافة قوية للأمن القومي، وتعزيز قيم التعاون.

وهناك مكتب يتبع رئيس الوزراء، ويقوم بتنسيق جميع أنشطة القطاعات الحكومية المختلفة؛ بما في ذلك الأمن والاستخبارات، ويعد مستشار رئيس الوزراء لشؤون الأمن القومي والاستخبارات هو المسؤول الكبير في المكتب، والذي يتولى مسؤولية تنسيق مجتمع الأمن والاستخبارات ودعم رئيس الوزراء ومجلس الوزراء أثناء قيامهم بمسؤولياتهم في هذا المجال. وتم استحداث هذا المنصب في عام 2004.

اقرأ أيضاً:  بعد الاعتذار: السعودية تنتصر دبلوماسيًا على ألمانيا، فماذا عن كندا؟

ولا يتمثل دور المكتب في توجيه عمل الأجهزة الاستخباراتية المختلفة؛ ولكن في جمع الأشخاص الذين ينتمون إلى مختلف الوكالات الاستخباراتية الكندية معاً ومحاولة إقناعهم بتنسيق السياسات والعمليات معاً. ويعتبر أحد مواطن قوة المكتب هو قربه من رئيس الوزراء؛ لكنه يفتقر إلى الحجم والسلطة اللازمة للعب دور تنسيقي أكثر قوة. وبلغت ميزانية مستشار الأمن القومي والاستخبارات في عام 2018، نحو 11 مليون دولار كندي فقط، كما كان يضم نحو تسعين فرداً، وهو ما يعد مؤشراً على محدودية دوره.  

  • طغيان التوجهات الفردية: يتأثر نجاح المجتمع التحليلي داخل أجهزة الاستخبارات بالشخصيات القيادية التي تتولى إدارته، وتحديداً ما إذا كان لدى كبار القادة الرغبة في الحصول على تحليلات أم لا؛ إذ إن ذلك يؤثر بشكل مباشر على دور الاستخبارات.

وتعني اللا مركزية وعدم النضج النسبي للمؤسسات الاستخباراتية الكندية، أن الشخصيات لها تأثير كبير على نجاحات وإخفاقات الأجهزة المسؤولة عن تحليل الاستخبارات، فعندما يكون لدى القادة في القمة الرغبة في الحصول على تحليل استخباراتي، فإن هذا يحفز الوكالات الحكومية تحت مستوى القائد لقراءته واستخدامه، كما أنه يدفع المنتجين لكتابة تحليل أفضل.

رئيس الوزراء الكندي ترودو – أرشيف

ويعد هذا إلى حد ما أمراً طبيعياً في أية بيروقراطية؛ إذ دائماً ما يكون لشخصيات كبار القادة تأثير على كيفية عمل المؤسسة. ولكن نظراً لأن المؤسسات متخلفة نسبياً في مجتمع الاستخبارات الكندي، فإن التغييرات في القيادة يكون لها تأثير أكبر مما يحدث في السياقات الأخرى التي تكون فيها المؤسسات أكثر نضجاً. وبالطبع، فإن التحولات الرئيسية تحدث عندما يتولى رئيس وزراء جديد منصبه.

ويؤكد ما سبق تباين حالة مجتمع التحليل الاستخباراتي من رئيس وزراء لآخر، وتحديداً في ظل رئاسة رؤساء الوزراء جان كرتيان (1993- 2003)، وستيفن هاربر (2006- 2015)، وجوستين ترودو (2015- ). فقد كان من المعروف جيداً أن كرتيان غير مهتم عموماً بالحصول على تحليل المعلومات الاستخباراتية؛ مما حفز أجهزة الاستخبارات على تجاهل هذا الجانب. ونظراً لأنه لم يقرأ الكثير من هذه التحليلات، لم تهتم القيادات الأدنى منه باستثمار الوقت لقراءة التحليلات الاستخباراتية بأنفسهم، وهو ما انعكس سلباً على الاهتمام بها.

وقد تغير الوضع في عهد رئيس الوزراء هاربر، كما أكدت المقابلات المتعددة. فقد أدرك الموظفون السياسيون والوزراء وكبار الموظفين العموميين أن هاربر مستهلك متعطش لتحليل الاستخبارات؛ إذ كان يقرؤها، ويعلِّق عليه، كما كان يطرح عليهم أسئلة، بينما أكد آخرون أن هاربر قرأ المعلومات، وقدَّرها، وتفاعل معها كثيراً؛ وهو ما دفع مجتمع الاستخبارات للاهتمام بالتحليل الاستخباراتي، وتخصيص الموارد اللازمة لذلك.

شاهد أيضاً: فيديوغراف.. ترودو الأسود يدفع ثمن الماضي

أما في عهد ترودو، فكانت العلاقة بين مكتب رئيس الوزراء ومجتمع الاستخبارات قوية؛ فقد طلب الأخير إحاطات شفوية منتظمة ومخرجات مكتوبة، وهو ما أسهم في استمرار اهتمام أجهزة الاستخبارات بالجوانب التحليلية.

  • تداخل الاختصاصات: يلاحظ أن توزيع الأدوار بين مختلف الأجهزة التي تشكل الاستخبارات الكندية ليست محددة بوضوح؛ حيث يوجد بعض التداخل في المسؤوليات، وهو ما يولد قدراً من الارتباك حول حدود اختصاص كل مؤسسة؛ وهو ما يؤدي إلى التنافس، ويقضي على فرص التعاون بينها، حتى في مجتمع صغير؛ مثل مجتمع الاستخبارات الكندي.

وعلى سبيل المثال، فإن حكومة توردو الكندية (2015- 2019) سعت لمناقشة سياسة كندا الشرق أوسطية في أحد اجتماعاتها، وكان من الملاحظ أن مجتمع الاستخبارات لم يلعب دوراً في تشكيل محادثات مجلس الوزراء حول هذه القضية، كما أنها لم تتعاون معاً للخروج بتقييم موحد عن الوضع، والذي كان يمكن أن يكون بمثابة الأساس التي يؤسس مجلس الوزراء عليها نقاشاته. ومن جهة أخرى، كان هناك ربط محدود بين التكليفات الاستخباراتية، وتطوير السياسات العامة.

  • غياب الاستخبارات البشرية: تفتقد كندا جهازَ استخبارات “خارجياً” يدير عملاء، وقادراً على الوصول إلى “الاستخبارات الأجنبية”، والتي يقصد بها أية معلومات أو استخبارات تتعلق بقدرات أو نيّات أو أنشطة أية دولة أجنبية أو مجموعة من الدول الأجنبية، ولا تشمل، بطبيعة الحال، المواطن الكندي، أو المقيم الدائم على الأراضي الكندية، أو الشركات الكندية.
ستيفين جوزيف هاربر، رئيس الوزراء الكندي السابق- أرشيف

ويعني ما سبق أن كندا تعتبر مستورداً كاملاً للمعلومات الاستخباراتية من الحلفاء والشركاء؛ خصوصاً الولايات المتحدة. وهذا يقلل من قدرة كندا على امتلاك معلومات استخباراتية خاصة بها، ومشاركتها مع الحلفاء. كما أنه يزيد مخاوف بشأن ما إذا كانت الترتيبات الحالية تعتمد كثيراً على المعلومات الاستخباراتية الأجنبية، والتي لا تعكس بالضرورة المصالح الكندية، أو وجهة نظرها.

كما أنه من جهة أخرى، فإن المعلومات الاستخباراتية لها قيمة، ومن أجل الحصول عليها لا بد من أن تدفع ثمنها، والذي يتمثل في مقايضتها، على سبيل المثال، بمعلومات استخباراتية مقابلة. وتسعى الاستخبارات الكندية لأن تتعاون مع نظيرتها الأمريكية من خلال التواصل المباشر، والذي يتم كل أسبوعين تقريباً، من خلاله يقوم الجهازان بتبادل التحليلات الاستخباراتية وتنقيحها. وكشف الكثير من المستجوبين للكاتبَين أن الاستخبارات الكندية تقدم تحليلات استراتيجية عامة معقولة (مثل تحديد الاتجاهات الناشئة)؛ ولكن تحليلاتها التكتيكية، والتي تتناول بعمق مزيداً من التفاصيل ليست على نفس القدر من الكفاءة (مثل تحليل قدرات أو نيّات تنظيم إرهابي، أو قدرات دولة معادية).

وفي المقابل، تركز الاستخبارات البشرية الكندية بشكل حصري تقريباً على “استخبارات الأمن الداخلي”؛ أي “معلومات استخباراتية عن هوية وقدرات ونيّات أجهزة الاستخبارات المعادية أو المنظمات أو الأفراد، الذين يشاركون في أنشطة التجسس والتخريب والإرهاب، والجريمة المنظمة وغيرها من الأنشطة الإجرامية”.

اقرأ أيضاً: تراجع سوق الأسرار

ويفسر البعض ذلك بالرجوع إلى التاريخ، وكون كندا إحدى الدول التي كانت تتبع التاج البريطاني؛ إذ كانت الإمبراطورية البريطانية مسؤولة عن الأمن الخارجي، في حين أن الأجهزة الأمنية الكندية كان ينصب تركيزها على تأمين الداخل من أية عمليات تخريبية يقوم بها الفينيان (الموالون لإيرلندا) والمتطرفون من جنوب آسيا.

وعلى مر السنين، كان هناك نقاش محدود في الدوائر الأمنية والاستخباراتية حول ما إذا كان ينبغي على كندا النظر في إنشاء برنامج لجمع المعلومات الاستخباراتية البشرية الأجنبية، سواء من خلال توسيع صلاحيات “جهاز الاستخبارات الأمنية الكندية” ليشمل ذلك، أو عن طريق إنشاء منظمة استخباراتية جديدة. ويركز الكتاب على هذه النقطة من منظور مدى تأثير ذلك على جودة التحليل في مجمع الاستخبارات الكندي. ومع ذلك، أشار الكتاب من خلال مراجعة آراء الخبراء أنه ليس هناك اتفاق، عما إذا كان امتلاك جهاز استخباراتي أجنبي سوف يسهم في تعزيز جودة التحليل الاستخباراتي الكندي أم لا.

  • دور الرقابة الاستخباراتية: برزت في الآونة الأخيرة أجهزة رقابية، والتي قد تؤثر على العلاقة بين الاستخبارات وصنع القرار، وقد يساعد ذلك في زيادة الشفافية حول عمل أجهزة الاستخبارات الكندية، على نحو يعزز من رصيدها المجتمعي، ويعزز من الثقافة الاستخباراتية الكندية، والتي تعاني ضعفاً بيِّناً.

وعلى الجانب الآخر، فإن الإخفاق في بناء رصيد مجتمعي قد يترتب عليه تداعيات سلبية؛ أي دفع البيروقراطيين إلى إبطاء، أو وقف عملية الشفافية، إذا ما ظنوا أن هذا النظام غير عادل، أو يتم استغلاله بصورة سلبية للإساءة لأجهزة الاستخبارات الكندية؛ وهو ما يحد من التمويل الموجه لها، ويجعلها في الوضع الضعيف القائم حالياً.

تسعى الاستخبارات الكندية لأن تتعاون مع نظيرتها الأمريكية من خلال التواصل المباشر-“CETTY”

ويلاحظ أن هناك مؤسستَين تلعبان دوراً مهماً في الرقابة على مجمع الاستخبارات الكندي؛ وهما: “مكتب المدقق العام”، الذي يجري عمليات تدقيق دورية مستقلة لعمليات الحكومة الفيدرالية؛ بما في ذلك الإدارات الحكومية، و”مكتب مفوض الخصوصية”، الذي يفرض قوانين الخصوصية الفيدرالية التي تحدد القواعد الخاصة بكيفية تعامل المؤسسات الحكومية الفيدرالية مع المعلومات الشخصية.

وتشكل معظم المعلومات التي تم جمعها نتيجة لأنشطة الاستخبارات الكندية معلومات شخصية بموجب القانون الكندي. ويلاحظ أن هذه الهيئات محدودة في حجمها، ومع ذلك ليس لديها دائماً الخبرة للتعمق في عالم العمليات الاستخباراتية وقضايا الأمن القومي المعقدة. كما أن كل الأجهزة الاستخباراتية لديها وحدات المراقبة الداخلية الخاصة بها.

وتركز عمليات مراقبة ومراجعة أجهزة الاستخبارات الكندية ومجتمع الأمن القومي عموماً بشكل شبه حصري على تقييم عمليات هذه الأجهزة ومدى امتثالها للقوانين الكندية وحسب، ولم توجه أي جهود للنظر في عمل الوحدات التحليلية داخل أجهزة الاستخبارات.

اقرأ أيضاً:  ثاني أكبر دولة في العالم.. حقائق مثيرة عن كندا

إدارة أجهزة الاستخبارات:

سلط الخبراء الذين تمت مقابلتهم الضوء على استراتيجيات توظيف المحللين في مجتمع الاستخبارات الكندي؛ إذ تسعى المخابرات الكندية إلى توظيف الجامعيين، وذلك عبر حضور ممثلين من هذه الأجهزة معارض التوظيف؛ لتشجيع الطلاب على التقديم للعمل في أجهزة الاستخبارات الكندية.

وتعمل بعض المنظمات على عقد مسابقات في الحرم الجامعي، مثل مؤتمر “الهاكاثون” (Hackathon)؛ وهي مؤتمرات تسعى لجمع المتخصصين في مجال تكنولوجيا المعلومات وغيرهم، وذلك للتعريف عن أنفسهم، واختبار قدراتهم، ولكن مثل هذه المؤتمرات تركز بشكل أساسي على مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات، بدلاً من العمل كمحللين.

ولا يمتلك مجتمع الاستخبارات الكندي بنية تحتية لتدريب المحللين يمكن مقارنتها بما هو موجود في الولايات المتحدة. وبدلاً من ذلك، يختلف كل برنامج تدريبي لجهاز استخبارات عن الآخر. فعلى مدار تاريخه، قدم جهاز الاستخبارات الأمنية الكندية فرصاً تدريبية محدودة لمحلليها، والتي تضمنت دورات تدريبية.

الكولونيل موريهن في القوات المسلحة الكندية يتحدث عن القدرات السيبرانية في مركز قيادة الدفاع الجوي 2018- “أسوشييتد برس”

ومنذ عام 2019، يحضر محللون جدد البرنامج التدريبي لضباط المخابرات ليصبحوا أكثر تأقلماً مع مهام جهاز المخابرات الأمنية الكندية الذي سيعملون فيه. وهذا يشبه المسار، الذي يسلكه محللو وكالة الاستخبارات المركزية في بداية تدريبهم؛ ولكنها تتباين من جهاز استخباراتي لآخر.

المخرجات الاستخباراتية الكندية

يناقش الكتاب معضلة أن المحللين في كثير من الأحيان يفضلون تقديم مخرجات تحليلية طويلة (أوراق/ بحوث/ دراسات…) تتعمق في القضايا المعقدة، بينما يتم الضغط عليهم من صانعي السياسات لتقليص حجم هذه التحليلات؛ إذ إنهم يفضلون التحليلات القصيرة، التي تركز على الآثار المترتبة على الأحداث الجارية.

ويوثق الكتاب كيف تكيف المجتمع التحليلي بشكل متسارع مع متطلبات المسؤولين الحكوميين. فعلي سبيل المثال، قدمت بعض الوحدات بشكل متزايد إحاطات شفوية ومخرجات تحليلية يومية قصيرة وملفات تعريفية قصيرة للأشخاص (البروفايل)؛ وذلك بالاستفادة من المعلومات مفتوحة المصدر. وكشفت المقابلات التي تم إجراؤها باستمرار أن المسؤولين الحكوميين الذين تلقوا مثل هذه المخرجات، كانوا أكثر رضاءً بشكل عام.

اقرأ أيضاً: كيف أصبحت حرب المعلومات الإلكترونية أخطر أسلحة الصراعات؟

ولطالما كانت الوحدات التحليلية في كندا مترددة في كتابة الملفات التعريفية، والتي هي عبارة عن وثائق قصيرة تركز على زعيم أجنبي؛ مثل رئيس دولة أو وزير، أو شخصيات بارزة أخرى، مثل الإرهابيين، تصف خلفياتهم السياسية والأيديولوجية والشخصية، ومع ذلك يشير الكتاب في نتائجه إلى وجود شبه إجماع بين العملاء على أنها مفيدة وأنهم يقدرون إذا تلقوا هذه النوعية من المخرجات الاستخباراتية.

ويُظهر الكتاب أن تحليل المعلومات الاستخباراتية في كندا يعاني بعض المشكلات؛ إذ لا يعالج الأولويات الحكومية بشكل كافٍ، ولكنه يقع في كثير من الأحيان في فخ إنتاج تحليل مكتوب بأسلوب جيد ومثير للاهتمام؛ ولكنه ليس ملائماً لاهتمامات وشواغل كبار صانعي السياسات، ومن ثم لا يستثمرون وقتهم لقراءته. ويرى الأشخاص الذين تمت مقابلتهم أن المجتمع التحليلي يحتاج إلى إنتاج المزيد من تحليلات الفرص (تقييم مسارات العمل المحتملة)، بينما تفضل وكالات الاستخبارات عادةً التركيز على تحليل التهديدات.

وأكدت الغالبية العظمى من الأشخاص الذين تمت مقابلتهم عدم اكتراث المسؤولين الحكوميين بالمنهجية، كما أكدوا كذلك انزعاجهم من الاستخدام المتكرر لأساليب تحليلية تستخدم المصطلحات والعمليات المنهجية المعقدة.

يقول خبراء الأمن السيبراني إن ساحة الحرب السيبرانية ستغطي الكوكب بأكمله- “فورين أفيرز”

مستقبل الاستخبارات الكندية:

يرى الكاتبان أن أجهزة الاستخبارات الكندية لا يمكن أن ترقى إلى وصف مجتمع الاستخبارات، والذي يعني أن كفاءته وقدراته تفوق كفاءة وقدرات الأجهزة المكونة له، غير أن الاستخبارات الكندية لم تصل إلى هذا المستوى؛ إذ إنها تنقسم إلى العديد من الأجهزة المتنافسة. وعلى الرغم من أن التنافس يعد أمراً حميداً؛ فإنه يساعد على رفع مستوى التحليل، غير أن الإسراف في المنافسة كان غير صحي، خصوصاً أن الأجهزة الاستخباراتية في كندا تعمل وكأنها جزر معزولة متسارعة.

وعلى سبيل المثال، يُنظر إلى “أمانة تقييم الاستخبارات” على أنها ذات توجهات أكاديمية للغاية ومنفصلة عن الواقع ومتغطرسة، بينما تنظر الأمانة إلى باقي الأجهزة الأخرى على أن تركيزها ينصب على التحليلات التكتيكية للغاية، كما أن جودتها ليست عالية. وغالباً ما تكون آراء جهاز الاستخبارات الأمنية الكندية وفرع تقييم الاستخبارات التابع له، سلبية ضد “مركز تقييم الإرهاب المتكامل”، ويستخدم الأول عبارات نقدية حادة في وصف مخرجات الجهاز الأخير. وبالنسبة إلى العديد من الأشخاص الذين تمت مقابلتهم، فإن هناك حاجة إلى التنسيق بين الأجهزة المختلفة لتقديم مخرجات مشتركة، وتنسيق القضايا التي سيتم العمل عليها، والتوظيف الأمثل للموارد (مثل التدريب، وما إلى ذلك)، والعمل معاً بشكل عام.

اقرأ أيضاً: 10 حقائق لا تعرفها عن كندا

ويرجع أسباب عدم تطور مجتمع الاستخبارات الكندية إلى البيئة الأمنية الدولية التي واجهتها كندا في العقود الماضية، فنظراً لأن كندا بلد آمن نسبياً، فليس هناك سوى حوافز محدودة لكبار صانعي السياسات لاستخدام المخرجات الاستخباراتية، وهو ما أثر سلباً على الحاجة إلى أجهزة الاستخبارات الكندية.

وفي المقابل، يواجه أقرب حلفاء وشركاء كندا تهديدات كبيرة؛ إذ إن الولايات المتحدة قوة عظمى لها مصالح عالمية، بينما المملكة المتحدة كانت إمبراطورية سابقة قوية ولديها تاريخ طويل في الانخراط في الشؤون الدولية، بالإضافة إلى مواجهة تحديات أمنية داخلية؛ مثل تجربة العنف في أيرلنديا الشمالية. أما أستراليا، فتمتلك مصالح أمنية قوية في محيطها المجاور في جنوب شرق آسيا. وهذه البلدان الثلاثة، بسبب انخراطها في السياسة الدولية ومصالحها الأمنية الواضحة، لديها ثقافة أعمق في مؤسساتها السياسية تتطلب تحليلات استخباراتية؛ إذ يحتاج صانعو السياسات في كثير من الأحيان إلى الاستخبارات ويعرفون كيف يتم استخدامها، ولعل هذه الاختلافات ما تفسر لنا أسباب عدم نضج مجتمع الاستخبارات الكندي مقارنةً بأقرانه الثلاثة السابقين.

اسم الكتاب: التحليل الاستخباراتي وصناعة السياسات: الخبرة الكندية

اسم المؤلفين: توماس جونيو وستيفاني كارفن

المطبعة: مطبعة ستانفورد للنشر

سنة النشر: 2022

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة