الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفةشؤون خليجية

قراءة في كتاب: «تاريخ العبيد في الخليج العربي»

الكاتب الكويتي هشام العوضي يسرد في كتابه الأخير خبايا الحديث عن تاريخ خليجي مهمش

كيوبوست

هل سمعتم مصطلحات مثل: “بيسر”، “خال”، “أزرق” وطبعاً “عبد”؟ إذن أنتم معتادون على مشاهدة، وربما معايشة، فئة كبيرة من أهل الخليج؛ ولكنهم يختلفون عن باقي الخليجيين في لونهم وملامحهم وبعض عاداتهم، وكذا التاريخ الذي يقف وراء مجيئهم إلى أرض الجزيرة. تعرفوا على العبد الخليجي عُثمان، الذي اختطف من وطنه الأصلي إثيوبيا عندما كان صبياً يافعاً، وعاش بعدها كسلعة تنقلت بين اليمن، والإحساء، وقطر، وأبوظبي، ودبي. لم تُتح الفرصة لعثمان كي يحكي قصته مع العبودية إلا بعد تحرره في سن الخامسة والعشرين، والملاحظ هنا أن قصته لم تسجلها وثائق رسمية خليجية أو مؤرخو بلده الخليجي، في مرحلة ما بعد الاستقلال؛ بل الوثائق البريطانية.

السكوت عن قصة عثمان له أسبابٌ عديدة؛ منها أن أحفاده الآن هم مواطنون خليجيون يمارسون حياة طبيعية، ولا داعي لإحراجهم عبر تذكيرهم بأن أجدادهم كانوا سلعاً اقتصادية! وكما يقول الكتاب الذي بين أيدينا فإن الهدف من السكوت عن تاريخ العبيد لم يكن: “الرغبة في تزييف الذاكرة الجمعية بالضرورة؛ ولكن العمل على صناعة ماضٍ صديقٍ وغير محرج لنسل العبيد الذين تم عتقهم.. قَصَد الإسكات إلى إتاحة الفرصة لتناسي الماضي، وإعادة بناء هوية جديدة تمكِّن أحفاد تلك الفئة من المجتمع من الانصهار في المجتمع الخليجي من دون إحراجات”.

الأكاديمي الكويتي د.هشام العوضي – تويتر

 لكن السكوت يظل في نهاية المطاف تشويهاً للتاريخ، أو في أهون الأحوال تقديماً ناقصاً للحقائق التاريخية. ويأتي كتاب «تاريخ العبيد في الخليج العربي»، الذي نشره الأكاديمي الكويتي د.هشام العوضي، ليصحح جانباً من هذه التشوهات، وليُعَرِّف القارئ العربي على مدرسة جديدة في الكتابة التاريخية، تعتمد على: “توثيق تجربة كل من تجاهله أو همشه التاريخ التقليدي الرسمي”.

اقرأ أيضًا: العبودية اليوم.. مئات المعاهدات وعشرات ملايين المستعبدين

العبودية والعولمة المبكرة:

من الغريب أننا تقاعسنا عن معرفة تاريخ الخليجيين- السود (إن صح التعبير)، رغم إسهامهم الكبير في حياتنا؛ ففي القرن التاسع عشر بلغ عددهم مليون نسمة، وشكلوا غالبية جيش حكام عمان، فبلغ عددهم 4000 مقاتل مسلح ومدرب بشكل جيد، واستفاد العمانيون منهم في توسيع زراعة القرنفل في جزيرة زنجبار، واستخدموا منهم عشرات الآلاف في زراعة ذلك المحصول الذي كان مطلوباً بشدة خلال تلك الأزمنة، وشاركت منهم أعداد هائلة في مهنة الغوص؛ بحثاً عن اللؤلؤ، والتي بلغ عدد محترفيها مئة ألف نسمة، أتى معظم هؤلاء العبيد من موزمبيق، وتنزانيا، وملاوي، وكينيا، وأوغندا، وزامبيا، وأتَت قلة من إثيوبيا ونيجيريا. وكان غالبية حرس الكعبة والمسجد الحرام في مكة من العبيد السودانيين.

ومن التفاصيل التاريخية الغريبة والتي غابت عنا، ووثَّقها الكتاب، أن التمور الخليجية لاقت رواجاً كبيراً في الأسواق الأمريكية خلال أواخر القرن الـ19 وبدايات القرن الـ20، وكانت تُستهلك بشراهة خلال مواسم أعياد الشكر والميلاد، وفي ذروة الطلب الأمريكي قُدِّر حجم الاستيراد الأمريكي بـ97 مليون رطل. وكلما زادت شهية المستهلك الأمريكي للتمر الخليجي، زاد اعتماد حكام وتجار الخليج على العبيد في زراعة النخيل، وصيانة أنظمة الري، وباقي أوجه الاقتصاد الذي حرك المنطقة آنذاك.

هذه السلسلة الاقتصادية العالمية من العرض والطلب والسعي المحموم وراء الأرباح قبل 100 عام وأكثر، أدت إلى تغيرات كبيرة في التركيبة السكانية لبلدان الخليج والجزيرة؛ ففي عام 1905 شكَّل العبيد 11% من سكان الكويت، و28% من سكان الإمارات، و25% من سكان عُمان، وقدَّر البريطانيون بأن نسبتهم من إجمالي السكان تصل إلى 17%.

ولم يكن العبيد الخليجيون مجرد أرقام في سجلات التجارة والتعداد السكاني؛ بل جلبوا فنونهم الخاصة بهم في الموسيقى والرقص والأكل، وكانت لهم بصمة في أحوال المنطقة الاجتماعية واللغوية والدينية بل والسياسية. ومن المهم التنبيه أنهم لم يكونوا جميعاً من الأفارقة أو سود البشرة.

أن تكون عبداً في الخليج والجزيرة العربية

قد يظن الكثيرون أن العبيد كانوا يعاملون دوماً بقسوة وتوحش في الخليج والجزيرة، هذا حكم على معاناتهم في عصور الاستعمار الأوروبي أو لأنهم ببساطة عبيد بلا قدرة على التحكم بمصائرهم وخياراتهم المستقبلية؛ لكن الصورة أكثر تعقيداً من هكذا تبسيط مُخل وفيها الكثير من ألوان الطيف، ومن حسنات هذا الكتاب أن مؤلفه لم يقع في فخ التحمس لكتابة التاريخ بطريقة تُلح على إبراز معاناة هذه الفئة من أهل الخليج لمجرد الرغبة في جلد الذات.

اقرأ أيضًا: عن أسطورة “نحن بنينا الخليج”

ودون الوقوع -أيضاً- في فخ تجميل تاريخ الخليج والجزيرة، واعتماداً على كتابات الرحالة والمستشرقين الغربيين لمنطقتنا؛ وفي مقدمتهم الهولندي سنوك هورغونيه، يتيح الكتاب لنا أن نرى أن معاملة العبيد الخليجيين اتسمت عموماً بالرحمة واللين، ويعود هذا إلى أسباب قيمية؛ منها تعاليم الدين الإسلامي وأخلاقيات عرب الجزيرة، أو أسباب براغماتية؛ مثل تقلبات الحياة والحاجة إلى استبقاء أيدٍ عاملة رخيصة في ظروفٍ مادية صعبة.

الكاتب الهولندي سنوك هورغونيه – أرشيف

يذكر الهولندي سنوك حوادث لطيفة؛ مثل: ميل الآباء الذين عرفهم لمعاملة أطفالهم وكذلك العبيد الأطفال في بيوتهم بنفس المعاملة، أو نظرة المجتمع بسلبية بالغة نحو الرجل الحر الذي لا يُعتِق ويتزوج أَمَتَه التي أنجبت، أو المساواة النسبية بين أبناء الزوجة الحرة والأطفال المولودين من ملك اليمين.

والمثير للانتباه أن سنوك الذي ارتحل في أنحاء الجزيرة العربية في القرن الـ19 حاور العديد من وجهائها الذين عبروا عن رغبتهم بإلغاء الرق في حال توفر الظروف المناسبة. وقد كتب سنوك عن المرأة بعيداً عن التصورات الغربية المغلوطة التي ملأت غالبية كتب ورسائل أقرانه من الرحالة والمستشرقين. فهو يذكر أن نساء مكة يتمتعن بحرية كبيرة، سواء كن حرائر أو إماء؛ وهو ما سهل لهن الحصول على الطلاق، ومن ثم الزواج أكثر من مرة.

اقرأ أيضاً: تروكوسي.. نظام عبودية جنسية لطفلات في إفريقيا للتكفير عن الذنوب

ومن المقدمات التي سهلت تحرير العبيد وعيشهم حياة طبيعية في فترة ما بعد استقلال الدول الخليجية، هي أن البعض منهم استطاعوا أن يتسلقوا السُّلم المجتمعي بكفاءة، مما حسَّن صورتهم لدى باقي فئات المجتمع.

يذكر الكتاب على سبيل المثال أن أحد حكام الكويت عيَّن أحد عبيده مسؤولاً عن تحصيل الإيرادات والرسوم الجمركية. كما سُمح للعديد من العبيد الذين نالوا حريتهم بحمل اسم القبيلة أو العائلة التي انتموا إليها، واستطاع بعضهم احتراف مِهن وصنائع تدر لهم دخلاً جيداً، بل واقتنى بعضهم عبيداً. ولأن العبيد عاشوا في مجتمعات الخليج والجزيرة لأجيال طويلة؛ فقد كان من الطبيعي أن يؤثروا به، نرى هذا في الكلمات الإفريقية، وبالذات القادمة من اللغة السواحلية التي دخلت اللهجات الخليجية؛ مثل: (هامور) وهو نوع معروف من الأسماك، و(أكو) بمعنى يوجد، و(الداو) وهو المركب الشراعي. كما نلمس بصمتهم في فنون الغناء والرقص؛ حيث إن آلة الربابة الموسيقية قد جلبها في الأصل العبيد من شرق إفريقيا، هذا بالإضافة إلى رقصة الزار التي استُخدمت لإخراج الجن من البشر، وقد انتشرت في أنحاء الجزيرة بمسميات مختلفة؛ من السامري في نجد إلى الخبيتي في الحجاز والزيران في نجران.

عوامل معقدة سبقت مرحلة التحرير

وقفت عوامل معقدة وراء تحرير العبيد؛ لعل أبرزها رغبة حكام الخليج في الترويج لأنفسهم في أوساط المجتمع الدولي؛ بوصفهم قادة متنورين يوجهون مجتمعاتهم نحو الحداثة والمدنية، كما أن الضغوط البريطانية، ومن بعدها الأمريكية، وضعت حكومات الخليج في مأزق سياسي اضطرها إلى تغيير سياساتها؛ فقامت البحرين بإلغاء الرق في سنة 1937، والكويت وقطر في 1952، والسعودية في 1962، والإمارات في 1963، وعُمان في 1971. وقامت الحكومات الخليجية بجهودٍ مختلفة لتأهيل العبيد المحررين حديثاً ودمجهم في مجتمعاتهم بصفتهم مواطنين مشاركين في عملية التنمية وبناء الدولة الحديثة.

الصورة طبعاً ليست وردية؛ فقد ظلَّ هناك الكثير من التمييز والعنصرية ضد أحفاد العبيد، حيث تم ربطهم ببعض المهن التي ينظر إليها المجتمع الخليجي بدونية؛ مثل الغناء والرقص في الأعراس. ويتخذ التمييز ضد نسل العبيد أشكالاً مختلفة تمتد حرفياً إلى الجغرافيا؛ حيث يتم تمييزهم وحصرهم في أحياء معينة داخل المدن.

ويختتم د.هشام العوضي كتابه بأمل أن يتصالح الخليجيون مع تاريخ العبودية في المنطقة، وأن تتغير النظرة إلى أدوار العبيد في نسيجنا المجتمعي، وأن يحل الاحتفاء بالتنوع والتعددية مكان العنصرية والتمييز. ومن جهتنا كقراء، فإن هذا الكتاب هو بداية جيدة لتحقيق هذه الآمال على أرض الواقع.

اتبعنا على تويتر من هنا

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة